مصر تنتصر

الثورة المضادة.. وفراغ السلطة

28

حذرت بعض المراكز البحثية من خيارات أسمتها بالمربكة وهى حدوث فراغ السلطة فى بعض دول المنطقة، خاصة لبنان والعراق ودول أخرى مع احتمال عودة التنظيمات الإرهابية إلى مناطق نفوذها الرئيسية، وزيادة تمدد الميليشيات المسلحة فى أقاليم مناطقية، وتعقيد التوصل إلى تسوية للصراعات المسلحة الممتدة، وتعزيز شرعية الجماعات الخارجة عن القانون فى الأطراف المهملة تنموياً، والتى تعانى من أزمات اقتصادية.
على سبيل المثال، تفاقم الاحتجاجات الشعبية: على نحو ما عبرت عنه حالتا لبنان والعراق، فقد شهدت عدة مناطق فى لبنان، منذ 17 أكتوبر الماضى، حراكًا شعبيًا لم تعهده من قبل، يعبر عن مطالب سياسية واقتصادية، وقد وصلت التظاهرات إلى مناطق تعد معاقل رئيسية لحزب الله مع توجيه انتقادات له.
وهنا حذر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، من الاحتجاجات التى تجتاح أنحاء لبنان واندفاعها نحو الفوضى والانهيار والحرب الأهلية، وهو ما يتعين على لبنان أن يبحث عن حلول وفى الوقت نفسه تجنب حدوث فراغ خطير فى السلطة، أى إسقاط الرئيس أو استقالة الحكومة أو إجراء الانتخابات النيابية المبكرة؟
على جانب آخر، لازالت الاحتجاجات العراقية متصاعدة فى عدة محافظات على مدى شهر كامل، ولا توجد مؤشرات توحى بانحسارها خلال الفترة المقبلة، وفى الوقت الذى رفع فيه المحتجون شعارات مطالبة بإسقاط النظام وقد توجه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بخطاب للمحتجين، قائلا «نحن اليوم أمام خيارى الدولة واللادولة»، وهو ما حمل تحذيرًا من الفراغ الذى يمكن أن يحدث فى إحدى الرئاسيات الثلاث أو مجملها أى رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان. ولاشك أن فراغ السلطة فى العراق يمثل تحديًا كبيرًا مع الأخذ فى الاعتبار وضع بغداد كحليف دولى للولايات المتحدة وإيران اللتين تخوضان مواجهة حادة.
وكذلك السير فى دوامة المرحلة الانتقالية: والتى تفرض تحديات كثيرة ليست فى الحسبان، وقد تصل إلى مدى زمنى أطول، وتضغط على كل الأطراف، وتؤثر فى هياكل الدولة، وهو ما ينطبق على الحالة الجزائرية بعد تخلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم فى أبريل 2019، فلا تزال قوى الحراك تتمسك برحيل كافة رموز نظام بوتفليقة قبل إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة فى 12 ديسمبر 2019، وفقًا لما أعلنته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حيث يرى المحتجون أن إجراء الانتخابات فى ظل وجود رموز للنظام القديم قد يؤدى إلى إعادة إنتاج نظام بوتفليقة، لاسيما مع وجود عدد من المرشحين المحسوبين على «الحقبة البوتفليقية» من ناحية وغياب مرشحى الأحزاب المعارضة ذات الوزن لدى الرأى العام والنخبة من ناحية أخرى.
ثم تأتى ظاهرة زيادة تمدد الميليشيات المسلحة: وهو ما يعبر عنه جلياً واقع منطقة جنوب ليبيا التى تراجع الاهتمام بها فى ظل التنازع على السلطة ذات الرأسين: حكومة طرابلس الداعمة لفايز السراج والمجلس الرئاسى من جهة وحكومة طبرق المدعومة من مجلس النواب وقوات الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر من جهة ثانية، على نحو أدى إلى تهميش مدن الجنوب وحرمانها من التنمية ومن ثم، يعانى الليبيون المقيمون فى تلك المنطقة من تواصل غياب السلطات المركزية وغياب الخدمات الأساسية وتردى البنية التحتية وغياب الخدمات الصحية، إذ تتجه إلى الفوضى لاسيما مع تفشى جماعات التهريب وازدياد الهجرة الإفريقية غير النظامية وتنامى نفوذ الميليشيات المسلحة وإعادة تمركز الجماعات المتطرفة بهدف السيطرة على هذه المناطق المتاخمة للساحل والصحراء، والتى تعد أحد الملاذات الآمنة لهذه الجماعات وتلك التنظيمات الإرهابية.
ويبقى عدم التوصل إلى تسوية للصراعات المسلحة هى الخطر الأكبر خاصة فى ظل تعدد مراكز السلطة فى عدة بؤر صراعية بالمنطقة العربية يعرقل حل أو تسوية أو حتى تهدئة تلك الصراعات، وهو ما تشير إليه تعقيدات الأزمة السورية بعد التوغل التركى «الثالث» فى سوريا لاسيما بعد تحذير وزارة الدفاع الروسية من «الفراغ الأمني» فى شمال شرقى سوريا، والخلاف بين طهران وأنقرة بشأن إقامة قواعد عسكرية تركية شرق الفرات. وتنعكس كل تلك الخلافات بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة على الساحة السورية، فيما يطلق عليه «القوى الضامنة» أى روسيا وإيران وتركيا.

سوسن أبو حسين