30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

حوار أتباع الأديان وصراعات وإشكاليات الإنسان

28

إحدى أكبر المآسى التى أصابت البشرية فى القرن العشرين وتمتد تجاذباتها وتقاطعاتها إلى القرن الحادى والعشرين، التلاعب بالأديان والمؤمنين من التابعين لها، من شرق البسيطة إلى غربها، واعتبار الأديان وسيلة لتحقيق أغراض سياسية، لا النظر إلى الحقوق الإنسانية التى توفرها الأديان من أجل كرامة الإنسان.

منذ العقد الثالث من القرن الماضى جرى تلاعب بالأديان، ما وضع المسيحية والإسلام واليهودية بنوع خاص فى صراع مرير لا معنى له، ولهذا عوضا عن الحوار والجوار رأينا الفتن والفرقة، بل الصراعات الدموية ومن أسف شديد فى الكثير من بقاع وأصقاع العالم.
فى ثلاثينيات القرن الماضى استغل هتلر المسلمين فى جمهوريات الاتحاد السوفيتى استغلالا سياسيا، وعند المؤلف الكندى «إيان جونسون» فى كتابه الشهير «مسجد فى ميونيخ» الكثير جدا من الروايات التاريخية الموثقة فى هذا الإطار.

بريطانيا بدورها يحفل تاريخها القريب والبعيد بالأمر نفسه، فهى بدرجة أو بأخرى استطاعت التلاعب بجماعات معينة فى العالمين العربى والإسلامى لوقف المد القومى العروبى الذى كان قد بدأ يتشكل فى العقدين الأولين من القرن الماضي، وقد كانت كذلك سببا فى الكثير من الصراعات فى آسيا لا سيما بين المسلمين والبوذيين، ولا تزال التوترات هناك قائمة من جراء العزف السيئ المقصود على أوتار الإيمان، وما يجرى بين الهند وباكستان على سبيل المثال خير دليل على ما نقول به.

أما عن الولايات المتحدة الأمريكية فحدث ولا حرج، فهى منذ ورثت بريطانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت وحتى الساعة على أوتار الإسلام السياسي، فى مواجهة المعسكر الشرقي، حلف وارسو ومن يدور فى فلكه، وفى طريقها أحيت جماعات أصولية فكريا، وسلحت أخرى تسليحا كان السبب المباشر فى ظهور وارتقاء الإرهاب العنيف فى العقدين الماضيين ومنذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر بشكل مؤكد وحتى الساعة.

هل هذا هو الدور المنوط بالأديان حول العالم أو كما يجب أن يكون؟
المقطوع به أن الأديان أرست حقوق الإنسان، ورفضت أن تكون أداة تسخر لخدمة الأيديولوجيات المختلفة ولصالح القوى السياسية، وربما يظن البعض أن مصطلح حقوق الإنسان يعود إلى قيام الثورة الفرنسية، إلا أن الحقيقة أن الدعوة إلى ممارسة هذه الحقوق سبقت قيام الثورة الفرنسية بآلاف السنين، بل سبقت الحقوق والواجبات التى أتت بها الأديان الكتابية، وإن كانت الأخيرة هذه قد عززتها على نحو غير مسبوق.
كانت الأحكام القانونية فى المجتمعات القديمة وليدة الدين، سواء نزلت فى هيئة شرائع أو انبثقت من السلطات الكهنوتية مثل الحقوق المصرية والبابلية.

والمعروف أن المجتمعين اليونانى والرومانى القديم قد نهلا حقوقهما من الطقوس البدائية وعبادة الأسلاف التى كانت تقوم على الدين.
وفى جنوب شرق آسيا والشرق الأقصى، كانت هذه الحقوق تنهل جميعا من الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية والطاوية، وكلها أديان ذات صفات مقدسة عند أصحابها.

حقوق الإنسان التى بلورتها الأديان السماوية لاحقا وأكدت عليها كانت قائمة فى النفس البشرية كفطرة أساسية وأزلية، ولهذا نستمع إلى نموذج لخطبة أحد الأفراد فى المحكمة الأويزرية أو «قاعة الحق»، كما كانوا يسمونها أمام القضاة الـ 24، وذلك بحسب ما ورد فى أشهر كتب المصريين القدماء المعروف باسم «متن الموتى»، فيما الاسم الصحيح له هو «الخروج الى النهار».
هذا النص يرجع تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام ويتضمن السلوك العادل والإقرار بعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، ما يمثل روح الأديان والإيمان التى جبلت عليها الفطرة الإنسانية.

ورد فى النص ما يلي: «انظر.. أنى أحضر بالعدل.. إنى لم أرتكب ضد الناس أى خطيئة.. إنى لم آت سوءً فى مكان الحق.. إنى لم أرتكب أى شيء خبيث، وإنى لم أفعل ما يمقته الإله.

إنى لم أترك أحدًا يتضور جوعًا، ولم أتسبب فى بكاء إنسان.
إنى لم أرتكب القتل أو آمر به.

إنى لم أنقص طعامًا ما فى المعابد، إنى لم أرتكب الزنى، إنى لم أنقص مكيال الحبوب، إنى لم أنقص مقياس الأرض، إنى لم أغتصب لبنا من طفل، إنى لم أطرد الماشية من مرعاها، إنى لم أمنع المياه عن أوقاتها.
يخال المرء أن هذا النص كتب بالأمس لشدة قربه من واقعنا البشرى الحالي، حيث تغتصب الأراضي، وتختل الموازين، ويزداد الفقراء فقرا ويتشرد الأطفال.

ويبقى السؤال قبل الانصراف: هل حان الأوان لعودة الأديان كركيزة أساسية فى طريق كرامة الإنسان؟
مؤكد أن أفضل من يقدم لنا حلا ناجعا فى هذا الإطار هم قادة الأديان، أولئك القادرين على تهيئة الأرضية للحوار بين مؤمنيهم من مشارق الشمس إلى مغاربها، والذين لا يضيع عن ناظرهم أهمية وجسامة الدور الذى يقومون به، أى قيادة الناس وتنبيههم إلى نقاط الالتباس، من أجل حياة أكثر كرامة فى الحال والاستقبال.