عاجل

مصر تنتصر

حول معركة تجديد الخطاب الديني

63

أصبح الفضاء العام (البعض يفضل استخدام المجال العام) ساحة مشتعلة لكل أنواع الصراعات والسجالات من أول الأحداث السياسية الكبرى، وحتى السلوك الشخصي لرجل الشارع..
مساجلة الشيخ أحمد الطيب والدكتور عثمان الخشت أكبر شاهد على أزمة هذا التجديد المطلوب.
الخطاب الديني، في أبسط وأوضح مفهوماته التي لا لبس فيها، هو حديث البشر عن الدين..
السائد من هذا الخطاب‮ ‬يتسم بالجمود والبعد عن التسامح والعقلانية،‮ ‬وغلبة التقليد على الاجتهاد، وانتشار التعصب المقترن بالعنف المادي والمعنوي،‮ ‬فضلا عن شيوع وهم احتكار المعرفة الدينية بين أكثر الفرق الدينية المتصارعة.
رفض الإسلام التبعية الفكرية والتقليد الأعمى،‮ ‬وقضى على الدجل والشعوذة والاعتقاد في الخرافات والأوهام وأبطل الكهانة.

كتب : إيهاب الملاح

تابع ملايين المصريين، وغيرهم، خلال الأسبوع الماضي المساجلة التي جرت وقائعها على الهواء مباشرة، بين الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وبين رئيس جامعة القاهرة؛ أعرق وأقدم جامعاتنا المصرية في العصر الحديث، الدكتور عثمان الخشت.. وذلك خلال الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «تجديد الفكر الإسلامي» الذي عقد على مدار يومين بمركز المؤتمرات بمدينة نصر.
ليست المرة الأولى التي ينعقد فيها مؤتمر حول موضوع “التجديد”، وبالتحديد “الفكر الديني”، ولن يكون الأخير، لكن الجديد هذه المرة أن بعضا مما دار خلال المؤتمر قد تجاوز حدود القاعة التي دار فيها بفضل سلطة السوشيال ميديا، وبفضل الطابع الصراعي السجالي الذي يَسِم كل جوانب الحياة في مصر من أصغرها إلى أكبرها.. فمنذ يناير 2011، وما تلاها من تحولات وتقلبات وسنوات عصيبة، أصبح الفضاء العام (البعض يفضل استخدام المجال العام) ساحة مشتعلة لكل أنواع الصراعات والسجالات من أول الأحداث السياسية الكبرى، وحتى السلوك الشخصي لرجل الشارع، ومن مباراة في كرة القدم إلى ما يتابعه الناس على الهواء لحظة بلحظة فيما يسمى بـ “خطة السلام الأمريكية”، ومن مقتل قاسم سليماني إلى الفزع والرعب الذي أشاعه فيروس “كورونا” في العالم، ولا يزال.. إلخ
المهم أن هذه النوعية من المؤتمرات ذات العنوان والمعنى الواحد بتنويعات مختلفة تدور كلها حول مفردة “تجديد” (تجديد الفكر الديني، تجديد الخطاب الديني، تجديد الفكر الإسلامي، … إلخ) والتي يتم فيها اجترار ومعاودة وترديد الأفكار ذاتها تقريبًا منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، لا تزال تدور في حلقة مفرغة حول بعض المصطلحات والمفاهيم لا أكثر، دون المساس بجوهر المسألة؛ وهي التسليم والقبول بحتمية تجديد طرق الفكر والنظر في الكليات والأصول، ومسايرة الواقع ومواجهة مشكلاته، والقبول بقانون التطور والتغير، وضرورة إعادة النظر في كثيرٍ مما ورثناه من إنتاج فكري “بشري”، تم التعامل معه بمنطق القداسة والمغالاة وفرض سلطة ليست له بأي حال من الأحوال.
ولعل مساجلة الشيخ أحمد الطيب والدكتور عثمان الخشت أكبر شاهد على أزمة هذا التجديد المطلوب؛ وما جرى من وقائع وأصداء هذا السجال يؤكد أن القضية أبعد غورًا من التهليل لهذا الطرف أو ذاك أو التصفيق لمن يؤيده فريق يعتبر نفسه مناصرًا للدين، وكل ما هو ديني، في مواجهة أو معارضة من يرى أن التجديد المطلوب يصب في خدمة السياسي وليس في خدمة المجتمع والناس وتطور الوعي الجمعي؛ أو باختصار التجديد الذي لا ينطلق من دوائر التعليم والثقافة مباشرة بغرض الارتقاء العقلي والحضاري بالجملة.
«2»
دار السجال حول مفهوم التجديد والخطاب الديني وقبل الخوض في تفاصيل السجال أو نقاطه؛ فإن ثمة ملاحظات أساسية يمكن رصدها هنا في هذا السياق:
أولا: أن ارتجال رئيس جامعة القاهرة، وهو أستاذ معروف للفلسفة والفكر الفلسفي المتصل بقضايا الدين ومشكلاته؛ لم يكن بالقوة والإحكام والاتساق والتعبير الذي يليق بأستاذ جامعي كبير فضلًا على ترؤسه لأعرق جامعة حديثة في العالم العربي كله، وكان الدكتور الخشت الذي كتب خمسة مقالات نشرها تباعا في (الأهرام) على مدى خمسة أسابيع (نوفمبر وديسمبر 2019) يدعو فيها إلى الاعتناء باللغة والدفاع عنها، وضرورة الاستمساك بالنقاء التعبيري وتنميته والعمل على شيوعه، أبعد ما يكون عن تطبيق هذه الدعوى وهو يرتجل كلمته التي ربما لا نختلف على فحوى بعض أفكارها، بقدر ما نأسى على طريقة التعبير عن هذه الأفكار، والشكل الذي عبرت به عن نفسها على لسان رئيس الجامعة.
ثانيا: وفي المقابل؛ جاءت كلمة الدكتور الطيب حادة هجومية، على عكس ما عرف عن فضيلته من هدوء ووداعة وميل إلى التعبير دون تجريح أو مساس بشعور، أقول جاءت كلمة شيخ الأزهر عكس ذلك تماما، وبدت غريبة عن سياق أحاديثه وخطاباته وكلماته التي أثرت عنه طوال عقود، جاءت الكلمة حادة وقاطعة وتدافع بعنف وشراسة عن الاتجاه الأشعري المحافظ الذي بات يمثله شيخ الأزهر وبات رمزًا عليه، ورمزًا للمؤسسة الأزهرية كلها في هذا الاتجاه، وعبّر شيخ الأزهر عن هذه الأفكار التي ربما نختلف معها بخطاب لغوي مباشر ومتماسك ومعبر عن هذه الأفكار دون تلعثم أو ارتباك أو تشوش في التعبير، وكانت هذه وحدها نقطة كفيلة بترويج الدعاية “الشعبوية” على وسائل السوشيال ميديا لانتصار شيخ الأزهر على مُساجِله.
ثالثا: فات الطرفان المتساجلان أن يحددا بدقة مفهوم “الخطاب الديني” في ثنايا التعرض للحديث عنه، وبالتالي كان من الضروري الاتفاق على تحرير المصطلح والانطلاق من أرضية مشتركة لإدارة حوار معرفي منتج وليس سجالاً صراعيًا خطابيا غرضه قضاء أحد الأطراف على الآخر بالقاضية كما يقولون في المنافسات الرياضية.
رابعا: وأما الخطاب الديني، في أبسط وأوضح مفهوماته التي لا لبس فيها، فهو حديث البشر عن الدين،‮ ‬أي أنه خطاب بشري‮ ‬يستمد نسبيته من قائليه الذين‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصيبوا وأن‮ ‬يخطئوا في فهم نصوص الدين، والاجتهاد في استنباط معانيها أو تأويلها التي لا تخرج عن حدود أفهامهم من ناحية، وارتباط طرائق الفهم والتأويل والتفسير، حسبما‮ ‬يتصورونه صالح الجماعة الإسلامية، وصحيح الدين في الوقت نفسه، وذلك من منطلق مصالح بشرية، وأهداف عملية في النهاية، هذه الأهداف والمصالح توجه عمليات الفهم والتفسير والتأويل..
ولولا ذلك التعدد والتباين والتغاير في الفهم والأفهام ما اختلف المسلمون، ولا تعددت الفرق والطوائف والمذاهب الإسلامية، رغم أن منبع الإسلام واحد ومصدره واحد وقيمه الإنسانية الكبرى التي يدعو إليها، ولكن شاء الله أن‮ ‬يختلف البشر في الفهم والتأويل والتفسير، وأحيانًا‮ ‬يكون الاختلاف رحمة، ولكنه‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون نقمة إذا تسربت إليه جراثيم التعصب والتطرف، مقترنة بشيوع طبائع الاستبداد؛ معرفيًا وسياسيًا واجتماعيًا.
خامسا: أن أول ما‮ ‬يلحظه المراقب لوضع الخطاب الديني في مصر، من منظور تحليل الخطاب، هو الصراع بين اتجاهاته،‮ ‬وأن السائد من هذا الخطاب‮ ‬يتسم بالجمود والبعد عن التسامح والعقلانية،‮ ‬وغلبة التقليد على الاجتهاد، وانتشار التعصب المقترن بالعنف المادي والمعنوي،‮ ‬فضلا عن شيوع وهم احتكار المعرفة الدينية بين أكثر الفرق الدينية المتصارعة، وأخيرًا عن شيوع داء التكفير ولوازمه، في موازة صعود ثقافة التمييز الديني التي تهدد بأخطر ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصيب الأمة ويشق وحدتها التي لا تزال قائمة، رغم كل ما‮ ‬يهددها.
ولعل هذه الملاحظات المكثفة تكون مدخلا لقراءة وتحليل أزمة التجديد والتحديث والبحث عن مسار للنهضة الحديثة تتجاوز إخفاقات القرنين الماضيين، وتنبني على رؤية كلية وشاملة وتحديد دقيق للمفاهيم وتجاوز الخطوط والأطر التي يستميت المحافظون والتقليديون في التشديد عليها والتذرع بها والدفاع عنها بشراسة لإعاقة أي تطور أو أي تجديد مطلوب وعلى أي مستوى.
«3»
في هذا السياق، فإن إضاءة على مفهوم “التنوير” أيضا وارتباطه بالعقل والعقلانية في التراث الإسلامي، وصلة ذلك كله بمكانة العقل في الإسلام؛ ومقامه، يمثل ضرورة معرفية قبل البدء في بحث موضوع التجديد وإشكالاته ولوازمه.. إلخ
مفهوم «التنوير»، كما عرفه الفيلسوف كانط؛ هو «استخدام العقل الذي له الأولوية المطلقة في إدراك الأشياء، ومعرفة العالم وما وراء العالم».. وقد نبه الفيلسوف كانط إلى أهمية أن نستخدم عقولنا في شجاعة، فذلك هو «التنوير» بمعناه الحقيقي.. ولا يعني «التنوير»، في هذا السياق، مجرد التعريف البسيط الذي وضعه أستاذ الفلسفة المعروف الدكتور مراد وهبة، وهو: «التفكير في النسبي بالنسبي»، فالتنوير في حقيقة الأمر هو أكثر وأشمل من ذلك؛ لأنه ببساطة يتعدى هذه الحدود المغلقة إلى ما هو أوسع وأرحب، وما يشمل الكون كله.. ولا يقتصر على الحدود الدنيا التي يفكر بها الدكتور مراد وهبة.
صحيح أن التفكير الإنساني كله تفكير نسبي، ولولا هذه النسبية ما تقدم الفكر الإنساني عن طريق الانقطاعات المعرفية التي تنقل البشرية من حال حضاري أدنى إلى حال حضاري أكثر تطورًا وتقدمًا.. ولذلك يظل تعريف الفيلسوف كانط للتنوير بأنه «استخدام العقل في شجاعة»، هو أفضل تعريف ممكن ونسبي إلى الآن.
والحق أن المعركة الفكرية الكبرى في تراثنا منذ سقوط الدولة الإسلامية العربية في بغداد سنة 1258م، هي نهاية زمن التنوير أو عصر التنوير في حضارتنا العربية الإسلامية.. وقد حاولنا أن نستعيد «استخدام العقل في شجاعة» مع مطلع النهضة الحديثة إلى أن وصل فكر التنوير إلى بداية ذروته الأولى في العصر الحديث مع أفكار جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، الإمام الأزهري الثائر على تقاليد الأزهر وجموده، في ذلك الوقت، وصولاً إلى أزهري مستنير معاصر؛ هو الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، وأستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي، تشهد أعماله ومؤلفاته وآراؤه بأنه ابن بار من أبناء المدرسة الإصلاحية التجديدية الأزهرية التي قدر لها أن يخفت صوتها في مواجهة التيار المحافظ.
يؤكد الدكتور زقزوق أن حرص الإسلام على ممارسة العقل لكل وظائفه التي أرادها الله،‮ ‬كان هو السبب وراء الحرص على إزالة كل العوائق التي تعوق العقل عن ممارسة نشاطاته، ومن أجل ذلك رفض الإسلام التبعية الفكرية والتقليد الأعمى،‮ ‬وقضى على الدجل والشعوذة والاعتقاد في الخرافات والأوهام وأبطل الكهانة، كما ركز الإسلام على المسئولية الفردية،‮ ‬وحرر الفرد من أي سلطة دينية أو دنيوية»، ولعله في هذا يؤكد أيضا على الميراث العقلاني المستنير الذي ورثه من الشيخ الإمام محمد عبده.
(راجع: الدكتور محمود زقزوق «هوامش على أزمة الفكر الإسلامي المعاصر»، ص 12.‬
وكان الإمام محمد عبده يضع في اعتباره أنه يعيد تأويل الدين الإسلامي، أو يجدد للأمة دينها في تيارٍ بدأ من الشيخ حسن العطار (1766 ــ 1835م) شيخ الأزهر، مرورًا برفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وذلك في سلسلة لم تنته إلى اليوم، ولا يزال المفكر الأزهري الدكتور زقزوق يواصل الميراث العقلاني في الفلسفة الإسلامية، ويواصل استخدام المبدأ الكانطي الذي يصر على ضرورة «استخدام العقل في شجاعة»، ولذلك جعل الإمام محمد عبده من الإسلام دينًا للعلم والمدنية، إذا ما استخدمنا عنوان كتابه/ الوثيقة «الإسلام بين العلم والمدنية»، وفيه أقام تأويله للإسلام على خمسة مبادئ أو أصول كبرى؛ هي:
أولاها؛ ضرورة استخدام العقل، أو الانطلاق من مبدأ النظر العقلي لتحصيل الإيمان، وذكر في معرض تدليله على مكانة هذا الأصل العظيم قول بعض أهل السنة من أن “من استقصى جهده في الوصول إلى الحق، ولم يتوقف ومات قبل أن يصل فهو ناجٍ”.
وثانيها؛ تقديم العقل على النص في حالة التعارض أو “‬تقديم العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض”، وثالثها تحريم التكفير عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما»، ورابعها الاعتبار بسنن الله في الخلق وبما ينفي أي تعارض بين الإسلام كدين سماوي موحى به من رب العالمين إلى خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم وبين السنن الكونية والعلمية وبذلك يدرأ التعارض بين الدين والعلم الذي تسبب فيه جهل وتخلف بعض أبناء هذا الدين بما أشاعوه من ضيق أفق وانعزال عن المعرفة وتسييد للخرافة والدجل بدعاوى دينية أو تفسيرات جاهلة متعسفة ما أنزل الله بها من سلطان.. وختم الإمام محمد عبده هذه المبادئ بتأكيد أنه “لا سلطة دينية في الإسلام” أو بنصه “قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها”.
وهذه المبادئ التي ذكرها الإمام الجليل محمد عبده في كتابه «العلم والمدنية»، تعد بالتأكيد، نقطة انطلاق معاصرة في تأصيل فكر إسلامي معاصر للتنوير والتقدم وإزالة شبهات التعارض بين الإسلام كدين سماوي وبين التقدم والمدنية والحضارة والعلم وارتقاء الأمم والشعوب.
(وللحديث بقية)…