بكين وواشنطن..حرب تجارية أم صراع نفوذ ؟

68

هبة مظهر

الحروب التجارية من أسهل الحروب التي يمكن الفوز بها».. هذه العبارة استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي قبل فرضه لرسوم جمركية بنسبة 10%على بعض السلع الصينية، والتي أسفرت عن توترات كادت أن تشعل حربا تجارية بين أكبر اقتصاديين في العالم لولا هدنة منعت الحرب من التصاعد، ومع تهديد ترامب بإلغاء الهدنة، يرى خبراء أنه سواء توصل الطرفان إلى اتفاق تجارى أو لم يتوصلا فإنه من المرجح أن يتفاقم الصراع بين الطرفين ويصبح أكثر تعقيدا.

وكانت الولايات المتحدة أرجأت إلى أجل غير مسمى زيادة من 10 إلى 25% من الرسوم الجمركية على ما يقرب من نصف السلع التى تشتريها الصين من أمريكا والتى تبلغ قيمتها نحو 200 مليار دولار، وبدأت المفاوضات فى يناير الماضى حيث اعتقد البعض أن تحل قمة بكين وواشنطن الحرب التجارية القائمة بينهما والتى أدت لتعكير صفو الأسواق المالية العالمية، وبعد أسابيع من أخبار أفادت أن الولايات المتحدة والصين تقتربان من التوصل لاتفاق، قال ترامب إن المحادثات مع الصين تمضى ببطء شديد وهدد بإلغاء الهدنة والمضى قدما فى فرض رسوم جمركية أعلى بن?بة 25% وغيرها من القيود على الاستثمار الصينى فى الولايات المتحدة.

ويعتقد محللون أن حرب ترامب التجارية ضد الصين ليست لحماية اقتصادها بقدر ما هو عرقلة نمو الاقتصاد الصينى لذا فإن الخلافات بين البلدين تتجاوز النطاق التجارى بل تمثل صراعا على الهيمنة بين نظريتين مختلفتين للعالم.

ويرى خبراء أنه لم يعد لدى الولايات المتحدة بديل سوى البحث عن وسيلة لإيقاف نمو الصين وإلا فسوف تتفوق عليها الأخيرة ولن تأتى الولايات المتحدة ثانية فى ترتيب الدول العظمى فحسب وإنما سيفقد الدولار مكانته كعملة عالمية ومعه ستفقد الولايات المتحدة إمكانية رفع سقف ديونها بلا حدود، لذا فمن المستبعد أن ينهى أى اتفاق تجارى بين الصين والولايات المتحدة إذا أبرم فعلا التنافس بين هذين العملاقين الاقتصاديين.

فإذا توصل الطرفان إلى اتفاق تجارى أم لم يتوصلا إليه من المرجح أن يتفاقم الصراع بين الطرفين ويصبح أكثر تعقيدا.

ويعتقد بعض المحللين أن المواجهة بين الجانبين حتمية فنظامهما السياسيان المختلفان جعلهما شريكان لا يمكن التوافق بينهما فى النظام الاقتصادى العالمى، وهو ما لخصه نائب الرئيس الأمريكى مايك بنس فى خطاب ألقاه فى شهر أكتوبر الماضى قال فيه إن الصين اختارت طريق العدوان عوضا عن الشراكة.

ويقول ستيفن أولسون، الباحث لدى مؤسسة هينريش الاستشارية التجارية العالمية، ما نراه الآن هو احتكاك بين اقتصاديات السوق الحرة ومبادئ واشنطن وبين اقتصاد جبار متطور تكنولوجيا ومدار مركزيا ويدير اللعبة بشروط مختلفة تماما.

وفى نفس السياق، يقول اندرو جيلهولهم، مدير شعبة تحليل الصين لدى معهد كونترول ريسكيس الاستشارى، أصبحت الصين أكثر وضوحا بكثير فيما يتعلق بطموحاتها فى السنوات الأخيرة، لذا لم يعد أحد يتوقع أن تتبع الصين النموذج الليبرالى الديمقراطى الغربى أو أن تنحو نحو اقتصاد السوق كما كان كثيرون يأملون قبل بضع سنوات.

ويتوقع محللون أن تواصل الولايات المتحدة تطبيق إجراءات لا علاقة لها بالتعريفات التجارية لمواجهة الصين، وأن المرحلة القادمة من التنافس بين الصين والولايات المتحدة ستخوض فى قطاع التكنولوجيا إذ سيحاول الطرفان تثبيت موقفهما على أنهما القوة الرائدة فى هذا المجال.

وكانت القضايا المتعلقة بنقل التكنولوجيا أخذت حيزا كبيرا فى المفاوضات التجارية التى جرت بين أكبر اقتصاديين فى العالم خلال الأشهر الأخيرة، ويقول ستيفن أولسون: «تقر كل الدول وهى محقة فى ذلك بأن ازدهارها وثراءها وأمنها الاقتصادى وأمنها العسكرى سيكونوا مرتبطين باحتفاظها على الغلبة التكنولوجية».

ويقول الخبير التكنولوجى مايكل هيرسون إن عبارة الحرب الباردة تستخدم أكثر مما ينبغى فيما يتعلق بالتوتر بين الصين والولايات المتحدة ولكنها عبارة دقيقة لوصف التنافس التكنولوجى بين الجانبين، وأن هذا التنافس أكثر تعقيدا من حل الخلافات التجارية البحتة، مشيرا إلى واقع جديد تفاقم فيه التنافس الجيوسياسى بين الصين والولايات المتحدة وأصبح أكثر جلاء، فقد يخفف اتفاق تجارى جانبا واحدا من الصراع بين الصين والولايات المتحدة ولكن لفترة محدودة فقط وبتأثير محدود.

وعن تأثير الحرب التجارية وتبعات التصعيد بين البلدين، يرى خبراء أن استمرار الحرب التجارية من جانب ترامب قد يكون له نتائج عكسية حيث يزيد الضغط على الحكومة الصينية نتيجة لتراجع الاقتصاد الذى سيتسبب بشكل مباشر بحدوث هزات فى الشارع الداخلى الصينى وهو ما لن يسمح به زعماء الحزب الشيوعى الصينى حيث يعتبر الحفاظ على التماسك الداخلى هو الغاية الأهم، وسترد الصين بمزيد من الإجراءات المضادة مثل تحويل مشترياتها من الولايات المتحدة ما قد يدفع ترامب إلى متابعة التهديدات بفرض رسوم على 325 مليار دولار أخرى من البضائع وقد يؤد? ذلك إلى خطر حدوث أضرار اقتصادية على كلا الجانبين، إضافة إلى الأضرار السياسية التى قد تحدث لإدارة ترامب فى انتخابات عام 2020 وقد يجعل ذلك أحد الجانبين أو كلاهما يحجم عن التصعيد.

وقالت صحيفة «واشنطن بوست» إن النزاع الاقتصادى بين البلدين هز الاقتصاد العالمى بالفعل وتسبب فى إعادة تشكيل سلاسل الصادرات حول العالم، كما حذر صندوق النقد الدولى من أن الاقتصاد العالمى لا يزال عرضة للتوترات التجارية وحث الحكومات على أن تكون حذرة للغاية.

 ومن جانبه، دعا وزير المالية الفرنسى برونو لومير الولايات المتحدة والصين إلى تفادى الإجراءات التى تهدد النمو العالمى، وحذر من أن رفع الرسوم الجمركية سيؤدى إلى مأزق وهو قرار سلبى للجميع، الولايات المتحدة والصين ولمنطقة اليورو وأوروبا والنمو العالمى.