رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

أمريكا تشتعل

73

كتبت :  هبة مظهر

فوضى.. سلب.. نهب.. وحرائق تشتعل في كل مكان.. مع استخدام للقوة ضد المتظاهرين.. ملخص الأحداث التى تشهدها الولايات المتحدة منذ مقتل المواطن الأمريكي ذي البشرة السوداء «جورج فلويد» على يد شرطي أبيض أثناء اعتقاله بعنف.. ورغم أن الحادث لا يعتبر الأول من نوعه إذ يشكل حلقة واحدة من بين آلاف القضايا والحوادث التي تؤكد تغلغل التفرقة العنصرية ضد السود في المجتمع الأمريكى، إلا أن الاحتجاجات العارمة التي أشعلها مقتل فلويد جاءت فى لحظة حرجة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يمكن أن يكون له تأثير سلبى على فرص الرئيس الجمهورى للبقاء فى البيت الأبيض لفترة ثانية، خصوصا مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية فى نوفمبر المقبل.

مقتل فلويد (46 عاما) أشعل حالة عارمة من الغضب بين المواطنين الأمريكيين، وانطلقت احتجاجات عارمة من مدينته بولاية مينيسوتا، ثم امتدت إلى مجموعة كبيرة من المدن والولايات الأمريكية، واتسمت المظاهرات بالتنوع، وهى نقطة أبرزتها متظاهرة من السود فى كاليفورنيا قائلة «يعنى الكثير أن ترى أشخاصا غير السود ينضمون للمظاهرات»، لتصبح واقعة مقتل الشاب الأسود حديث العالم سواء فى وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعى، حيث تجاوزت مشاعر التعاطف حدود الولايات المتحدة، إذ شهدت وسائل التواصل الاجتماعي في العديد من البلدان دعوات إلى إحقاق العدالة فى قضية فلويد، وثارت كثير من مدن العالم غضباً بسبب الوحشية التى قُتل بها.
فمن نيوزيلندا إلى البرازيل، مرورا بأوروبا حتى كندا، خرج المتظاهرون للتضامن مع احتجاجات موت المواطن الأمريكى الأسود جورج فلويد، مؤكدين أن العنصرية قضية مشتركة يعانى منها العالم كله.
وزاد من حالة الغضب انتشار فيديو يوثق لحظة اعتقال شرطيين لـ «فلويد» ويظهر فيه شرطى وهو يضغط بركبته على رقبة فلويد ورفضه رفع قدمه رغم استغاثة الأخير وقوله بحديث واضح إنه لا يستطيع التنفس.
وبالرغم من أن السلطات الأمريكية وجهت إلى الشرطى «ديريك شوفين» تهمة القتل من الدرجة الثالثة، أى القتل غير العمد، إضافة إلى تهمة الإهمال الذى تسبب بالموت، وأفادت السلطات بأنه تم فصل رجال الشرطة الأربعة، الذين شاركوا فى الواقعة، ومن بينهم الضابط المتهم بالقتل والذى شوهد وهو يضغط بركبته على عنق فلويد الذى كان ممددا على الأرض، لكن توجيه الاتهام فشل فى تهدئة مجتمع السود بعد أن أعادت حادثة مقتل فلويد فتح جرح العنصرية وانعدام المساواة من جديد.
وتواصلت الاحتجاجات التى تحولت إلى أعمال عنف وسلب ونهب لكبرى المحلات التجارية، ومواجهات بين الشرطة والمواطنين، عمت أنحاء الولايات المتحدة؛ بل ووصلت إلى أسوار البيت الأبيض المحصن بدروع من الحواجز المعدنية وعناصر الشرطة؛ وأشعل المحتجون الحرائق فى الحديقة الشهيرة أمام البيت الأبيض ليتصاعد الدخان ممتزجا بسحب الغاز المسيل للدموع الذى أطلقته الشرطة لتفريق حشود المتظاهرين.

القوة المفرطة
وفى تناقض واضح مع الشعارات الأمريكية بشأن حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأى، نفذت قوات الشرطة الأمريكية حملة اعتقالات بعدد من الولايات والمدن بحق المتظاهرين، ومنها على سبيل المثال، أوكلاند سيتى وواشنطن وأتلانتا، فى محاولة للسيطرة على التظاهرات، وجرح عشرات الأشخاص بسبب استخدام الشرطة القوة لفض المظاهرات، بينما ذكرت الشرطة ووسائل إعلام أمريكية، أن ما لا يقل عن خمسة من أفراد الشرطة الأمريكية تعرضوا لإطلاق نار خلال الاحتجاجات العنيفة التى تشهدها الولايات المتحدة.
وفى محاولة للسيطرة على الاشتباكات العنيفة بين المحتجين والشرطة، أمرت السلطات المعنية فى أكثر من 25 مدينة أمريكية، فى 16 ولاية، بفرض حظر التجوال، وهى أوسع عملية لفرض حظر التجوال فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1968 فى أعقاب اغتيال مارتن لوثر كينج الابن، والذى وقع أيضا خلال حملة انتخابات رئاسية ووسط اضطرابات المظاهرات المناهضة للحرب.
كما تم نشر آلاف الجنود من الحرس الوطنى، القوة الاحتياطية للجيش الأمريكى، فى 20 ولاية أمريكية.
ومع تصاعد حدة الاحتجاجات ضد وحشية الشرطة الأمريكية وانتشارها فى أنحاء الولايات المتحدة، دعا الرئيس الأمريكى إلى استخدم القوة ضد المتظاهرين، وهو ما أثار انتقادات واسعة ضده، وأشعل التوتر بينه وبين حكام الولايات- والذي كان قد اندلع بسبب معارضة بعض حكام الولايات لإصرار ترامب على إعادة فتح البلاد بالرغم من تفشى فيروس كورونا- حيث أبلغ ترامب حكام الولايات فى مؤتمر بالفيديو، بأنهم «يبدون مثل الحمقى» لعدم نشر المزيد من عناصر الحرس الوطنى، واتهمهم بالضعف قائلا: «معظمكم ضعفاء.. عليكم القبض على الناس، وعليكم تتبع الناس، وعليكم وضعهم فى السجن لمدة 10 سنوات، حينها لن تروا هذه الأشياء مرة أخرى أبدا».
وكان حكام ولايات نيويورك وماساتشوسيتس وميشيجان من بين أبرز الحكام الذين عارضوا أمر ترامب باستخدام القوة ضد المتظاهرين. كما رفض حاكم ولاية مينيسوتا تيم والتس، وهو ديمقراطى، دعوة ترامب لاستخدام القوة، وقال إنه أعلم ترامب خلال الاجتماع: «لا أحد يضحك هنا. نحن فى ألم. نحن نبكى».

التهديد بنشر الجيش

ولم يكتف الرئيس الأمريكى بذلك، بل هدد بأنه سيوجه بنشر قوات الجيش فى شوارع المدن الأمريكية فى حال فشلت السلطات المحلية فى السيطرة على العنف فى البلاد، قائلا فى كلمة له، بشأن موجة الاحتجاجات وأعمال العنف التى تشهدها البلاد، إنه فى حال فشلت المدن والولايات فى السيطرة على المظاهرات و«حماية السكان»، فإنه سيرسل الجيش «ليحل لهم المشكلة بسرعة».
كما أثار وزير الدفاع الأمريكى مارك إسبر الاستياء بقوله إن قوات حفظ النظام يجب أن «تسيطر على ساحة المعركة» لإعادة النظام، وظهر إسبر، إلى جانب ترامب وهو يتوجه بعد الانتهاء من خطابه إلى الأمة، من حديقة الورود فى البيت الأبيض، سيراً على الأقدام، إلى كنيسة «سان جون»، المجاورة لمقر الرئاسة والتى تعرضت لأعمال تخريب قبلها بيوم خلال تظاهرة خارج البيت الأبيض للاحتجاج على عنصرية وعنف الشرطة.
وكان إسبر فى الصف الأول من مسئولى الإدارة الأمريكية الذين وقفوا إلى جانب ترامب لالتقاط صورة أمام الكنيسة وهو يحمل الكتاب المقدس، قائلا: «سوف تبقى الولايات المتحدة الأعظم فى العالم آمنة وسالمة»، وذلك بعد دقائق من تفريق الشرطة بوحشية متظاهرين كانوا يحتجون أمام البيت الأبيض، مستخدمة الهراوات والغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطى، لفتح الطريق أمام ترامب للسير إلى الكنيسة، وهو ما عمق حالة الغضب فى البلاد.
وأثار كل ذلك استياء المعارضة الديمقراطية ومسئولين عسكريين سابقين، بل وغضب زعماء للبروتستانت والكاثوليك فى الولايات المتحدة، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وكتب رئيس الأركان السابق الجنرال مارتن ديمبسى فى تغريدة: «أمريكا ليست ساحة معركة، ومواطنونا ليسوا العدو».

ترامب جزء من المشكلة
من جانبه، هاجم المرشح الديمقراطى للانتخابات الرئاسية جو بايدن، طريقة ترامب فى التعامل مع الاحتجاجات التى تشهدها البلاد واستخدام الشرطة للقوة المفرطة، واتهم ترامب بأنه «قام بتحويل البلاد إلى ساحة معركة تقسمها مشاعر الحقد القديمة ومشاعر الخوف الحديثة». وانتقد بايدن أيضا تحذير ترامب بنشر الجيش، قائلا إن ترامب «ينوى استخدام الجيش الأمريكى ضد الأمريكيين».
وقال بايدن- فى كلمة ألقاها فى مدينة فيلادلفيا- إن ترامب جزء من المشكلة ولا يمثل حلا، وتعهد بايدن، البالغ من العمر 77 عاماً والذى عمل نائباً لمدة 8 سنوات لباراك أوباما، أول رئيس أسود للولايات المتحدة، بمعالجة «العنصرية المؤسساتية» إذا وصل للبيت الأبيض. وقال إن «البلاد تصرخ من أجل القيادة … القيادة التى توحدنا. القيادة التى يمكن أن تجمعنا».
كما انتزع الكونجرس القضية، وعبر رئيس لجنة القوات المسلحة فى مجلس النواب آدم سميث عن قلقه من الإدارة «الاستبدادية» للرئيس ترامب و«الطريقة التى تؤثر بها على حكم القيادة العسكرية»، وذكّر بأن «دور الجيش الأمريكى فى حفظ النظام على الأراضى (الأمريكية) محدد بالقانون».
ويقول مراقبون إن هناك قانونا أمريكيا يمنع استخدام جنود من القوات الفعلية فى مهمات لحفظ النظام، إلا فى حال حدوث عصيان. وفى حال الاضطرابات العامة، يعود إلى كل ولاية أمريكية قرار استدعاء شرطيين سابقين من الاحتياط فى الحرس الوطنى.
ويشير مراقبون إلى أنه لكي يقوم ترامب بإعطاء الأوامر بنشر الجيش فى الشوارع الأمريكية، يجب عليه أولا أن يفعّل «قانون التمرد
Insurrection Act»، والذى يستدعى فى بعض الحالات أولاً تلقى طلب من حكام الولايات ليقوم الرئيس بذلك.
وكانت آخر مرة استخدم فيها هذا القانون تعود لعام 1992 خلال أعمال الشغب فى لوس آنجلوس بعد تبرئة أربعة رجال شرطة اتهموا بالإساءة لرجل أسود هو روندى كينج.
وكشف نواب ديمقراطيون فى مجلس الشيوخ النقاب عن مشروع قرار يدين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بشأن تعاطيه مع الاحتجاجات المستمرة منذ أسبوع على مقتل المواطن الأمريكى من أصل أفريقى جورج فلويد على يد الشرطة.
وعزا الديمقراطيون مشروع القرار إلى إصدار ترامب أوامر إلى الضباط الفيدراليين باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطى لتفريق المحتجين قبالة البيت الأبيض.
ويؤكد المشروع- الذى يتوقع أن يعارضه الجمهوريون، ونشرت نصه شبكة «سى إن إن» الأميركية- أن المتظاهرين كانوا يحتجون سلميا فى إطار الحقوق التى يكفلها الدستور للأمريكيين.
فى المقابل، اعتبر المشروع العنف والنهب أمرين غير قانونيين وغير مقبولين ويتعارضان مع الغرض من الاحتجاجات السلمية.

غضب البروتستانت والكاثوليك
من جهة أخرى، وجَّه زعماء للبروتستانت والكاثوليك في الولايات المتحدة، انتقادات لاذعة للرئيس دونالد ترامب، بسبب قيام الشرطة بإجلاء محتجين سلميين بالقوة، من أجل التقاط صورة له أمام الكنيسة القريبة من البيت الأبيض.
وكان ترامب فاز فى انتخابات 2016 الرئاسية بدعم قوى من الكاثوليك والإنجيليين البيض، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.
ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة المقررة فى نوفمبر القادم، يحاول ترامب استمالة هؤلاء الناخبين بالصورة التى التقطت له أمام كنيسة القديس يوحنا الأسقفية، وبزيارة يوم الثلاثاء الماضى لنصــب تذكــارى للبابــا يوحنا بولس الثانى، وبأمر تنفيذى يوجه الوكالات الأمريكية «لحماية» الحريات الدينية فى الخارج.
لكن الزعماء الدينيين نددوا بمعاملة الإدارة للأمريكيين الذين يحتجون على وفاة جورج فلويد، واستخدم أفراد من الشرطة يمتطون الجياد وجنود مسلحون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطى، لإبعاد المحتجين قبل أن يسير ترامب من البيت الأبيض عبر ساحة لافاييت إلى الكنيسة.
وقال كبير الأساقفة ويلتون جريجورى، وهو أكبر زعيم دينى كاثوليكى فى العاصمة الأمريكية، فى بيان، إن البابا الراحل يوحنا بولس الثانى، بابا الكنيسة الكاثوليكية لما يقرب من 40 عاماً، ما كان «ليتغاضى عن استخدام الغاز المسيل للدموع وغيره من وسائل الردع لإسكات (المحتجين) أو تفريقهم أو ترويعهم، من أجل صورة أمام مكان للعبادة والسلام».
كذلك انتقد الأسقف مايكل كورى رئيس المجلس التنفيذى للكنيسة الأسقفية، ترامب، لاستخدامه الكنيسة والإنجيل لغايات حزبية.
واصطف مئات المحتجين الذين يرددون الهتافات فى الشارع، قرب النصب المقام للبابا، حاملين لافتات مكتوبا عليها: «ترامب يهزأ بالمسيح»، و»كنيستنا ليست مكاناً لالتقاط الصور».
فى غضون ذلك، دعا الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش الولايات المتّحدة إلى النظر مليّاً فى «إخفاقاتها المأساوية» بعد مقتل المواطن الأسود جورج فلويد اختناقاً تحت ركبة شرطى أبيض، معتبراً أنّ الظلم العرقى يقوّض المجتمع الأمريكى.
وقال رئيس الولايات المتّحدة بين العامين 2001 و2009 فى بيان إنّ «ما يبقى فشلاً صادماً هو أنّ العديد من الأمريكيين الأفارقة، وبخاصة الشباب، يتعرّضون للمضايقة والتهديد فى بلدهم».
وأضاف فى معرض تعليقه على مقتل فلويد أن «هذه المأساة، وهى جزء من سلسلة طويلة من المآسى المماثلة، تثير سؤالاً لا مفرّ منه: كيف يمكننا وضع حدّ للعنصرية النظامية فى مجتمعنا؟».
وشدّد الرئيس الجمهورى السابق على أنّه «حان الوقت لأن تنظر أمريكا مليّاً فى إخفاقاتنا المأساوية».

إدانة ترامب
ويوجه المحتجون الاتهامات لإدارة الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب، الذى وصل إلى البيت الأبيض عبر أصوات العنصريين البِيض، وبسبب تبنيه لأجنداتهم، حيث إن تهجمه على الرئيس باراك أوباما ومطالبته بالعودة إلى كينيا، مسقط رأس والده، والتشكيك فى شهادة ميلاده، وحملاته ضد المهاجرين والمسلمين منهم خاصة، كلها أسباب أدت إلى تفاقم ممارسات التمييز العنصري.
ويظهر تقرير لمنظمة «مراقبة خريطة العنف الشرطى» غير الحكومية أن الشرطة الأمريكية  قتلت 102 مواطن أسود على الأقل خلال عام 2015، بمعدل شخصين تقريبا أسبوعيا.
وفى عام 2017، قتلت الشرطة الأمريكية
1147 أمريكياً، 25% منهم كانوا من المواطنين السود الذين يمثلون جميعا 13% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية.
ويقدر موقع ستاتيستا الدولى المختص فى البيانات عدد القتلى من الأمريكيين من أصل إفريقى على يد الشرطة خلال الفترة من يناير 2018 حتى بداية ديسمبر من نفس العام، بـ 158 شخصاً من إجمالى 1.056 أمريكياً متعددى الأجناس قتلتهم الشرطة. وتظهر بيانات نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، أن 1014 شخصا أسود، قتلوا على يد الشرطة فى عام 2019.
وتبين عدة دراسات أن الأمريكيين السود، أكثر عرضة لأن يقعوا ضحايا للشرطة مقارنة بالأعراق الأخرى.
وما يزيد الأمور سوءا للرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن الاحتجاجات والفوضى التى عمت مختلف المدن الأمريكية جاءت فى وقت تكافح فيه البلاد بالفعل بسبب تفشى فيروس كورونا المستجد وما تسبب فيه من بطالة، حيث ارتفع عدد المطالبين بإعانات إلى أكثر من 40 مليون شخص.

الانتخابات الأمريكية
وحول تأثير الاحتجاجات والوباء على الانتخابات الأمريكية، قالت كابرى كافارو، المسئولة التنفيذية بالجامعة الأمريكية فى واشنطن، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن الاحتجاجات قد يكون لها تأثير على الانتخابات أكبر من تأثير الوباء؛ إذ إنها توفر لبايدن فرصة لإظهار «التباين الصارخ بينه شخصياً وتجربته وقيادته وتعاطفه، مع ذلك الذى رأيناه حتى الآن من دونالد ترامب».
لكنها تابعت أنه من غير المرجح فى نهاية المطاف أن يكون للأحداث الأخيرة تأثير كبير على المؤيدين المتشددين على كلا الجانبين. وقالت «القاعدة فى اليسار واليمين – قاعدة ترامب والقاعدة الديمقراطية – لا أعتقد أن هناك تغييراً كبيراً». وأضافت: «لكن هناك كثيراً من المستقلين فى كل من يسار الوسط ويمين الوسط الذين ينظرون إلى ذلك على أنه نقطة محورية فى تاريخنا مع اجتماع جائحة وبطالة مرتفعة تاريخياً واضطرابات عرقية».
ومن جانبه، يقول الأستاذ المساعد للعلوم السياسية فى جامعة ستانفورد حكيم جيفرسون، إن قضايا العرق والعدالة كان من المتوقع أن تكون بارزة فى الحملة الانتخابية حتى من دون الاحتجاجات التى أثارها موت جورج فلويد؛ الرجل الأسود الذى قتل بيد ضابط شرطة أبيض فى ولاية مينيسوتا والقمع الذى أمر به ترامب بعد ذلك. وأوضح جيفرسون أن «هذه نتيجة وجود الرئيس الحالى دونالد ترامب الذى جاء إلى السلطة لإذكاء المخاوف العرقية والتحريض والتساهل مع العنف العرقي».
وأضاف جيفرسون أنه كان من المرجح أن يدلى معظم الناخبين السود بأصواتهم لصالح بايدن فى نوفمبر المقبل، إلا إنهم لا ينظرون إليه على أنه «المخلّص»، مشيرا إلى دعم بايدن حين كان سيناتوراً لمشروع قانون «صارم ضد الجريمة» فى عام 1994 الذى يُنظر إليه على أنه ساهم فى موجة من الاعتقال الجماعى للأمريكيين الأفارقة. وتابع: «أعتقد أنه يتم تذكير السود بالخيار الذى لدينا فى نوفمبر المقبل؛ وهو إبقاء الرجل الذى يريح المؤمنين بتفوق البيض الذين يروجون للخطاب العنصرى». وأضاف: «أعتقد أن هذا خيار سهل لمعظم الناخبين السود».
أما أستاذ العلوم السياسية فى جامعة واين ستيت بولاية ميتشيجان، جيفرى جرينافيسك، فأشار إلى أن الأمريكيين من أصل أفريقى صوتوا بأعداد أقل بكثير لهيلارى كلينتون فى عام 2016 مقارنة بما فعلوا مع أوباما، مضيفا أن السؤال الحاسم هو ما إذا كانوا سوف يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لدعم بايدن. وتابع: «أميل إلى القول إن خطاب دونالد ترامب خلال الأسبوع الماضى قد يعزز دعم السود لبايدن»، رغم أن تاريخه مع مشروع «قانون الجريمة» ليس فى مصلحته.

موت فلويد يشعل الثورة مجددًا ضد العنصرية

عودة «الملف الأسود» إلى الواجهة الأمريكية
أعاد حادث مقتل المواطن الأمريكي ذي البشرة السوداء جورج فلويد (46 عامًا) على يد شرطي أبيض أثناء اعتقاله بعنف من قبل رجال الشرطة، فتح «الملف الأسود» لتنامي العنصرية والتمييز في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم يكن حادث مقتل فلويد الأول من نوعه، لكنه يشكل حلقة واحدة من بين آلاف القضايا والحوادث التى تؤكد تغلغل التفرقة العنصرية في المجتمع الأمريكي، وجرائم القتل بحق المواطنين السود من أصول أفريقية على يد قوات الشرطة البيض، واستمرار العنصرية ضدهم رغم القوانين العديدة، وحتى بعد اختيار أوباما الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة المنحدر من أصول إفريقية، لكن يبدو أن العداء بين أفراد الشرطة الأمريكية من البيض ضد المواطنين الأمريكيين السود لن ينتهى.
ومن أبرز حوادث القتل ضد المواطنين السود فى الولايات المتحدة والتى أشعلت احتجاجات شعبية ضد وحشية الشرطة الأمريكية فى السنوات الأخيرة، مقتل ترايفون مارتن (17 عاما) فى 26 فبراير 2012 برصاص جورج زيمرمان فى سانفورد بولاية فلوريدا، حيث كان الشاب فى زيارة لأقاربه فى حى سكني تحيطه الأسوار، حين واجهه زيمرمان، وهو متطوع لحراسة الحي، من أصول لاتينية، وقال زيمرمان إنه أطلق النار على ترايفون «دفاعاً عن النفس»، وفى عام 2013، رأت هيئة محلفين إنه غير مذنب، لكن أهل ترايفون وأصدقائه أصروا أن الحادثة كانت جريمة قتل، وكانت تلك الواقعة مفصلية فى إشعال فتيل حراك «حياة السود مهمة» الاجتماعى، والذى لقى دعماً علنياً من بعض المشاهير، من بينهم المغنية بيونسيه، ونجم كرة السلة ليبرون جايمس.
وفى حادث لم يختلف كثيرا عن حادث جورج فلويد، توفى إريك جارنر (44 عاماً) مختنقاً فى نيويورك، فى 17 يوليو 2014 بعد اعتقاله للاشتباه ببيعه السجائر غير الخاضعة للضريبة، وفى اللقطات المصورة التى أخذت للحادث، كرر جارنر الاستغاثة قائلاً «لا أستطيع أن أتنفس»، فيما واصل الشرطى الأبيض دانيال بانتاليو لف ذراعه حول عنقه. ورفضت هيئة محلفين كبرى في الولاية توجيه اتهامات جنائية ضد بانتاليو، مما أشعل احتجاجات فى مدن أمريكية عدة.
واكتسبت حركة «حياة السود مهمة» سمعة أكبر على المستوى الدولي، بعد مقتل مايكل براون (18 عاماً) فى  مدينة  فيرجسون بولاية ميسورى فى 9 أغسطس 2014 بالرصاص، بعد مشادة مع ضابط الشرطة الأبيض دارين ويلسون، وفجر الحادث احتجاجات عنيفة، أدت إلى وفاة شخص، وجرح كثيرين، إلى جانب اعتقال المئات. كما تجددت الاحتجاجات فى وقت لاحق من ذلك العام، حين رفضت هيئة محلفين توجيه تهم جنائية لويلسون الذى استقال من الشرطة.
وفى أبريل 2015، شهدت مدينة بالتيمور فى ماريلاند، قضية أخرى مثيرة للجدل، فقد اعتقل فريدى جراى (25 عاماً) لحمله سلاحاً بعد عثور شرطى على سكين فى جيبه. وأظهر فيديو صوره أحد الشهود على الحادثة، صراخ جراى، خلال حمله إلى سيارة الشرطة. وأدخل جراى بعد ساعات إلى المستشفى، حيث شخص بإصابة خطيرة فى العمود الفقرى، وتوفى بعد ذلك بأسبوع، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات عنيفـــة، أصيب خلالها 20 ضابطاً على الأقل. واعتبر ثلاثة من الضباط الستة الضالعين فى اعتقاله غير مذنبين بوفاته، ولم يحاكم الثلاثة الآخرون.
وفى عام 2018 شهدت ولاية شيكاغو الأمريكية اشتباكات عنيفة بين سكان منطقة ساوث سايد، التى يسكنها أغلبية من السود، وبين قوات الشرطة الأمريكية وذلك بعد مقتل هاريث أغسطس (37 عاما)، أحد المواطنين السود على أيدى رجال الشرطة، بعد الاشتباه فى حمله سلاحا ناريا.
ومن بين حوادث القتل الأخيرة المثيرة للجدل مقتل أحمد أربيرى (25 عاما)، وهو شاب مسلم أسود اللون، فى 23 فبراير الماضى، بالقرب من منزله فى مدينة برونزويك الساحلية بجورجيا، على يد شرطى سابق وابنه حيث أطلقا عليه النار حتى الموت بعد مشادة جرت بينهم، وقد أدى الحادث إلى اندلاع مظاهرات حاشدة، فى ولاية جورجيا للمطالبة بالتحقيق العاجل وإدانة المتهمين وإجراء تغييرات جذرية فى النظام القضائى وليس مجرد سجن القتلة.