مصر تنتصر

المنيا تنتظر عودة «رأس الجميلة»

66

مازلنا فى محافظة المنيا – استكمالاً للأسبوع الماضى – ضمن برنامج أعرف بلدك، وقد لا تكون المنيا فى شهرة الأقصر، ولا فى جمال أسوان.. وهما يُشكّلان معا «كنزًا» أثريًا ومقصدًا سياحيًا، ولكن المنيا تتميز بالتنوع الأثرى والسياحى، وعلى الرغم من كثرة ما تم اكتشافه من آثار تمثل الحقبات التاريخية المختلفة، إلا أن جبالها ووديانها مازالت «حُبلى» بالألوف من القطع الأثرية التى تبحث عمن يستخرجها من مقابرها.
وأعتقد أن المنيا كانت – ومازالت – من أكثر المناطق الأثرية والسياحية نسيانًا أو إهمالاً، منذ أن حاول «كهنة آمون» طمس معالمها نكاية فى أختاتون الذى حاول توحيد العقيدة الدينية للمصرى القديم! ويكفى أن تعلم أنها بلد الجميلة «نفرتيتى» زوجة أخناتون، والتى مازالت رأسها المُهرّبة تقبع وحيدة فى المتحف الألمانى بمدينة برلين.
وقد خرجت هذه الرأس الجميلة (التمثال) بحيلة ساذجة، حيث كان المتبع وقتها مع البعثات الأثرية التى تحاول استكشاف الآثار المصرية القديمة فى المناطق المختلفة، تحت مسمى «بعثات حفرية» أى أنها بعثة علمية تقوم بالحفر فى منطقة معينة، وعندما كانت تجد آثار.. كان العُرف السائد أن يتم اقتسامها بين بلد البعثة وبين مصر، وعندما وجدت الرأس فى أحد مقابر الكهنة فى منطقة تل العمارنة.. نسخت منها مقلدة، ووضعوا على الأصلية كمية من الجبس والأسمنت الأبيض بحيث أنها بدت «مشوهة» تمامًا، ولا تعلم حتى الآن إذا كان المندوب المصرى الذى استلم النسخة السليمة من الرأس – غير الأصلية – كان مهملاً أم جاهلاً أم متعمدًا!!
والنتيجة أن الرأس الجميلة مازالت قابعة فى المتحف الألمانى.. ويرفض إعادتها لمصر على الرغم من كثرة المطالبات الرسمية والدبلوماسية الودية لاسترجاعها، ولكن أحفادها فى المنيا مازالوا فى انتظار عودتها بعد أن اتخذوا «الرأس» شعارًا لمحافظتهم، فضلا عن انتشار المسلات والأعمدة المنتهية بزهرة اللوتس كطراز معمارى فى أغلب المنشآت العامة بالمحافظة وعلى رأسها الاستاد ومبنى المحافظة ومنطقة الكورنيش، والحكاية تعود إلى أن أمنحتب الرابع (أختاتون) كان كثير التأمل فى الكون وكان لديه اعتقاد أن هناك «قوى خفية» تتحكم فيه، وهو ما أطلق عليه «عقيدة التوحيد» أى هناك «إله واحد» واتخذ قرص الشمس بشعاعه الذى ينشر الخير على رعاياه رمزًا للمعبود الجديد.
وبحث أخناتون عن منطقة جديدة بكر لم تشهد عبادة لآلهة سابقون لتكون عاصمة لدولته ولممارسة العبادة للعقيدة الجديدة، فاختار منطقة «تل العمارنة» وبنى فيها قصرين للحكم، أحدهما شتوى والآخر صيفى، وبدأ فى إعداد المقابر الملكية ومقابر النبلاء (أركان حكمه).. حيث تم إنشاء 25 مقبرة أغلبها لم يكتمل – لقصر فترة حُكم أخناتون – والتى لم تزد عن عشرون عاما ولكن الملك الموحد حاول تحديد مدينته الجديدة بأربعة عشر لوحة عرفت بـ «لوحات الحدود» لم يبق منها سوى أربعة أحدهما فى تل العمارنة والأخرى فى منطقة تونة الجبل!.. الطريف أن بعد وفاة أخناتون عاد مقر الحكم إلى طيبه (الأقصر) وجاء كهنتها إلى تل العمارنة وحاولوا طمس أغلب الكتابات والآثار التى حفرت لتخليد أخناتون وأركان حكمه!
ومن تل العمارنة التى نسبت إلى قبيلة بنى عمران العربية إلى منطقة تونه الجبل بمركز ملوى أيضا حيث تختلط الحقائق بالأساطير، فهناك فيلا عميد الأدب العربى طه حسين – ابن المنيا- والذى كتب فيها روايته الشهيرة دعاء الكروان، وقد نصحه بالإقامة فى هذا المكان الصحى، عديله عالم الآثار د. سامى جبره الذى كان له دورًا كبيرًا فى اكتشاف آثارها، وكان يرأس بعثة قسم الآثار بكلية آداب القاهرة.. وذلك قبل أن يتحول القسم إلى كلية.
وتضم المنطقة أيضا مقبرة الفتاة شهيدة الحب العذرى «إيزادورا» والذى حاول والدها تزويجها إلى أحد قواد جيشه ولكنها كانت تحب شخصا آخر، فانتحرت غرقا فى نهر النيل، ثم انتشلت جثتها ودفنت فى مقبرة تعد من علامات المنطقة، كما حظيت بأشهر المرثيات الشعرية فى التاريخ.
المهم أن المنطقة مازالت عائمة على بحر من سراديب الآثار بعضها تم الكشف عنه والبعض الآخر ينتظر!، وقد عثر بالمنطقة على إحدى لوحات الحدود لأخناتون، حيث تظهر اللوحة الملك وزوجته (نفرتيتى) وبناتهم يتعبدون للمعبود (آتون) وأسفلها تماثيل مجسمة للأب والأم وبناتهما.
وتوجد بالمنطقة أيضا أجمل المقابر التى يمكن أن تراها حيث جمعت فى عمارتها بين الفنين المصرى واليونانى، وهى خاصة بالكاهن بيوتوزيس، ويقال إنه الكاهن الأول للمعبود «حجوتى».. وتتميز المقبرة بجمال رسومها التى تشمل الحياة اليومية للمصرى القديم وخاصة أنشطة الزراعة والحصاد، والرعى وعصر العنب، وبعض الصناعات الحرفية.
ومن تونة الجبل إلى منطقة الأشمونين، وقد اشتق اسمها من «خمنوا» أى رقم ثمانية، حيث كان كهنتها يعتقدون أن الكون خلق من ثمانية آلهة، وبمرور السنوات حرفت الكلمة إلى «شمون» وفى العربية إلى الأشمونيين، ولم تأخذ حقها من الاهتمام قديمًا لأنها كانت خاصة بعبادة إله الحكمة والمعرفة بمصر القديمة والذى عرف بإسم الإله «جحوتى» ونحتت له تماثيل بهيئة قردبابونى.
ومن ملوى إلى مقابر بنى حسن، وهى منطقة تقع شرق النيل، وتضم العديد من المقابر لحكام المقاطعات فى الأسرات الـ 11 و12، وهى ترتفع عن سطح الأرض بأكثر من 25 مترا، والجزء العلوى منها خاصة النبلاء، بينما ضم الجزء السفلى مقابر العمال، وبنى حسن الذين سميت المنطقة بإسمهم كانوا قبيلة عربية استقرت بالمنطقة ومازالت آثارهم باقية ولكنها بالطوب اللبنى.
ثم انتقلنا إلى مركز بنى مزار حيث كنيسة العذراء والمغارة التى اختبأت فيها العائلة المقدسة لعدة أيام أثناء رحلة القدوم والعودة من وإلى القدس، وهى تقع على صخرة مرتفعة تسمى جبل الطير حيث تستقر بها طيور «البوقيرس» فى رحلتها من أوروبا للمناطق الدافئة بالبحر الأحمر، كما أطلق عليها أيضا جبل الكف، حيث دفع المسيح صخرة بكفه ومنعها من السقوط على العائلة، ويقال إن الكف «علَّم» على الصخر والمحفوظة بالمتحف البريطانى.
وبالطبع كان لابد من زيارة قرية البهنسا حيث مقابر البدريين، أى الذين حضروا مع الرسول غزوة بدر، ثم استشهدوا فى تلك المنطقة أثناء فتح عمر بن العاص لمصر، وتلك المقابر يطلق عليها «البقيع المصرى» أسوة بالبقيع الموجودة بالمدينة المنورة، والمقابر تضم رفاة أكثر من 77 صحابى وتابع، منهم ابن عم الرسول زياد بن الحارث والذى كان قائدا للجيش وقتها، والحسن الصالح بن على زين العابدين، والقعقاع بن عمر التميمى، ومحمد بن عبد الرحمن حفيد أبو بكر الصديق، وأبناء وأحفاد جعفر بن أبى طالب وغيرهم، والقرية بها أكثر من خمسة آلاف مقبرة لشهداء المسلمين وغيرهم من المحدثين الذين يفضلون الدفن فيها، كما أنها مقصدًا سياحيًا لرعايا الدول الإسلامية بشرق آسيا ويقام فيها العديد من الاحتفالات الدينية على فترات مختلفة، وقريبا منها تقع مقابر السبع بنات، وهن سبع أخوات قبطيات التحقن بجيش المسلمين الذى فتح المنطقة بعد التغلب على الحامية الرومانية المقيمة بها، وكن يرتدين ثياب الجنود الرجال، ولكن تمكن الرومان من معرفة حقيقتهن واغتيالهن فأقام الأهالى مقابر خاصة بكل منهن.. وأصبحت مقصدًا سياحيًا وأثريًا، خاصة بعدما أشيع عنهن من «بركات» للراغبات فى الحمل أو الشفاء من الأمراض.

مرة أخرى.. المنيا غنية بالآثار والمقاصد السياحية وخاصة سياحة السفارى والمجتمعات، وتحتاج للرعاية والاهتمام، وشكر واجب لمفتشى آثار منطقــة ملـوى وتل العمارنـة، فرج الجهمى ود. أحمد مصطفى.