رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

قضية فى تفكيك بنية الإرهاب (3) أَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ

499

هل تبنىّ الشيعة قضية النسخ فى النص القرآنى وتوسعوا فيها حتى يتاح لهم تأويل نصوص القرآن، وتحميلها مالا تحتمل من أفكارهم وشطحاتهم؟!.. الواقع يشير إلى أن هناك تراثًا ضخمًا منسوبًا للدين، يناقش مسألة الناسخ والمنسوخ فى القرآن، لكن هذا التراث نفسه الذى تأسس على المجادلات والمناقشات المبكرة التى وقعت بين أكابر الصحابة الأوائل لا تقود، ولن تقود إلى قول جامع مانع فى حقيقة وجود ما يسمى «الناسخ والمنسوخ» فى القرآن هذا أولاً، وثانيًا، إذا سلمنا بوجود «النسخ» فإن عمله سوف يقود إلى جدل لن ينتهى ولن يصل إلى يقين ولكن إلى ضلال والعياذ بالله.
(1)
وفى الأثر أن الإمام علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه ناظر ابن عمه عبد الله بن عباس، حول الآية 93 من سورة النساء: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)، فقال ابن عباس إنها آية محكمة فخالفه على: «من أين لك إنها محكمة؟!»، فقال ابن عباس لتكاثف الوعيد فيها، فقال على: نسختها آية: (إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء 116)، وقولـه تعالى: (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّه سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا) – الفرقان 70.
روى ابن العربى قصة هذا الاختلاف فى كتابه: «الناسخ والمنسوخ» وأضاف: «وكلما ذكروا لابن عباس التوبة، يتلو الآية (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً)، ويقول ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنىّ (كيف) له التوبة؟!
هذا اختلاف وقع بين على باب مدينة العلم، وابن عباس حبر الأمة كما وصفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابد أن يحتار المسلم بأى الرأيين يأخذ؟! ولماذا تأجل الحديث فى هذه القضية إلى ما بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأمثلة أخرى كثيرة على «الناسخ والمنسوخ» من القرآن تعد بالمئات حصرها ابن الجوزى فى كتابه (نواسخ القرآن) وقال: «واضح بأن التحقيق فى الناسخ والمنسوخ يظهر أن هذا الحصر تخريف من الذين حصروه»، وذهب كثيرون من القدامى مذهب ابن الجوزى فى القضية، التى لم يقف البحث فيها عند الزمن الماضى، بسبب خطورتها، فقد تناولها المحدثون، أيضا ومن الآراء التى توقفت عندها كثيرًا ما قاله المستشار محمد سعيد العشماوى فى كتابه (الإسلام السياسى) ص 226 ونصه: «النسخ فى القرآن مبدأ مهم وخطير الشأن والأثر، فهذا المبدأ ظل – ومازال – عاطلا من أية نظرية تضع له ضوابط محددة، بعيدًا عن أى قاعدة ترسم له معايير ثابتة، ومن ثم فهو متروك إلى الرأى – أى رأى – وإلى القول – أى قول – حتى لو كان لمصلحة سياسية أو لغرض أو لدافع كسبى» (الإسلام السياسى ص 226 ).
يقول المفكر الإسلامى د. محمد أركون: «وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كل هذه التحليلات فإننا نجد أنه من الصعب تحديد مضمون القرآن ومحتواه ذلك أننا نجد أنفسنا مهددين بالسقوط مباشرة فى أحضان الأسلوب التفسيرى الموروث والمتخيل الدينى التقليدى».
(2)
لقد استغل أعداء الإسلام مسألة الناسخ والمنسوخ للطعن فى القرآن اعتمادًا على الأخذ بتفسيرات سطحية لظاهر النصوص، فيما استغل الإرهابيون المنسبون للإسلام أعداء أنفسهم وأعداء الإنسانية نفس المسألة ليسوغوا لأنفسهم سلوكهم الساعى لاستلاب الدنيا والحكم بالقوة القاهرة، ونفى الآخر وإزهاق روحه إذا لم ينضم إلى معسكرهم، لا فرق فى ذلك بين مسلم أو ذمى أو كافر، بين معاهد أو محارب، بين معتد أو مدافع.
وإذا كان الطاعن فى الإسلام والقرآن معروف دوافعه وبواعثه، غير مستغرب منه الدس والتضليل والطعن، فماذا عن المسلم الذى يصف غيره بالجاهلية الدينية؟!، وهو فى تعامله مع النص القرآنى لم يتعمق فى فهمه أو يطلع على حقائق ألفاظه ومجازاتها، ومدلولات التراكيب، وأنماط الأساليب، والمحكم من آياته لعلة أن يجعلها الشارع الحكيم أدلة قاطعة، والظني من الآيات التى أراد بها سبحانه التوسيع على عباده المكلفين من البشر رحمة بهم، بالتأكيد هذا المسلم لا يعرف قدر النص القرآنى، فهو كالحمار الذى يحمل الأسفار.
(3)
كم نسخت «آية السيف» من القرآن؟!، حصر الإمام أبو جعفر النحّاس (122) آية يمكن أن نوردها لولا أن مساحة المقال لا تحتمل، وقد صنفها النحّاس تحت عناوين: 1- آيات نجاة أهل الكتاب، 2- آيات حرية الاعتقاد، 3- الآيات المذكور فيها وظيفة الرسل (البلاغ والإنذار والتبشير)، 4- الآيات التى تذكر الأسلوب الأمثل للدعوة إلى الله، 5- الآيات التى تشير إلى أن الحساب والفصل بين ما اختلف فيه الناس يكون فى الآخرة.
هذه آية واحدة تنسخ من الدين الرحمة، والعفو، والتسامح، والمغفرة، والإخاء الإنسانى، والتسامى، والمسئولية الكونية للرسالة الخاتمة، ومتممات الاخلاق التي بعث لأجلها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،وكذا تسقط الأساس الفعلي الصريح لمفهوم الجهاد الأكبر المُغَيّب عمدا لدى الإرهابيين.
(4)
آية السيف، والتى اختلف عليها القائلون بأنها آية القتال، حددها البعض الآية رقم (5) من سورة التوبة، وقال آخرون الآية (29)، أو (36)، وانتزعوا تلك الآيات من سياقها العام، وفسروها بما يتسق مع نهجهم الحركي فى القتال، وتحديد العدو الذى هو بالتأكيد عدوا سياسيا بامتياز، وهو ما يخالف حقيقة أن هذه الآيات نزلت فى سياق يتعلق بواقعة محددة، ولا يجب بأى حال من الأحوال إخراج الآيات عن ظرفية الحدث (الزمان والمكان) أو إطلاقها حكما عاما لكل العصور والأزمان بعد اجتزائها من سياقها العام، وقراءاتها قراءة انتقائية.
يقول ذاكر عبد الكريم نايك، وهو داعية وخطيب ومنظّر، إسلامى هندى من أهل السُنّة، وله جمهور كبير جدًا يتابعه فى بلاده وحول العالم، شارحًا السياق الذى نزلت فيه سورة «التوبة» والذى وردت فيه الآيات، بأنه يتعلق باتفاق سلام كان معقودًا بين المسلمين ومشركى مكة، وقد خرق الأخيرون هذا الاتفاق من جانب واحد فنزلت الآيات تبرئ الله ورسوله من الاتفاق والعهد (الحديبية)، وجاءت الآية الثانية من السورة تحدد دستور التعامل مع ناقضى العهد، والذى يبدأ بإمهالهم 4 أشهر قبل إعلان الحرب عليهم، وهى شهور حٌرم فيها القتال (الأشهر الحرم)، ثم جاءت الآية (5) من السورة تنقل الحدث إلى ميدان المعركة.
ويوضح ذاكر أن أصحاب التفسير الخاطئ والمهاجمون للإسلام يقفزون من الآية (5) إلى الآية (7) من السورة، ويسأل: هل تعرفون السبب؟! لأن الآية (6) تحتوى الرد على ادعائهم المريـــض، حيث يقول رب العـــزة: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)…
.. وللحديث بقية.