عاجل

مصر تنتصر

مخطط تفكيك الدول (10) برعاية البشير.. معسكرات الإرهاب شمال السودان

74

في الحلقة الماضية من سلسلة «مخطط تفكيك الدول» أمطت اللثام عن بعض الأوراق والبيانات والنفقات المرتبطة بالانقضاض على الدولة الليبية، والتي بلغت مليارًا و300 مليون يورو، كما أوضحت كيف دفعت الولايات المتحدة وفرنسا بحلف الناتو ليصبح ذريعة للانقضاض على النفط الليبي من ناحية وحصار الدولة المصرية من الاتجاه الاستراتيجي الغربي من ناحية أخرى بعد ذرع العناصر الإرهابية بها وتوريد كميات كبيرة من الأسلحة لهم.

لعب نظام البشير دورًا بارزًا في تلك المؤامرة حيث كان البشير أحد أهم داعمي الإرهاب وفق تقارير استخباراتية ووثائق كُشف عنها مؤخرًا.

نشر مايكل روبن (Michael Rubin) ـ وهو زميل زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ـ تقريرًا نهاية عام 2001 كشف حجم الدعم المقدم من النظام السوداني السابق للتنظيمات الإرهابية، فقد حوَّلت جماعة الإخوان الإرهابية السودان إلى حاضنة قوية لتدريب عناصرها بها.

وأشار التقرير إلى فترة استضافة نظام البشير أسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة منذ عام 1991 وحتى عام 1996، واستعرض التقرير بعض المعلومات، مسندًا مصدرها إلى أجهزة استخبارات بعض الدول، مبينًا أن السودان خاصة شمال الخرطوم كانت بها معسكرات لتدريب كوادر جماعة الإخوان الإرهابية على حمل السلاح، وكذا عناصر من حركتى حماس والجهاد الإسلامى الفلسطينيتين وعناصر من حزب الله الإيرانى بالإضافة لعناصر من الجماعة الإسلامية والجبهة الإسلامية للإنقاذ فى الجزائر.

(1)

منذ تولى البشير السلطة فى السودان (30 يونيو 1989 وحتى 11 ابريل 2019) بدعم من حسن الترابى، أحد قيادات جماعة الإخوان الإرهابية فى السودان وهو يدين بالولاء للجماعة الإرهابية، وكان بمثابة طوق النجاة وملجأ الفارين من الملاحقات القانونية من عناصر الجماعة الإرهابية.

بلغ عدد العناصر التى تم تدريبها فى معسكرات شمال شرق الخرطوم إبان حكم البشير أكثر من 3000 عنصر.

نشرت مجلة «جون أفريك» الفرنسية (Jeuneafrique) تقريرا مطولًا أوضحت فيه كيف أصبح السودان مصدرًا رئيسًا للإرهابيين المنضمين إلى تنظيم داعش الإرهابى فى ليبيا، سواء من السودانيين الذين يعتنقون الأفكار المتطرفة أو من خلال الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا عبر السودان.

ووفقًا لتقديرات المخابرات الفرنسية فقد تحولت السودان إلى منطقة تدريب وعبور للعناصر الإرهابية للوصول إلى ليبيا ومصر.

فى عام 2011 حذر وزير الداخلية فى جنوب السودان الييسون ماجا (Alison Manani Magaya) من تزايد أعداد الإرهابيين فى السودان واستغلاهم من جانب البشير لتنفيذ هجمات ضد جنوب السودان؛ وعقب ثورة يناير 2011 تحولت السودان إلى أحد مصادر السلاح للتنظيمات الإرهابية، حيث يتم نقل الأسلحة القادمة من قطر وتركيا عبر ميناء بورسودان مرورًا بولاية البحر الأحمر الملاصقة للحدود المصرية ثم ولاية نهر النيل وصولًا إلى الولاية الشمالية ومنها تعبر إلى ليبيا ثم إلى مصر.

تحولت الولايات الثلاث فى عهد البشير إلى معاقل للجماعة الإرهابية (الإخوان) ومراكز لتدريب عناصرها على استخدام السلاح، واستُغِلت طبيعة الأرض فى تلك الولايات لإقامة معسكرات التدريب للعناصر الإرهابية، بعيدًا عن أعين الدولة المصرية لاستخدام تلك العناصر للانقضاض عليها فى التوقيت المناسب.

(2)

كانت جماعة الإخوان الإرهابية فى مصر تضغط على الشارع للانفجار فى وجه المجلس العسكرى، بدعم من الدوحة والتنظيم الدولى للإخوان، فى الوقت الذى كانت فيه الدوحة تغذى نظام البشير ببعض المساعدات لتحقيق نصر زائف تسوقه وسائل إعلام الجماعة الإرهابية وقطر كدليل على نجاح نظام البشير فى إدارة السودان رغم انفصال الجنوب.

فى 14 يوليو 2011 عقب اجتماعات استضافتها الدوحة للتغطية على ما فعله نظام البشير وتسبب فى فصل الجنوب السوداني، كانت تنعقد اجتماعات ما عُرِف بوثيقة الدوحة للسلام فى دارفور والتى لم تجد لها طريقًا للتنفيذ لأن الوثيقة كانت مجرد دعاية إعلامية، كما كانت الاتفاقية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع لأن موازين القوى اختلفت عن الموازين التى سادت فى ساحات التفاوض فى الدوحة.

عقب سقوط الإخوان فى مصر وقيام ثورة 30 يونيو، بدأت قطر سريعًا بالتحرك، بالتعاون مع نظام البشير، فى ذلك الوقت وقامت بتوفير الأموال للعناصر الإرهابية الهاربة من مصر، وقام نظام البشير بتوفير الملاذ الآمن لهم.

رصدت المخابرات الفرنسية وعدد من أجهزة استخبارات دول أخرى وثائق مسربة عن اجتماع للحكومة السودانية ترأسه عمر البشير أوصى خلاله بمساعدة أعضاء جماعة الإخوان الفارين من مصر إلى السودان، وتأمينهم وتوفير فرص الاستثمار لهم، وأثبتت وثائق انتخابات المكاتب الإدارية للجماعة فى الخارج أنها أجرت تلك الانتخابات على مرأى ومسمع الأمن السوداني، لاختيار مجلس شورى الإخوان المصريين فى السودان.

(3)

نشر «إريك ريفز»، الباحث المتخصص فى الشؤون السودانية فى مقالة بصحيفة «Le Monde» الفرنسية تقريرًا أكد فيه تلقى نظام البشير دعمًا ماليًا بلغ مليار دولار من الدوحة لمساندة الجماعة الإرهابية وزيادة الضغط على مصر، كما ذكرت بعض التقارير أن هذه المعسكرات توافر فيها جميع أنواع الأسلحة المخصصة للأعمال الإرهابية المتنوعة، وأنه تم تخصيص ما يقرب من 2 مليار دولار من ميزانية التنظيم الدولى للإخوان لها، وأن هذه العناصر الإرهابية التى انضمت لمعسكرات الإخوان يتم تدريبهم على تصنيع القنابل بأنواعها المختلفة وكيفية التعامل مع مختلف الأسلحة لاستهداف عدد من المنشآت الأمنية وبعض السياسيين والعسكريين فى مصر.

اعترف أعضاء حركة «حسم» الإخوانية، فى بيان رسمي، أنهم تلقوا تدريباتهم بالسودان، كما عثرت أجهزة الأمن المصرية فى أغسطس 2014 على 25 صاروخًا مضادًا للطائرات و500 قذيفة فى إحدى المناطق الجبلية بمنطقة وادى النقرة، جنوب مدينة أسوان، نقلها إرهابيون من السودان.

تمكن رجال قوات حرس الحدود فى أسوان بمنطقة وادى العلاقى من ضبط 7 من قيادات جماعة الإخوان أثناء محاولتهم الهرب بطرق غير شرعية من خلال التسلل إلى السودان عن طريق الدروب والصحارى.

(4)

أقام نظام البشير بالتعاون مع تنظيم داعش الإرهابى ما يشبه مراكز التجنيد داخل السودان – وتُعرَّف بمعسكرات «التربية الجهادية»، بغرض تدريب واستقبال الشباب السودانى الراغب فى الانضمام إلى التنظيم، وكذلك الشباب القادم من مختلف دول العالم، قبل إصدار الأوامر لهم بالتسلل إلى البلاد عبر الجنوب وصولًا للعاصمة المصرية لتنفيذ أعمال تخريبية تستهدف مؤسسات الدولة خاصة دور العبادة وهو ما اعترفت به العناصر الإرهابية التى ألقت أجهزة الأمن القبض عليها فى الإسكندرية قبل تنفيذ عمليات إرهابية فى أعياد الميلاد. كما ذكر الصادق المهدى، رئيس الوزراء السودانى الأسبق، ورئيس حزب الأمة، أن السودان قد انتشر فيه فكر داعش المتطرف وأن بعض المساجد كان يتم استغلالها فى العاصمة الخرطوم لنشر هذا الفكر والترويج له بلا رقيب أو حسيب.

كما كان «محمد على الجزورى»، أمير داعش فى السودان، يتحرك بحرية مطلقة فى كافة مناطق وولايات السودان الشمالية، ويلقى خطب الجمعة بالمساجد، والرجل قد أعلن صراحةً مبايعته لأبوبكر البغدادي.

أكدت أيضًا حركة تمرد السودانية إبان حكم البشير أن داعش كانت تقوم بتدريب عناصرها فى السودان، خصوصًا القادمين من إفريقيا، لنقلهم بعد ذلك إلى ليبيا وسوريا والعراق ومصر؛ كما كان التنظيم يستخدمهم لإرهاب المعارضين فى السودان، مثل ما حدث مع الصحفية شمائل النور، بل كانوا يمنعون أيضًا إقامة الحفلات.

تذكر مصادر مطّلعة أن عدد الكوادر الإخوانية الهاربة فى السودان بلغ نحو 4000 إخوانى، بعضهم خرج بجوازات سفر مزورة، والبعض الآخر هرب من خلال الدروب الصحراوية المتشعبة على حدود البلدين، كما كانت هذه العناصر أخطر بكثير من العناصر التى كانت موجودة فى قطر وتركيا، واصفةً العناصر المقيمة فى السودان بالعناصر الحركية والمعنية بالعمليات الإرهابية تدريبًا وتسليحًا وتنفيذًا.

بعد اغتيال اللواء أركان حرب عادل رجائى قائد الفرقة التاسعة مدرعات، والذى تبناه ما يُسمى بتنظيم «لواء الثورة»، كشف أحد كوادر الجماعة الفارين فى السودان عن تفاصيل العملية بعد تنفيذها بدقائق، وهو ما نبَّه أجهزة الأمن المصرية إلى الربط ما بين عملية الاغتيال والكوادر المقيمة فى السودان، وتتبعوا الخيط إلى أن تأكدوا من أن العملية برمتها تم إعدادها والتخطيط لها فى السودان.

(5)

كلفت الجماعة الإسلامية عقب ثورة يونيو من العام 2013 عددًا من قياداتها بتنفيذ مشاريع زراعية والحصول على أراض زراعية للاستثمار فيها فى السودان، وعقب عزل الإخوان كان للجماعة الإسلامية عدد من قياداتها يستقبلون الهاربين من مصر عقب الثورة؛ وتم تكليف القيادى حسين عبدالعال أمير الجماعة السابق بأسيوط لإدارة كل العمليات اللوجستية التى تجرى هناك والإشراف على المشاريع الاستثمارية الزراعية بالسودان، والتى بلغت آلاف الأفدنة للإنفاق على حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للحزب، والإنفاق على إعاشة الهاربين من مصر، الذين يقيمون فى السودان بمباركة من البشير ونظامه.

يضم شمال السودان 23 معسكرًا تدريبيًا للعناصر الإرهابية فى (رينك وكسلا ودنقلا وشمال الخرطوم)، وهو ما أكده جورج لوجاكو (George Logokwa)، أحد المنشقين عن نظام البشير، حيث ذكر أن القائمين بأعمال التدريب داخل تلك المعسكرات يضمون عناصر من حزب الله والعائدين من أفغانستان ويعملون على تدريب العناصر الإرهابية على تصنيع القنابل بمختلف أنواعها، وكيفية التعامل مع الأسلحة، لاستهداف عدد من المنشآت الأمنية وبعض السياسيين والعسكريين فى مصر.

ظلت السودان طوال عهد البشير بمثابة الحاضنة الأكثر أمنًا للعناصر الإرهابية من حيث وفرت لهم التحرك الآمن والتدريب العسكرى والأسلحة والتمويل، كما ساعدتهم فى وضع الخطط والانطلاق لتنفيذها فى دول المنطقة.

 نواصل فى العدد القادم نشر عمليات نقل العناصر من ليبيا إلى سوريا عبر السودان وتركيا بعد الانتهاء من نظام القذافي، وكيف كانت بوابة الإعلام طريقًا لوصول العناصر إلى الدول المستهدفة، والطريق الذى سلكه ماثيو فاندايك (Matthew VanDyke) مخرج الأفلام الوثائقية الأمريكى بعد مشاركته فى إسقاط نظام القذافى ليشارك بعد ذلك فى الثورة السورية.