رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

للعنصرية وجوه كثيرة

54

 

أرجوك دعنى أتنفس.. قالها الأمريكان جورج فلويد متوسلاً لرجل الشرطة الذى كان يضغط على عنقه لكن هيهات أن يستجيب، ففاضت روحه لكن كلماته هزت أمريكا والعالم كله، وضربت موجة غضب ضد العنصرية وعنف الشرطة المفرط المدن الأمريكية، وأرسل الرئيس ترامب آلاف الجنود لتفريق المتظاهرين، وتواصلت التظاهرات احتجاجًا على مقتل المواطن الأمريكى من أصل أفريقى على يد رجال الشرطة، وامتدت موجة الغضب لعواصم أوروبية، فمن لندن إلى باريس وألمانيا وبولندا حتى تونس وسيدنى، رفع المتظاهرون شعارات “حياة السود مهمة” و”لا أستطيع التنفس”.
ويبقى لون البشرة من أكثر أنواع العنصرية انتشارًا، ويعانى منه أصحاب البشرة السمراء فى الولايات المتحدة الأمريكية، فيتعرضون لكثير من الممارسات التمييزية فى معظم الأماكن التى يتواجدون بها، كالاضطهاد والتعامل بدونية، مع إظهار مشاعر الكُره والعدوانية، مما يصعب على الآخرين التعايش بشكل طبيعى، فيحملون فى نفوسهم الحقد والغل والغضب للأفراد الذين يتعاملون معهم بعنصرية.
وعندما يضرب الداء البغيض مجتمع ما يصيبه بالتفكك، وتسود مشاعر الكراهية بين أفراده، ويعم الخوف والقلق والتوتر وعدم الاستقرار، وللعنصرية وجوه كثيرة وأحداث تاريخية ومعاصرة فى أمريكا وأوروبا وغيرها من البلاد التى لا تخلو من سلوكيات التعالى والتنمر والقسوة المفرطة.

وتعنى العنصرية التفرقة والتمييز فى المعاملة بين الناس على أساس من الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو حتى المستوى الاجتماعى والطبقى، وهى متجذرة فى البشرية منذ القدم، فهناك موروثات ثقافية تبرهن على وجود نماذج صارخة للعنصرية أبرز مظاهرها عبر العصور تجارة الرقيق.
وقد قسمت الحضارة اليونانية الناس إلى أشراف وبربر وكذلك فعلت الحضارة الرومانية، وهناك الاعتقاد اليهودى بأنهم شعب الله المختار، وغيرهم أمميون لا قيمة لهم ولا حق لهم حتى فى الحياة، تلك العنصرية التى تفرق بين البشر وترتب على هذه التفرقة حقوقًا ومزايا لا تنبع من البشرة بل من العقل، وللتوصل إلى حل لمظاهر التمييز وعدم المساواة ينبغى علاج تلك الأوهام العقلية التى أفرزت مفاهيم خاطئة عبر آلاف السنين عن تفوق جنس على آخر من الأجناس البشرية.
والحقيقة أنه لا يوجد سوى جنس بشرى واحد، فنحن أسرة بشرية تسكن كوكب واحد وترتبط بمصير مشترك والاعتراف بهذه الحقيقة هو العلاج الأمثل لمرض العنصرية وسائر مظاهر التفرقة.
وعلى الحكومات أن تحاول تضييق دائرة الخلافات بين شرائح المجتمع المتعددة من خلال تطبيق مبادئ العدل والمساواة، وفرض عقوبات على من يمارس مظاهر للعنصرية بين شرائح المجتمع وأفراده.
وتعتبر الأسرة النواة الأولى للمجتمع فيتوجب عليها زرع أفضل القيم فى نفوس أبنائها، وتربيتهم على حب الآخرين ونبذ التفاخر والاستعلاء، ورفض العنف بجميع أشكاله، وللإعلام دور كبير فى التأثير فى المجتمع وعلينا أن نحرص أن يكون هذا الدور إيجابيًا فى نبذ التمييز، وتسليط الضوء على الآثار السلبية للعنصرية على المجتمع.
ويجب على جميع العاملين فى المؤسسات التعليمية التركيز على زرع الأفكار الصحيحة فى عقول ونفوس الطلاب وتوعية الأجيال وتوجيههم لنبذ العنصرية ورفضها تمامًا، كما يجب أن يركز رجال الدين فى خطابهم الدينى على خطورة هذا الداء وأضراره، مع توضيح أن الدين يرفض تمامًا العنصرية، وتوضيح أثرها السلبى على المجتمع.

ومن ينظر للإسلام بحيادية يتأكد له أنه دين لا يعرف العنصرية، بل هو دين يدعو للتعايش مع كل الناس وشتى الأمم على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم، فقد خلق الله البشر جميعًا سواسية كأسنان المشط، فلا فرق بين أبيض وأسود أو ذكر أو أنثى أو بين عربى وأعجمى إلا بالتقوى.
ونهى الله عن السخرية من الآخرين فى قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ”.
وقوله تعالى: ” لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”، وأول شىء فعله النبى صلى الله عليه وسلم لإنشاء مجتمع قوى كان إصلاح ذات البين، والشىء الثانى كان إرساء المساواة بين المسلمين دون استثناء.
ويقول رسول الله: “فلا فضل لعربى على أعجمى ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى”.

ورغم تطور الحضارة الإنسانية إلا أننا كلنا عنصريون بنسب متفاوتة، فالعنصرية دائرة مستمرة بوجود الخير والشر والقوة والضعف، والقضاء عليها صعب للغاية، ولكن من الممكن السيطرة عليها وتقليل أثرها السلبى على المجتمع، ومن يرفض العنصرية حقا، عليه أن يراقب نفسه وسلوكه ويحاسب نفسه باستمرار ويصحح مسارها قدر المستطاع.
عنوان جانبى:
لا يوجد سوى جنس بشرى واحد فنحن أسرة بشرية تسكن كوكب واحد وترتبط بمصير مشترك والاعتراف بهذه الحقيقة هو العلاج الأمثل لمرض العنصرية