رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

عشقوا أرضهم واستفادوا من كل شبر

789

مع بداية العام الجيد تتمنى أن تفتح عينيك على مشهد لزهور ممتدة على مرمى البصر، وبمجرد نظرك إليها ستشعرك بأن همومك قفزت من خارج صدرك، وبعد استنشاقك لعطرها، سوف تغمرك سعادة لا توصف، واللهم لا حسد فهذا ما يحث لأهل هولندا عند يقظتهم وأثناء تجوالهم، فهنيئًا لهم بجنتهم التى أبدعوها بسواعدهم، وحافظوا عليها منذ أن توسعوا فى زراعتها مع بداية القرن السابع عشر، وهذا شأن كل زائر وسائح تطأ قدماه هولندا، ولسان حاله يقول سبحان الله ما أبدعها، فقد جمع الهولنديون كل أنواع الزهور وجلبوها من كل بلاد العالم وزرعوها على أرضهم، ولم يصبهم كلل ولا ملل فى رعاية أرضهم، ويكمن سر نجاحهم فى عشقهم لأرضهم ورفضهم لتبديد أى شبر فيها دون زراعته.

وتوارث الإنسان الهولندى هذه الثقافة، حتى صارت عقيدة لديه، ولذا تأبى عيناه أن ترى قبحًا، وفى هذا الصدد قص لى أحد المقيمين فى أمستردام، أن عجوزًا نزل لأول مرة البلد فسقط منه غلاف قطعة حلوى على الرصيف، فإذا بالشرطة تحضر فى الحال وتفرض عليه غرامة، ورغم أن هذا تطبقه جميع الدول المتقدمة إلا أن هولندا تنفذه بشكل أكثر صرامة، ولتمتع المواطن الهولندى بسمو الحس الجمالي، ولذا تجده ممن يتصدر قائمة أفضل مستويات المعيشة فى العالم، ونصيبه من الناتج المحلى وصل إلى 48 ألف دولار فى العام، من إجمالى الناتج المحلى للبلاد البالغ 879 مليار دولار، وتعد هولندا فى نفس الوقت من أكبر الدول الأوروبية كثافة سكانية بسبب صغر مساحتها، التى يعيش عليها 17 مليون نسمة، وتضم جنسيات مختلفة وديانات متعددة، وعدد المسلمين فيها تجاوز المليون نسمة، ومع هذا فإن نسبة البطالة فيها منخفضة.

واعتمد الهولنديون على الذات، لما تتمتع بلادهم بمصادر دخل متنوعة من الثروات الطبيعية، وعرف وطنهم بأنه المركز المالى والتجارى لأوروبا منذ عدة عقود، وسيطر على عالم التجارة هناك، وترحلوا للتجارة وفى الرحلات استكشافية حول العالم، وقاموا بتسويق وبيع البضائع الآسيوية وتوابلها داخل أوروربا، التى لم تكن تعرفها من قبل، وأصبحوا وسطاء تجاريين شطار، ولذلك تمثل أول الدول الأوروبية معرفة بثقافة التسامح، ورحبت بمفكرى أوروبا الفارين من جمودها الفكرى أمثال ديكارت وجاليليو، ولأهمية دور رجال الأعمال وغرفتهم التجارية فى الاقتصاد، امتلكوا تأُثيرًا قويًّا فى اتخاذ القرارات السياسية، بحيث لا تضر قرارات قادتها بعلاقاتها التجارية الدولية، وهى تمتلك شركات كبرى عالمية لصناعة الكهرباء والصناعات الكميائية، ولأن أهلها لا يعرفون الفشل، فبعد تراجع منتجات شركة فيليبس الكهربائية نتيجة غزو الصناعات الكهربائية الآسيوية، اقتحمت الشركة صناعة الأجهزة الطبية وأعادت تفوقها من جديد.

ولضيق مساحة هولندا فكل شبر فيها تتم زراعته حتى صارت بلد زراعى من الطراز الأول، ولكى يحافظ أهلها على استدامة خصوبة أراضيهم، يقومون بتسميدها بصفة مستمرة مستخدمين الآلات الزراعية الحديثة، لتستمر فى تفوق إنتاجها الزراعي، وهذا يشترط توافر كميات ضخمة من الأسمدة فى مخازنها، ولكى لا تضار ثروتها الزراعية وتلجأ إلى استيراد الأسمدة، سعت إلى تحقيق مفهوم التكامل الزراعي، فتوسعت فى إنشاء مصانع الأسمدة، إلى أن تخطى إنتاجها الفائض المحلى وقامت بتصدير الأسمدة، ونحن فى بلدنا مازلنا نبحث عن الاعتماد الذاتى على تصنيع الأسمدة المحلية بدلا من استيرادها، وقد تقع كارثة وتختلط بداخلها أسمدة فاسدة، كما حدث مع بذور الطماطم الفاسدة المستوردة التى أضرت بالمحصول فى الموسم الماضي، وتمثل الثروة الزراعية فى هولندا أحد الركائز الرئيسية للاقتصاد، وتعتمد صناعاتها بشكل مباشر على منتجاتها الزراعية من أغذية مصنعة، علاوة على أنها من أكبر الدول إنتاجًا للزهور وللورود، وبهذا تحتل هولندا المرتبة الثالثة على مستوى العالم فى الصادرات الزراعية.

وكان من الضرورى مع طبيعة هذا الشعب الذى يجيد استثمار موارده، أن يلى مرحلة تقدمه الزراعى مرحلة تفوقه فى الإنتاج الحيواني، وقد انتشرت فيه مزارع تربية الحيوانات والطيور، ونجحت فى أن تكون أكبر بلد أوروبى من حيث المزارع الحيوانية، وازدهر اقتصادها من إنتاج اللحوم والدواجن والألبان، ولأن أهل هولندا كما قلنا سابقًا يؤمنون بالحفاظ على بقاء تفوقهم فى كل خطوة اقتصادية يخطوها، تتخذ السلطات الهولندية الإجراءات الاحترازية، وتضع الضوابط البيطرية الصارمة لمنع انتشار الأوبئة فى مزارعها الحيوانية، والبلد الذى يحلم بحياة كريمة ويسعى إلى التقدم، عليه أن يمتلك مقومات نجاحه، ويحقق سياسة تكاملية فى اقتصاده، ويعظم قيمة الاستفادة من موارده الطبيعية، كما يفعل الهولنديون، واستكمالاً فى تنفيذهم مبدأ استغلال كل شبر، استفادوا بسواحلهم الصغيرة فى مساحتها والتى تطل على بحر الشمال فى صيد الأسماك، ولاعتقاده الراسخ بتزاوج إنتاج الثروة الطبيعية مع التصنيع، انتقلوا تلقائيا إلى المرحلة التالية فى صناعة وتجارة تعليب الأسماك والمأكولات البحرية، وحلم التجربة الهولندية ليس ببعيد عن كثير من دول عربية غنية بمواردها الطبيعية، رغم أن نصف أراضى هولندا تقع تحت مستوى سطح البحر.

طرائف ترامبية:
ترامب واحد من أسمن رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تخلو مناسبة إلا وتجده يأكل بشراهة أمام الكاميرات، وكانت إجابة قرينته ميلانيا عن سبب سمنته، أنه يأكل «بوتيكا» وهى من المعجنات التى تشتهر بها بلدها سولفانيا، ومن طرائفه الأخرى أنه حصد أكبر عدد متابعين له على تويتر بين قادة العالم، وهذه الإحصائية رصدتها دراسة سنوية قامت بها شركة أمريكية متخصصة فى الإعلام.