مصر تنتصر

محمد صبحي لـ أكتوبر: الدولة انهارت بعد 25 يناير.. و30 يونيو أعادت بناءها

313

فنان قدير صاحب مشوار عظيم من الإنجازات، فهو ليس فنانا يقدم أعمالا بهدف التسلية والمتعة فقط ولكن هدفه هو تقديم فن محترم يناقش قضايا ومشاكل موجودة في المجتمع، فهو عاشق للقراءة والثقافة حتى النخاع، وكذلك هو عاشق للوطن وله العديد من المشاريع الخدمية التي استطاع من خلالها أن يؤثر في المجتمع ويخدم العديد من المواطنين، فقد ساعد من خلال أعماله على تشجيع الشباب لإعمار الصحراء، في “سنبل بعد المليون” كما ساهم في مساعدة كل أسرة على تربية أبنائها على المبادئ والأخلاق الحميدة في «ونيس»، وساهم أيضا في تطوير مشروع العشوائيات.. إنه الفنان الكبير المبدع محمد صبحي في حوار خاص لـ «مجلة أكتوبر».

كيف كانت طفولة محمد صبحي؟
– كنت طفلا منطويا يميل إلى التأمل، لم أكن مثل الأطفال، كنت دائما صامتا، ولكن يبدو إنني كنت أصمت لكي أسمع أو أفهم وكنت طفلا خجولا للغاية، وكنت أسكن بجوار سينما الكرنك وسينما «بإرادي» الصيفي، وكان بيني وبين سور بلكون تلك السينمات متر عندما أطل من نافذة منزلي، حيث كانت إحدى النوافذ تطل على سينما الكرنك التي كانت تعرض أفلاما عربية والنافذة الأخرى تطل على سينما بإرادي وهي كانت لصفوة المجتمع وليست متاحة للجميع وكانت تعرض أفلاما أجنبية، وكنت أشاهد فيلما عربيا في يوم واليوم الآخر أشاهد فيلما أجنبيا، وهذا كون عندي عشقا للسينما، وكان لدي شغف في ان اتعرف على ما هي السينما؟، وتلك السينمات كانت تختصر من الأفلام وترمي قصاصات الأفلام التي تم حذفها أو اختصارها في الممر ما بين البيت والسينما وكنت احرص على تجميع تلك القصاصات لكي أشاهد من خلالها حركات الفنانين وكيفية تكرارها، فجاء في تفكيري أن الموضوع كله يحتاج ماكينة سينما، وكنا وقتها نشتري العدسات بتعريفة لكي نلعب بها «ونلسع أصدقاءنا بتسليط أشعة الشمس من خلالها»، فقلت هذه هي العدسة وفكرت في إحضار إضاءة لها ولكني لم أكن أمتلك ثمن اللمبة التي كانت وقتها بـ5 تعريفة، فأحضرت شمعة ووضعتها في صندوق من الكرتون وجمعت الأطفال في العمارة في المطبخ وبالفعل وضعت الصندوق والأطفال جلسوا على الأرض وفي ثواني كانت هناك حريقة في العمارة بسبب الشمعة، لأن النار اشتعلت في الصندوق الكرتون وانتقلت إلى ستائر المطبخ ووقتها « أخذت علقة من أبويا».
وأبي كان يمتلك ماكينة سينما 16 ملي وكان يعرض من خلالها أفلاما لنا في صالة المنزل فكان هو الآخر عاشقا للسينما، وكان يحضر الأفلام من اصدقائه لأنه كان لا يمتلك ثمن تلك الأفلام، فكان يحضر لنا «افلام معذبة» وقت أن كنا أطفال 6 سنوات و 7 سنوات، مثل البالية ورقص البالية، والأوركسترا وكان يجبرنا على مشاهدتها وكنا نشاهدها ونحن لا نفهمها، حتى تعودنا عليها وعشقنا البالية، والاوركسترا، وتكونت لدي رغبة ان اكون عازف كمان، او ان اكون راقص بالية والمفارقة انني اكتشفت حبي للمسرح اكثر من السينما بعد ذلك.
هل عمل والدك له علاقة بالسينما أو الفن؟
– نعم كان يعمل مديرًا إداريًا في فرقة رمسيس، وكنت أذهب معه وعمري 6 سنوات وأشاهد عروض يوسف بك وهبي، وهو يدق بالعصا على الأرض ثلاث دقات وكنت اسأل نفسي ما وجه استمتاع هذا الرجل بالدق بالعصا وما هو الفن في ذلك، وأول صفعة على وجهي لا أنساها فقد كنت أشاهد مسرحية «كرسي الاعتراف» وكنت وقتها 8 سنوات، وعندما جلست على الكرسي اصدر صوتا فوجدت كل الجمهور ينظرون لي، وبعد انتهاء العرض ذهبت للبوفيه الخاص بالمسرح القومي، ووقتها وجدت ابي يصفعني على وجهي ويقول لي عندما تجلس في المسرح لا تصدر صوتاً، الصفعة كانت مؤلمة ولكن الاكثر ألما منه انني تعلمت احترام المسرح لدرجة الخوف.
ماذا عن أول قصة حب؟
– كانت بنت الجيران وكنت وقتها 8 سنوات وكنت لا أتحدث معها كنت احبها حبا صامتا، ولكي اخبرها بحبي رسمت لوحة من ألوان الزيت على جدران النافذة، وكان العقاب شديد القسوة «أن ادخل واغسل الألوان من على جدران النافذة» وكنت وقتها أدعو الله ألا تشاهدني وأنا أقوم بذلك وهي كانت ابنة دبلوماسي في الاتحاد السوفيتي، وعلمت من شقيقها فيما بعد انها تزوجت وأنجبت، عندما حضر احد العروض المسرحية لي وعرفني بنفسه فعلمت انه هو ذلك الشقيق الذي كنت أخشى أن يشاهدني وانا أقف في النافذة وأنظر إليها
متى اندلعت أول شرارة حب لديك للقراءة؟
– بدأت اقرأ وانا في اعدادي قراءة بنهم دون
أن افهم شيئا، كنت اقرأ هامليت لشكسبير وكنت «اتمنظر» على أصدقائي بأنني قرأت هامليت وأنا في الحقيقة كنت لا أفهمها، وبدأت شيئا فشيئا أحب القراءة وافهم ما اقرأه، واتسعت مداركي بسبب القراءة واثرت كثيرا في شخصيتي .


متى قرر محمد صبحي الاتجاه للدراسة في معهد التمثيل؟
– لم أقرر بل حدث هذا الأمر بالصدفة ، فقد كنت انوي التقديم في معهد البالية وعندما ذهبت أول يوم قالت لي الموظفة «انت جاي تهزر» فقلت لها لماذا قالت لي لابد ان تأتي لي صغيراً فلا يصلح الدخول لمعهد البالية في هذا العمر، فسألتها هل هناك معاهد أخرى للفنون فقالت لي نعم هناك معهد التمثيل ومعهد السينما فاخترت معهد التمثيل، ولكني بالفعل كنت اتمنى ان اكون راقص بالية او عازف كمان، ودخلت معهد التمثيل بالصدفة رغم حصولي على الدرجات الأولى على الجمهورية في الثلاث سنوات في مرحلة الثانوية العامة، وعندما ذهبت للمعهد وجدته في جمال القناطر الخيرية وقتها، من حيث الاهتمام بالخضرة وهناك يمكنك تعلم السباحة وركوب الخيل، فقدمت في المعهد ولكن في هذا الوقت كانت القراءة ملتهبة في وجداني، واصطدمت بان المناهج في معهد التمثيل تدرس عمليا، لذلك لو سألت على ترتيب المهن لدي سأقول لك رقم واحد التدريس رقم اثنين الإخراج رقم ثلاثة بفارق كبير التمثيل، فالتدريس داخل المعهد كانت متعتي الحقيقية وعندما قررت ان احرم نفسي من متعة التدريس أنشأت فرقة «ستوديو التمثيل» لكي أقوم بالتدريس بها وإعداد الفريق، وأقوم بتطبيق ما درسته في المعهد داخل الفرقة فلم أحرم نفسي من متعة التدريس وحتى الآن أنا أمارس التدريس وليس الإخراج.
هل تأثرت بنشأتك في عائلة تحب الفن؟
– بالتأكيد، عمي «أمين صبحي» درس في باريس الفنون الجميلة في الوقت نفسه الذي كان المجتمع لا يؤمن بالفنون، وكانت النظرة للممثل في ذلك الوقت نظرة دونية ولا تؤخذ بشهادته في المحكمة، وبعدها عاد الى مصر ليصبح أستاذ في كلية فنون جميلة إلى أن أصبح وكيل الكلية، وجميع اللوحات الموجودة في محطات المترو حتى الأقصر هو الذي رسمها وعليها امضاؤه ، كذلك الحال والدي فقد عانى كثيرا من أجل العمل في فرقة يوسف وهبي لان الناس سيقولون وقتها انه يعمل في كباريه، ورغم ذلك كان الموظف لم يرجع بيته ببطيخة ولكنه كان يعود بلوحة لكي يضعها في البيت، وتلك هي المفارقة بين هذا العصر والعصر الذي نعيش به، وفي حضارة العراق يقوم كل موظف بشراء لوحة كل شهر، نحن كان لدينا هذا الزخم في حب الفن، مسرح يعقوب صنوع وغيره جاءوا الى مصر لكي يصنعوا بها مسرح لإيمانهم بأن الفن في مصر، وفي جيلنا كانت لا توجد أعياد الميلاد مثلما يتم إقامتها الآن، والأغرب أننا نقوم بعمل عيد الميلاد بطقوس مختزنة لديك وهي لا تمت للواقع بصلة، ففي الماضي كانت الهدايا التي تقدم للأصدقاء في اعياد ميلادهم هي الكتاب او اسطوانة لو كان لديك الجرامافون الذي له سحر خاص عند الاستماع اليه، فكانت الثقافة الجماعية والسلوك الجماعي يتجه الى كل ما هو ثمين، فالذي قام بالتدريس لي في ابتدائي تلامذة طه حسين والعقاد، فمن الذي يدرس لأحفادي الآن، للأسف الأطفال الآن يكرهون اللغة العربية، لم يدرسوها على أنها جزءا من تراثهم، وأنا كجد أتعب كثيرا في إقناع أحفادي 10 سنوات و 12 سنة ان اللغة العربية لغتنا ولابد أن نحافظ عليها، للأسف التعليم أصبح كله غربي، والمسرحية الجديدة لي سأناقش بها حال الجد أيام ثورة 1919 الذي يعود لزوجته باكياً بسبب وجود رقعة في بنطلونه، ويبكي أن الناس شافوا تلك الرقعة في البنطلون، أما الان فأحفاد هذا الجد يلبسون البنطلونات المُقطعة فيصعبون عليه ويريد ان يشتري لهم بنطلونات جديدة، ويقولون له هذه هي الموضة، ولكن هذا خلل، لماذا الآن عندما أشاهد مصري بجوار أمريكي لا استطيع التفرقة بينهما، الآن نأخذ منهم الأزياء ونقوم بتوبيخها، رغم أن عام 1935 كانت باريس تسرق منك أحدث الموضة، وكانت اليابان تأتيك لتأخذ منك قرضا ولكي تأخذ منك تجربة في التعليم، واليوم نحن من يسعي لتطبيق التجربة اليابانية في التعليم، فطفولتي رسخت عندي مبادئ العصر الذي نشأت به، قد أبدو غريبا مثل ونيس إلا أن تلك المبادئ هي التي تربيت عليها.
البعض يصفونك بالقائد الصارم والفنانون الذين يقفون أمامك يخشون كثيراً من انضباطك والقواعد التي تسير عليها أثناء العمل، فما هو تعليقك على ذلك؟
– نعم، وتلك هي حياتي التي تعودت عليها، فلا يصح إلا الصحيح، فميعاد البروفة هو ميعاد إلزامي لا يصح أن اتأخر عليه، حتى أنني أعاني كثيراً عندما أذهب بزيارة أحد في التجمع فأقوم قبل الذهاب بسؤال السواق المشوار سيأخذ كم من الوقت يقول لي ساعة وربع مثلا فأنزل قبلها بساعتين، فأنا تربيت على الالتزام بالمواعيد، ولكن هناك فنانين جدد يعتقدون أنني من الممكن ان انسى مع الوقت ويقولون لي في البداية نحن انضممنا للفرقة من اجل الالتزام، ولكن بعد فترة من التزامهم يشعرون بالملل، فالعاهرة عندما تمثل أنها محترمة لا يمكن أن تلتزم كثيراً، فالتزامي حتى قبل أي شيء مع ربنا أثناء مواعيد الصلاة واستغرب كثيرا ممن يقول لي «صلي قضى» فعندما اسمع الأذان لا يمكن أن اتأخر عن موعد الصلاة تماماً، فالالتزام لدي ذاتي والتزامي بالمواعيد ليس مصطنعا.
الفنان سعد أردش له قصة معك في المعهد، هل من الممكن أن تحدثنا عنها؟
– بالفعل فقد اختلفنا في البداية خلاف تلميذ مع الأستاذ، و كنت أسمع عنه أنه شخصية ليست سهلة والجميع حذروني منه فيقولون في المعهد «سعد أردش ثعبان يلدغ» وكنت حريصا طوال دراستي في المعهد ان امثل تراجيدي، على الرغم من أن أساتذتي كانوا يشاهدوني كوميديان، لكني كنت أركز في التراجيدي باعتباره الأصعب، وكنت اشعر انه سوف يحرمني من اعمال السنة لأنني لا استطيع ان امثل مشهدا كوميديا بطريقته، ودخلت له وقلت له ذلك واعتذرت وخرجت وفوجئت بعد ساعة ونصف جميع أصدقائي قالوا لي أستاذ سعد قدم عنك محاضرة كاملة وقال عنك أنك ستكون أعظم مخرج في مصر، وبالفعل وجدته بعد قليل ينزل الكافتيريا وجلس أمامي وطلب « ساندويتش جبنه رومي وواحد شاي وعلبة سجائر» فقلت في نفسي «هو نزل عشان يستفزني» ولكني ظللت صامتا ولم اتكلم، على الرغم من رغبتي في الاعتذار له، وفوجئت بانه يقدم لي كوب الشاي والسندويتش وربع جنيه فقلت له ما هذا يا استاذ سعد قال لي « يا ابني انفعالك لأسباب مادية عندك» فرديت عليه وقلت له انت حضرتك بترد لي الاهانة بإهانة ابشع منها، فقال لي اشرب الشاي ونتكلم، وشعرت بداخلي انني امام «مُعلم» لأنه احتواني، وقال لي انتظرني الساعة السادسة امام مسرح الزمالك وجاء لي هناك بالفعل واعطاني كتابين هما كتاب حياتي في الفن وكتاب إعداد الممثل، فقلت له أنا قرأت كتاب إعداد الممثل فقط فقال لي لا اقرأ حياتي في الفن فمن كتبه قدم من خلاله خلاصة تجربته وهو اول مدرسة تمثيل في العالم، اقرأ الكتاب وحوله لعملي ثم نظري مرة أخرى وأرجعه عملي مرة أخرى وسوف تفهم، وبالفعل أخذت وقتها كنزا، فعلا اكتشفت ان مدارس التمثيل من الخطأ ان تقرأها كأنك تقرأ رواية ، فلابد ان تحول تلك المدارس الى عملي وترفضها او تقبلها او تطورها واكتشفت انني طورت الـ 120 تجربة وصنعت مثلها عشر مرات اثناء دراستي في المعهد وتكويني لفرقتي وكنت أدرب الفنانين، واكتشفت بالفعل أن التمثيل علم والفن والابداع علم، والعلم والفن والابداع لا شاطئ لهما.
حدثني عن مرحلة الكاتب المسرحي لينين الرملي ولماذا لم يستمر التعاون بينكما؟
– اولا ادعو بالشفاء العاجل لصديقي وعشرة عمري ورفيق الكفاح، فقد كنا دفعة واحدة، انا كنت قسم تمثيل واخراج، وهو قسم النقد ولم تكن علاقتنا ببعض وثيقة، حتى وصلنا إلى السنة الرابعة من المعهد بدأنا نتحدث سويا ووجدته يحلم بنفس الحلم الذي احلم به وهو مسرح مختلف ومنضبط، وبدأنا بمجموعة من الاسكتشات الصغيرة كنا نقدمها في حفلات المعهد، وعندما تخرجنا، المستقبل كان بالنسبة لي هو التدريس، ولكن التمثيل لم يكن ببالي على نفس القدر، اشتغلت كومبارس كثيرا في معظم الاعمال العظيمة التي كانت تعرض في الستينيات، وهذا أفادني كثيرا لأننا كنا نشاهد الاساتذة وكنا نرصد اخطاءهم وليس ابداعهم حتى نتعلم منهم الفن والتمثيل، فقد ظللت 7 سنوات اعمل في أدوار صغيرة حتى قدمت اول بطولة لي مع لينين الرملي وجمعنا حلم واحد وكنا من اسر فقيرة، فقررنا تكوين فرقة استديو الممثل، وأسسناها سنة1970 وقدمت من خلالها «هامليت» على واجهة المعهد وهو أول عرض يتم عمله «اوبن اير» على مسرح مكشوف، وقدمت ايضا روميو وجوليت و اوديب ملكاً من الادب اليوناني ولم يكن لهذه العروض جمهور ولكن كانت هناك حركة نقدية ترصد ما نقدمه من أعمال، بعدها قررنا تأسيس فرقة ستديو 80 لكي نقدم نفس الأعمال ولكن عربية، ووقتها كتب لينين الرملي مسرحية «انتهى الدرس يا غبي» وعندما عرضناها على المنتج رمى الورق في وجهي وقال لي أنها مسرحية سخيفة وحزينة على الرغم من أنها كانت كوميدية، بعد شهرين أخذ نفس المنتج قرار انتاجها، ولكن وانا بمضي العقد وكان اجري وقتها في اليوم 6 جنيهات كتبت بند في العقد في نهايته» سوف تلجأ إلي الشرطة لتنظيم الطوابير أمام شباك التذاكر» قال لي اشطبها قلت له لا وصممت على كتابتها، وبالفعل بعد شهرين كانت التذاكر تنفذ والصالة مكتملة تماماً، وكانت بداية مختلفة وكنت انا وقتها وجه جديد غير معروف ولكن كان معي مجموعة من النجوم الكبار امثال الفنان محمود المليجي والفنان توفيق الدقن وساعدوني كثيرا، بعد ذلك قدمنا علي بيه مظهر، وحققت نجاحا كبيرا وبعد ذلك توقفنا فترة قدمت بها الجوكر والبغبغان وبعد ذلك رجعنا معا فقدمنا مسرحيتي « المهزوز» و «انت حر» ثم الهمجي ووجهة نظر وبالعربي الفصيح وتخاريف، لينين الرملي ليس مؤلفاً فقط ولكن هو ما نفتقده الان «المؤلف المفكر» هو مفكر وعاشق للمسرح، وانفصلنا سنة 1994 في نهاية عرض وجهة نظر، والانفصال كان انتاجي ونوعية روايات مختلفة، انا ولينين الرملي كنا احادي وليس ثنائي، وقدمنا اعظم الاعمال المسرحية والتي لاتزال حية حتى الان، الانفصال كان انفصالا انتاجيا ومجرد اختلاف في وجهات النظر اصبحنا ثنائي ببساطة وبدون شجار او خلاف او اي شيء، و تركت له المسرح وكمل مسيرته وأنا أكملت مسيرتي وتوقفت عن الإنتاج وقدمت أعمالا من انتاج منتجين آخرين، قدمت مسرحية «زيارة» مع الفنانة سناء جميل، وقدمت ماما أمريكا وعائلة ونيس وسكة السلامة 2000 ولعبة الست وقدمت مهرجان المسرح للجميع، ولكن لينين الرملي لم يأخذ حقه وحدثت له معوقات متعلقة بالسوق، ولا زلت أكرر اعمالي مع لينين الرملي اعظم اعمال مسرحية قدمت وفتحت لي العديد من الأبواب كممثل، واتمنى ان نترك احاديث الفيس بوك ، فهناك من يقول ان لينين الرملي لا احد يزوره في مرضه وهذا ليس شأن أحد، فقط تحدثوا عن فن لينين الرملي واعماله واطالب الدولة بأن تعطيه اعلى الجوائز لمشواره الحافل بالإنجازات، لان أسرته تأذت كثيرا نتيجة أحاديث الفيس بوك عن عدم قدرته على الإنفاق على علاجه وهذا عيب لأن لينين الرملي لديه كرامة وعائلته عريقة .
هل تقصد أننا نفتقد المؤلف صاحب الفكر الآن وهذا هو سبب انهيار منظومة الفن؟
– اكتبوا قائمة بمؤلفين الستينيات اكتبوا قائمة بمخرجين الستينيات، اكتبوا قائمة بالفنانين والمبدعين في الستينيات، اكتبوا قائمة بالنقاد والحركة النقدية في الستينيات واقصد بالنقاد هنا من درس النقد الفني بجميع تخصصاته، فالحركة الفنية لا قيمة لها بدون الحركة النقدية، اقصد الناقد الشريف العلمي الذي يقول للمتفرج لا تذهب لمشاهدة هذا العمل أو اذهب لمشاهدته، وهو البوصلة الحقيقية للمشاهد، كنا عندما نسمع ان الدكتور «علي الراعي» يجلس في الصالة كنا نرتعش رعباً، لأنه ناقد فاهم، اليوم سنخجل لو وضعنا قائمة الستينيات والثمانينيات وقارنا بينها وبين قائمة اليوم، نحن مجتمع بلا مفكر، قولوا لي من قرأ لتوفيق الحكيم وطه حسين والعقاد واحسان عبد القدوس من لا يقرأ لهؤلاء الكُتاب كيف سيستطيع التأليف او التمثيل او الاخراج، انما من لا يقرأ سوى الفيس بوك قولوا لي ما الذي سيقدمه؟!


ماذا يمثل لك المخرج شادي عبد السلام؟
– شادي عبد السلام كان هدية الله إلى بعد تخرجي كنت اسمع عنه لكني لا أعرفه، وكنت اعرض مسرحية هامليت وكنا نعلم انه لن يحضر العرض أحدا من النقاد أو الفنانين او المؤلفين ولكننا كنا نقدم العرض لبسطاء منطقة العمرانية ولكنهم كانوا يستوعبون العرض، وكنا نقدمه على مسرح مكشوف وقمنا وقتها بعمل إضاءة له من علب تشبه علب الكانز للمياه الغازية وكنا نضع هذه العلب في الرمل وبداخلها وضعنا اضاءة وجهناها على الفنانين فضلا عن ضوء القمر الذي كان ينير لنا أيضا، وفوجئت بالمخرج شادي عبد السلام رحمه الله و الفنانة نادية لطفي والأستاذ لويس عوض يجلسون في صالة العرض، وجاءوا لي بعد انتهاء العرض وفوجئت بسؤال الاستاذ لويس عوض لي «انت استاذ في المعهد؟» فقلت له «نعم انا معيد» ولكني فوجئت بسؤال آخر لي «ها يا نجم درست كام سنة في لندن؟» قلت له « أنا لم أر المطار في مصر» وتفاجئ كثيرا مردداً «لا يمكن لا يمكن»، وبعدها طلب الاستاذ شادي عبد السلام مقابلتي وذهبت له ووجدته يعرض علي بطولة فيلم «اخناتون» واحضر لي صورة لإخناتون، وطلب مني الجلوس ثم قام بتصويري بالكاميرا الخاصة به وقال لي انت من ستجسد دور اخناتون، وكنت وقتها لا اعلم عن التاريخ الفرعوني شيئا سوى «مينا موحد القطرين» وكان أعظم شيء حدث في حياتي هو قراءتي لأكثر من 30 كتابا قرأت كل سلسلة سليم حسن، قرأتها بنهم فوجدت نفسي اعرف يعني ايه مصر، عرفت كل شيء عن حضارتي واخذنا شهر ونصف مع فريق العمل كله والفنانة نادية لطفي معنا لكي نتفقد اماكن التصوير ونعيشها وكان الشرط الوحيد له ان لا أظهر في فيلم قبل إخناتون، ولكن بعد ثلاثة سنوات تعثر شادي عبد السلام وطلب من الدولة المساعدة في انتاج «إخناتون» لكنهما أعلنوا انه لا يمكن ذلك نظرا لارتفاع تكلفته الإنتاجية، والتي وصلت وقتها إلى نصف مليون جنيه، وفي ذات الوقت فوجئت بالأستاذ رمسيس نجيب يرسل لي وذهبت له بالفعل وكان يجلس معه حسين كمال، وقال لي انت مرشح لثلاثة أفلام وعقد احتكار مع يوسف شاهين وسعيد مرزوق وحسين كمال، قلت له شرف لي بالطبع ولكني متفق مع الاستاذ شادي عبد السلام ان لا اقدم عملا سينمائيا قبل اخناتون، قال لي اخناتون لن يظهر للنور، قلت له وأنا أعطيت كلمة ألا امثل أي دور إلا بعد إخناتون، وبعدها قابلت الاستاذ شادي عبد السلام ولم أقل له ما حدث حتى لا أحمله عبئا ولكنني فوجئت به يقول لي محمد رمسيس نجيب طلب منك أن تقدم ثلاثة افلام معه قلت له نعم ولكني اعتذرت فقال لي اذهب له ووافق على الاشتراك في تلك الأعمال فقلت له لن تكون انبل مني انا لم اقم بذلك الا في حالة اعتذارك تماما عن اخناتون، ولم نقدم اخناتون وخسرت عرض رمسيس نجيب ولكني كسبت مكسب عظيم هو معرفتي بشادي عبد السلام وكسبت ايضا قراءتي للتاريخ الفرعوني العظيم والحضارة الفرعونية.
هل ترى أن ثورة يناير أخرجت أسوء ما في المصريين؟
– ليست ثورة يناير وحدها خطأ بل ثورات الربيع العربي بأكملها خطأ فالشباب الذين نزلوا الثورة كان كل هدفهم لا للتوريث ولا لحكم مبارك، وتغيير الوزارة وتغيير مجلس الشعب وإلغاء الحزب الوطني، فالطلبات كانت واضحة ولكنها كانت لصالح من يختبئ خلف الشجرة، ولكن ما حدث هو لأحداث اخرى متراكمة من 15 عاما قبل اندلاع الثورة، ولكن عندما حدثت ثورة بلا رأس وبلا فكر، فلا يوجد هدف مما افعله وقت الثورة، فمصر انهارت وقتها، فالأموال التي كسرت بها الأرصفة والرخام وعربية المطافئ والاسعاف وعربيات النقل العام والقطارات ومباني الحزب الوطني والمتحف، جميعها خسارة فوق الـ300 مليار، فلو تواجد هذا المبلغ في مصر سيجعل المواطن المصري اغنى مواطن في المنطقة العربية فما الذي كسبناه، وهناك كثير من الحالات استغلت الثورة لمنفعتها الخاصة فهناك اهالي قالوا ان ابناْهم ماتوا في التحرير حتى يحصلون على أموال تعويضية، وعلى الرغم من ان الكارثة في مصر لا حل لها لأننا 100 مليون، لكن مصر استطاعت ان تعود مرة اخرى، هناك حزب كانوا يطلقون عليه حزب الكنبة وهم من كانوا يشاهدون ما حدث ودموعهم تسيل حزنا على مصر ولا يستطيعون التحدث، هؤلاء هم من حموا مصر، لا أستطيع ان أقول ما حدث ولكن أجزم ان حزب الكنبة هم من حموا مصر وقت ثورة يناير لان مطالبهم كانت العيش بأمن وامان، فلم تكن مطالبهم مناصب أو كراسي، فمصر حفظها الله من الانهيار ولعل ثورة 30 يونيو اعظم ما فيها هي عودة الدولة مرة اخرى، فهناك تقدم في مصر ولا يمكن ان نختلف على ذلك وهناك تحرك للأفضل فتم توفير 30 مليارا مثلا أو 50 مليارا، فأصبح لدي ميزانية جديدة، الـ 50 مليار يتم توجيهها للتعليم والصحة والثقافة هكذا يكون الإيمان ببناء البشر والإنسان، فانا في جميع أعمالي منذ عام 1994 أنادي ببناء الانسان، وعندما بدأت في مشروع العشوائيات كان لدي شعار رفعته من البداية وهو بناء البشر قبل بناء الحجر
فى الحلقة القادمة، يتحدث الفنان محمد صبحى عن كواليس مسلسل فارس بلا جواد، واعتراض عمر سليمان، والصعوبات التى واجهت مشروع «معًا» لتطوير العشوائيات ورسالته للفنان أشرف على الباقى، ولماذا طالب بتغير أسم «مسرح مصر.. انتظرونا