مصر تنتصر

مخطط تفكيك الدول (2)

96

لم تكن حرب أكتوبر نقطة تحول في المنطقة العربية فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، كما كانت بداية إعداد خطط جديدة للمنطقة العربية، خاصة أن الأيام الأولى للمعركة كانت بمثابة رسالة قوية لأجهزة المعلومات (المخابرات) في عدد من الدول الكبرى (أمريكا – بريطانيا – فرنسا – الاتحاد السوفيتي- المانيا) إلى جانب العدو الإسرائيلي، لتثبت فشل تلك الأجهزة في التعرف على حقيقة المشهد الذي تدور تفاصيله على الجبهة المصرية.

كان الموقف العربى صادمًا للعديد من تلك الدول الكبرى، خاصة فى ظل التعاون الاستراتيجى فيما بينها.

هنا ازدادت قناعة المخطط الاستراتيجى لدى تلك الدول بضرورة تفكيك المنطقة العربية.. بالإضافة إلى ضرورة إنشاء بؤر توتر مستمرة تجعل الهدوء أمرًا مستحيلًا فى الشرق الأوسط بصفة عامة والمنطقة العربية بالأخص.

كان التحرك فى اتجاهات متعددة شملت الثقافة والفن والإعلام ومنظمات المجتمع المدنى ومراكز البحوث والدراسات، بالإضافة إلى ما قام به قسم الأنشطة الخاصة (SAD) التابع لوكالة المخابرات الأمريكية (CIA) والمسئول عن العمليات السرية.

نستأنف فى السطور التالية كشف تفاصيل ذلك المخطط الذى وضع سبعة محاور للتحرك أوردناها فى الحلقة السابقة بالعدد الماضى، والتى سبقتها مجموعة من الإجراءات والعمليات التمهيدية سواء من خلال اتفاقيات تعاون أمنى وعسكرى مع إسرائيل أو من خلال استقدام نماذج ثقافية وفكرية تهدم ثوابت المجتمعات العربية؛ ودائمًا كانت مصر هى الهدف الأساسى باعتبارها الجائزة الكبرى كما وُصفت فى أوراق ذلك المخطط.

لم يغب عن أذهان أصحاب خطة تفكيك دول المنطقة أن مصر دائمًا هى الأقدر على لم شمل العرب وإعادة الوحدة، كما لم ينسوا أن الدولة المصرية إذا ما أُتيحت لها الفرصة ستشكل تهديدًا قويًا تنهار معه أحلام الطامعين فى المنطقة العربية وثرواتها.

تمثل تجربة محمد على فى بناء مصر الحديثة إحدى التجارب التى دائمًا ما تقض مضاجع هؤلاء ويذكرون جيدًا كيف استطاعت مصر أن تصنع امبراطورية عسكرية واقتصادية فى أقل من20 عامًا وعادت قلعة للنور والعلم فى المنطقة.. كما لم ينسوا ما حققه الجيش المصرى فى مواجهة الجيش الإنجليزى بقيادة أحمد عرابى الذى لولا تآمر من كان يسمى فى ذلك الوقت بالخليفة العثمانى وإصداره فرمانًا يعتبر فيه عرابى عاصيًا وخارجًا عن الطاعة، لاختلف المشهد فى تلك المعركة عام 1882؛ لم تنس أجهزة استخبارات تلك الدول ما قام به جمال عبدالناصر ودور مصر فى تحرير المنطقة والقارة الإفريقية من الاستعمار، والخطوات التى قام بها فى تطوير وتحديث الصناعة والاقتصاد والتسليح، والانتقال بمصر إلى الصناعات الكبرى وتطور الصناعات العسكرية.

كما لم ينسوا ما قام به السادات فى حرب أكتوبر وكيف استطاع فى 6 ساعات أن يحول المستحيل (بحسب كافة المعاهد ومراكز البحوث والدراسات العسكرية على مستوى العالم) إلى واقع بفضل جيش وشعب عظيم، وتحقق النصر الذى أصبح علامة فارقة فى تاريخ المنطقة.

كما لم يغب عن أذهانهم ما قام به السادات عندما استرد كافة التراب الوطنى بمعاهدة السلام التى كان يستهدف منها التفرغ بعد استرداد الأرض لبناء الدولة.

لكن المؤامرة لم تمهله فاستخدموا أحد عملائهم (الجماعات الإرهابية) لاغتياله ليصبح الأمر بمثابة نقطة مهمة فى سيناريو التحرك لتفتيت المنطقة.

بدأ العمل فى منتصف الثمانينيات على تنفيذ المحاور السبعة للدراسة الخاصة بالمنطقة العربية وشملت هذه المحاور ما يلى:

مرحلة توسيع نطاق الاستفادة من العناصر (الإرهابية) بعد أن اقترحت وكالة الأمن القومى الأمريكى ضرورة إشراك المراكز الثقافية ومنظمات المجتمع المدنى فى تنفيذ المخطط، فأنشأت العديد من المراكز البحثية ومراكز الدراسات السياسية والاجتماعية وذلك للوصول إلى عناصر الجماعات الإرهابية إما لتقديم الدعم المادى لهم من خلال تلك المراكز أو لتقديم الدعم المعلوماتى حول العناصر المستهدفة أو للتنسيق بشأن خطة التحرك فى المنطقة باتجاه تفتيت الدول وهو الهدف الموحد لدى الطرفين (أجهزة الاستخبارات الأجنبية والجماعات الإرهابية ومعاونيهم)، فالأولى تستهدف تفتيت الدول وإضعافها، بينما تسعى الثانية للاستيلاء على السلطة.

ذكرت ف. س. سوندر فى كتابها «من دفع للزمار؟ المخابرات المركزية والحرب الثقافية الباردة» (Who Paid the Piper: The CIA and the Cultural Cold War) والذى اعتمدت فيه على وثائق المباحث الفيدرالية الأمريكية والكونجرس السرية. أن الحرب الباردة الأمريكية بقيادة المخابرات المركزية كانت تستهدف فى البداية دول أوروبا الغربية والاتحاد السوفيتى ثم سرعان ما توسعت لتشمل الشرق الأوسط وإفريقيا وكافة دول العالم مع تحول الاستراتيجية الكبرى الأمريكية إلى «استراتيجية السيادة» فأقامت «منظمة الحرية والثقافة» التى كانت تمولها المخابرات الأمريكية بميزانية سرية.

بدأت عملية إصدار مجموعة من الصحف والمجلات سواء الناطقة بالعربية أو الإنجليزية أو الناطقة بلغات أخرى بهدف استقطاب أكبر عدد من المثقفين خاصة المؤثرين منهم، ومنها مجلة «حوار» التى استطاعت، كغيرها من المجلات، تقديم محتوى عربى رصين، فنشرت للسياب وجبرا إبراهيم جبرا وزكريا تامر ومحمد الماغوط وليلى بعلبكى وصلاح عبد الصبور والطيب صالح وكثيرين آخرين، لكن من الصعب تحديد من كان على علم مسبق بهذه المؤامرة، فخلُصت رؤية الاستخبارات الأمريكية إلى العبارة التالية: «يتم تحديد الدعاية الأكثر تأثيرًا بتلك التى يتحرك بها الشخص المستهدف فى الاتجاه الذى تريد لأسباب يعتقد أنها أسبابه».

لم تقتصر أدوات تنفيذ المخطط على الصحف والمجلات فقط، بل شملت أيضًا المهرجانات والمسابقات الثقافية والفنية. كما بدأ التحرك بقوة نحو العنصر المهم والفاعل فى المخطط ( العناصر الإرهابية)، حيث يظل مصدر التوتر والأزمات فى المناطق التى يوجد بها.

كانت البداية باقتراح من المخابرات البريطانية (MI6) أيدته فى ذلك الوقت المخابرات الألمانية (BND) بعد نجاح تجربتهما فى استخدام جماعة الإخوان فى تنفيذ عدد من العمليات.

تم الاتفاق بين الأجهزة الثلاث على استغلال تلك التنظيمات الطامحة فى الوصول إلى السلطة بأى شكل كان حتى ولو على جثث رفاق الدرب.

استغلت عناصر الاستخبارات انفصال عدد من أعضاء تنظيم الإخوان، وتكوين تنظيمات أكثر تشددًا وعنفًا غير أنها تدين بالولاء للجماعة الأم (الإخوان) حتى وإن كان الظاهر يوحى بعكس ذلك، وهو ما يساعد فى نجاح المخطط.

بدأ العمل لتمهد تلك التنظيمات الطريق نحو تفكيك الدول العربية من الداخل وأعدت لها مجموعة من الخطوات للتحرك.

بانتهاء المهمة الكبرى لمن عرفوا فى الثمانينيات بـ«المجاهدين الأفغان»، بدأ العمل على استغلال تلك العناصر خشية تحولها إلى خطر يهدد صانعيهم، فتم الدفع بعدد كبير منهم إلى بعض البلدان لزعزعة استقرار الدول التى ترفض الدخول تحت المظلة الأمريكية والانصياع لقراراتها طواعية.

جاءت مصر فى مقدمة الدول التى دفعوا بعدد من العناصر الإرهابية إليها، حيث قام تنظيم «العائدون من أفغانستان»، بمحاولة اغتيال وزير الداخلية المصرى آنذاك الراحل زكى بدر عام 1989، واغتيال رئيس مجلس الشعب الراحل د. رفعت المحجوب عام 1990، ومحاولة اغتيال وزيرى الداخلية حسن الألفى والإعلام صفوت الشريف 1993، ومحاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك فى إثيوبيا عام 1995، وتفجير السفارة المصرية بإسلام آباد فى العام نفسه.

بالتوازى مع تحرك العناصر الإرهابية، كان تحرك عناصر المجتمع المدنى المدعومة من منظمات أمريكية مثل المعهدين الديمقراطى والجمهورى والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، كما ظهر عدد من المراكز التى صُنِّفت كمراكز للدراسات والبحوث السياسية والاجتماعية، مثل مركز ابن خلدون وغيره.

مع بداية التسعينيات كان العمل على الدولة المصرية أكثر تركيزًا، خاصة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية بسقوط مليون قتيل وخسائر بلغت 800 مليار دولار؛ فى ذلك الوقت كانت عمليات الإعداد والتجهيز لتدمير الجيش العراقى وإضعاف الدولة وإدخالها دوامة الفوضى، التى وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندليزا رايز بالفوضى الخلاقة (تستطيع الفوضى تفتيت الدول وإضعاف قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مما يسهل الانقضاض عليها فى أى وقت، وتحويل الدول إلى دويلات).

تم التحرك على محور إحداث حالة من عدم الثقة بين الشعوب والحكومات فى المنطقة العربية، كما تم توجيه الدعم لمنظمات المجتمع المدنى وما عرف بمراكز دراسات حقوق الإنسان لاستصدار تقارير يمكن استخدامها كذريعة لابتزاز الأنظمة العربية.

استخدمت تلك المنظمات أوراقًا بحثية مشوبة بادعاءات وأرقام غير دقيقة لرسم صورة، تخدم الأجندات الخارجية، تم تصديرها للمجتمع الدولى عن المنطقة.

ضخت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمعهدين الديمقراطى والجمهورى أكثر من 2 مليار دولار خلال الفترة من 1991 وحتى 2005، بالإضافة إلى المؤسسة السويسرية للسلام «سويس بيس» وكذلك الوكالة الهولندية، والعدالة الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وكلها جهات تمول الملف الحقوقى والمنظمات العاملة به.

وما زالت تلك المنظمات الدولية تضخ أموالها داخل مصر حيث بلغت العام الماضى مليار جنيه.

فى ذلك الوقت سقط نظام الرئيس العراقى صدام حسين فى الفخ الذى صنعته له أجهزة الاستخبارات الأمريكية، عندما قام بغزو الكويت فى 2 أغسطس 1990 لتكون نهاية الجيش العراقى ويتم الإعداد لمعركة تفتيت وأفشال الدولة العراقية عقب معركة تحرير الكويت فى فبراير 1991 المعروفة بـ «عاصفة الصحراء».

وللحديث بقية حول تحركات الجيوش الخفية لتنفيذ باقى محاور المؤامرة وكيفية الدفع بعناصر التجميع وكسب المؤيدين، والدور المهم الذى قامت به عدد من دول المنطقة فى تنفيذ المؤامرة لتفتيت الدول العربية، وكيف أصبح عام 2004 عامًا علامة فارقة فى مخطط هدم دول المنطقة العربية بعد سقوط العراق.