30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

قانون المعاشات الجديد.. فيه سم قاتل

80

بصرف النظر عن بعض الملاحظات المهمة على بعض مواد قانون التأمينات والمعاشات الجديد، إلا أنه يبقى مؤكدًا أن مأساة أصحاب المعاشات مازالت مستمرة منذ استيلاء الوزير الهارب يوسف بطرس غالى وحكومات نظام مبارك على المليارات المودعة فى بنك الاستثمار القومى وتبديدها فى غير موضعها وإهدار حقوق أصحابها من كبار السن.

ورغم أن الاستيلاء على تلك المليارات تم فى عهد حكومات سابقة ولا تتحمل الحكومة الحالية مسئوليته، إلا أنها فى نفس الوقت وبالضرورة وبحكم مسئولياتها الحالية وهى مسئولية تضامنية مطالبة باستعادة تلك الأموال المنهوبة ومعها عوائدها وإعادتها لأصحابها الحقيقيين المستحقين.

وأحسب أن الحكومة الحالية بحكم تلك المسئولية ووفقًأ لما فهمت من متابعة هذا الشأن.. أنها ستعيد ضخ تلك الأموال فى صندوق المعاشات، لكن فى إطار جدول زمنى يستغرق عقودًا قادمة، غير أن إعادة تلك الأموال بذلك التقسيط المريح جدًا ليس حلًا عادلًا أو مرضيًا، باعتبار أن من شأنه أن تظل قيمة المعاشات الحالية والمستقبلية عاجزة بأى مقياس اقتصادى عن تلبية احتياجات أصحابها غير القادرين أصلًا على مواجهة متطلبات الحياة الضرورية وهم فى سنوات الشيب والضعف والمرض والعوز.

ثم إنه بالنظر إلى ما يتقاضاه صاحب المعاش فور تقاعده وبعد سنوات عمل طويلة تتجاوز الـ 35 عامًا أو يزيد قليلًا والذى يتراوح ما بين ألف جنيه أو ألفين، فإنه يمكن تقدير حجم المعاناة والمأساة الإنسانية التى يواجهها أصحاب المعاشات وأغلبهم مسئولون عن أبناء.. إما فى مراحل التعليم أو لم يلتحقوا بعمل بعد أو بنات فى سن الزواج.

صحيح أن قيمة المعاش تزيد سنويًا بنسبة تتراوح ما بين 10% و 15%، وهو ما يسهم فى زيادة المعاش نسبيًا بعد مرور عدة سنوات من التقاعد، ولكنها زيادة تأتى متأخرة جدًا بعد أن يكون صاحب المعاش قد ذاق الأمرين، ومع ذلك فإن المعاش وبعد سنوات وبعد الزيادات المقررة سنويًا يظل عاجزًا عن تلبية الاحتياجات الضرورية، فكيف يكون حال المتقاعد حديثًا؟!

الحقيقة المؤكدة هى أنه لا حل.. إنسانيًا وقانونيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بل وأخلاقيًا أيضًا لمأساة  أصحاب المعاشات إلا بمضاعفة قيمة المعاش وهو حق مستحق باعتبار أنه لو لم يتم الاستيلاء على أموالهم المستثمرة بعوائدها لكان المعاش قد تضاعف بالفعل.

لقد تغافلت الحكومة ولا تزال تتغافل عن أن ثمة متغيرات اقتصادية طرأت مؤخرًا.. أولها خفض قيمة الجنيه بنسبة تقترب من 100% فى مواجهة الدولار، وهو ما يعنى ببساطة أن الألف جنيه صار خمسمائة جنيه فقط، وهو ما يعنى أيضًا أن صاحب المعاش صار يتقاضى نصف قيمة معاشه، حيث تسبب خفض سعر الجنيه فى خصم نصف المعاش!

الأمر الآخر.. هو الارتفاع الجنونى الذى صاحب خفض قيمة الجنيه فى أسعار جميع الخدمات والسلع بدعوى ارتفاع سعر الدولار رغم انعدام الصلة بين تكلفة إنتاج أغلبها وبين أسعارها الجديدة، ورغم تأثر كل فئات المصريين بهذا الارتفاع، إلا أن أصحاب المعاشات هم الأكثر تضررًا بهذا الارتفاع الجنونى الذى فاق قدرتهم على الاحتمال.

ومع كل ذلك ومع كل الظلم والجور والإهمال الذى يتعرض له أصحاب المعاشات ولسان حالهم يردد المثل الشعبى (رضينا بالهم.. والهم ما رضيش بينا).. جاء قانون التأمينات والمعاشات الجديد والذى بدأ العمل به فعلًا ليضاعف من مأساة هذه الفئة التى تتحملها الدولة المصرية بكل مؤسساتها وسلطاتها.. التنفيذية والتشريعية والقضائية.

الظلم الذى أتحدث عنه فى هذا القانون على وجه الخصوص – إذ لم أطلع على كل مواده – يتعلق تحديدًا بمادة واحدة تنص على قطع المعاش عن صاحبه إذا التحق بعمل إضافى آخر بعد تقاعده!

المثير للسخرية والضحك الذى كالبكاء هو أن هذه المادة وفى إدعاء فج للموضوعية والعدالة (والعدالة منها براء) نصت على قطع المعاش بالكامل فى حالة تقاضى صاحبه مبلغًا مساويًا لقيمة المعاش أو أكثر من عمله الآخر، أما فى حالة تقاضيه مبلغًا أقل فإنه يكون مستحقًا لقيمة الفرق!.. وهنا يتعين وضع ألف علامة تعجب!!

والسؤال المنطقى هو: ما الذى يضير الحكومة من أن يعمل صاحب المعاش مضطرًا إلى ذلك اضطرارًا وهو فى هذا السن الكبيرة ولسان حال يقول (إيه اللى رماك على المر) للحصول على أجر يعينه على مواجهة متطلبات حياته الضرورية ومواجهة ارتفاع الأسعار الجنونى وتعويض ضآلة معاشه.

الإجابة الوحيدة عن هذا السؤال هو: أن الحكومة «لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل».. وهى بذلك تستكثر على صاحب المعاش أن يسعى لزيادة دخله من عمل آخر اضطرته إليه الحاجة الملحة رغم مشقة العمل فى هذه السن الكبيرة التى يتعين أن يحياها الإنسان فى هدوء وراحة مع ما يعانيه من أمراض لا مفر منها فى سنوات الشيب والضعف.

إنه لا تعليق مناسبًا على هذه المادة سوى أنها مادة سيئة السمعة.. منعدمة الأخلاق، لأنها تقر سرقة المعاش من أصحابه الذين سددوا قيمته سلفًا وطوال سنوات خدمتهم، وهو بذلك حق أصيل لا يجوز لأى سبب الاستيلاء عليه عنوة دون اعتبار لمأساة كبار السن وعلى النحو الذى لا يتعارض مع القانون والدستور فحسب، بل يتعارض مع موروث القيم الأخلاقية والإنسانية التى تتميز بها مصر ويتميز بها المصريون.

يبقى أنه يتعين على الحكومة أن تدرك جيدًا أن رفض هذه المادة والمطالبة بإسقاطها ليس استرحامًا أو استجداء، ولكنه مطالبة بحق ورفض لسرقة أموال أصحاب المعاشات.

ثم إن هذه المادة غير دستورية ويعتريها العوار الدستورى ومن المؤكد أن المحكمة الدستورية سوف تسقطها.

إن وجود هذه المادة الجائرة تؤكد أن قانون المعاشات الجديد.. فيه سم قاتل.