رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

العالم حائر في سر السعادة

741

شاب فى بداية الثلاثينيات من عمره مهنته بائع سرّيح، وحصيلة تعليمه الشهادة الابتدائية، ومنتهى فرحته فى مكسبه بضع جنيهات فى آخر يومه ويحمد ربه كثيرًا، بعد مشقة التنقل بين الأتوبيسات وسيره على الأقدام على أرصفة الشوارع، ويجد قمة سعادته فى مساعدة أولاد الشوارع، رغم فقره وضعف إمكانيته، وكان دائما ما يصادفهم أمامه ويحزن على حالهم، فقرر أن يمد بينهم جسر من الود، وبدأ فى إقامة صداقة وحوار بين مجموعة منهم، ولم يلبث وقت كبير حتى تولدت الثقة لديهم تجاهه، بسبب اعتيادهم على رؤيته يوميًا فى الشارع، وأعطى أذنيه لهم ليستمع إلى حكاياتهم عن أسباب تشردهم فى الشوارع، وكان أحيانا يتصنع تصديق أحاديثهم حينما يستشعر بكذب كلامهم، ودون أن يعلم هذا الشاب أنه يقوم بدور المعالج النفسي، فى إفراغ المكبوت لديهم من آلام ومعاناة نفسية، ولكنه كان يقدم علاجًا مختلفا تمامًا عن الطبيب النفسي.

وبعد الانتهاء من رواياتهم، يبدأ فى تنفيذ خطة علاجه، ويسرد لهم قصة حياته، منذ أن وجد نفسه فى الشارع بعد قسوة معاملة عمه وزوجته معه واستيلائهما على حصيلة ما كان يتقاضاه من عمله فى ورشة الحدادة، وقد توفى والده وتزوجت أمه وألقت به إلى عمه، وكاد أن يقبض عليه أكثر من مرة، ولكنه كان يستطيع الإفلات، وحاول معه عدد من الأشقياء الانضمام إليهم للسرقة ولم يفلحوا، فقرر البحث عن عمل وتعرف على تاجر خردوات، وأقرضه بضاعة من المناديل والولاعات وماكينات الحلاقة وغيرها ليبيعها فى الأتوبيسات، وسمح له بالمبيت فى مخزن دكانه، وبعد وقت قليل ساعده فى استئجار شقة صغيرة بدور أرضي، وحاليًا يستعد للزواج بعد تأسيس شقته بأثاث متواضع، وبعد انتهائه من مرحلته الأولى للعلاج، ينتقل إلى المرحلة التالية.

ويعرض عليهم التعرف على تاجر الخردوات ليقرضهم بضاعة، ويحدد لهم خط سيرهم بين الأتوبيسات ليتمكن من متابعتهم، واستجاب له ثلاثة أولاد، وجعل هذه خطته فى إنقاذ ما يستطيع من أطفال الشوارع من الموت أو الضياع، لإيمانه بأنهم ثمرة إهمال مجتمع بأسره، ونصب خطته هدفا له فى حياته، ويكرر محاولاته دون يأس أو ملل، فمرات كثيرة يفشل وتارة ينجح، وحينها يشعر أنه حصل على آلاف الجنيهات، ويمثل له النجاح فى تعديل مسار بعضهم قمة سعادته، ويحس أن الدنيا لم تسعه فرحا، إنما أمثاله يجدون قمة سعادتهم فى تدخين سيجارة بانجو أو فى تعاطى قرص مخدرات أو فى سرقة مبلغ من المال، ولكن لا تمثل لهم فى النهاية طبقا لاعترافاتهم سوى سعادة مؤقتة زائفة لم تكن نابعة من داخلهم.

وفى المقابل أحد الأثرياء وواحدًا من رجال الأعمال وينتسب إلى أسرة أرستقراطية، كان عند مساعدته للأرامل وللأيتام، يشعر وكأنه نجح فى الحصول على جميع الصفقات التجارية بالعالم، وحين ينظر إلى قرنائه، يرى سعادة الكثير منهم على وجوههم بعد نجاحهم فى إتمام صفقة تجارية، وأحيانا يقفزون فرحا لتمكنهم من قضاء (كام ليلة) فى إحدى الجزر السياحية بأمريكا أو بأوروبا، أما هو فيطير فرحا عندما يعثر على أيتام فقراء، ليرسل لهم المساعدات الشهرية، ثم يرسل موظفيه إليهم لإلحاقهم بالمدارس ومتابعتهم، ويوفر لهم الدروس الخصوصية بفصول التقوية، ويهيأ للأولاد كبار السن أو من أنهى مرحلة التعليم فرص عمل، وعندما يهمه أمر ويحزنه شئ يسارع للتنزه مع الأيتام.

والبحث عن السعادة أتعب كل الناس منذ بداية التاريخ، ولأول مرة هذا العام الدراسى أقرت مدارس نيودلهى تدريس منهج السعادة، الذى وضعه الزعيم الروحى للتبت الدلاى لاما، والمنهج يركز على الممارسات الذهنية والتعليمات الأخلاقية، وفى جامعة بيل الأمريكية بدأ تدريس مادة السعادة، وخصص لها فصل دراسى بقاعة مقر الجامعة بواقع حصتين أسبوعيًا، وشاهدت إدارة الجامعة إقبالا كبيرًا من الطلاب على دراستها، ويعد أكبر فصل دراسى فى تاريخ الجامعة منذ إنشائها عام 1701، وتقول إحدى الباحثات أن ما يجذب الطلبة هو الأمل، لكى يتغلبوا على الاكتئاب الذى بلغ أعلى درجاته فى السنوات الأخيرة، ومن أشهر خريجى الجامعة جورج بوش الأب وبوش الإبن، وفى نهاية الفصل الدراسى يمنح للطلبة واجبات منزلية فى تفعيل العرفان والجميل فى سلوكهم، والقيام بالأعمال الخيرية وزيادة التواصل الاجتماعي.

ولم يقتصر بحث الإنسان عن السعادة فى فرض مناهجه على الطلاب، فعقد كذلك المؤتمرات العلمية فى كيفية الشعور بالسعادة وتحقيق التوازن النفسي، وكشفت عن خطورة آثار الاكتئاب والضغوط النفسية على الفرد والمجتمع، وحددت الأمم المتحدة يوما للسعادة، وتحتفل به فى 20 مارس من كل عام، ورأى خبراء المنظمة الدولية أن السعادة فى التقدم والقضاء على الفقر، وفى عام 2018 تصدرت الدول الإسكندينافية قائمة الدول الأكثر سعادة، ويعود سر السعادة لمواطنى تلك الدول إلى شغفهم وتعلقهم بالتجمع مع الأسرة بشكل يومى فى المنزل، أو التنزه صحبة مع ممارستهم الرياضة، ويثمنون العمل الجماعى فى كافة المجالات، لاعتقادهم أن العمل الجماعى والتواصل الاجتماعي، يزيد من الترابط والشعور بالانتماء، وهذا على خلاف ما يحدث فى مجتمعا الآن، بعد أن طرأت عليه بعض السلوكيات والعادات الغريبة عنه، ونلاحظها فى أقوال وأفعال الكثيرين منه، مثل «كبّر دماغك» و»كل واحد حر فى حياته»، ويعنى هذا تنازلهم عن النخوة وسيطرة مفهوم الأنانية عليهم، ورغم ذلك لدى يقين بأن هؤلاء كالتراب الذى غطى على الذهب، وبمجرد إزالته يعود المعدن لرونقه وأصالته، ويبقى سر السعادة فى الرضا بالقضاء والقدر، وفى التواصل مع الجميع، وهذا ما فعله الشاب والثرى طبقا لقصتهم الواقعية بدون دراسة مناهج أو حضور مؤتمرات لتحقيق السعادة.