رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

لماذا ليبيا وإثيوبيا الآن؟ (2)

320

مع اقتراب الاحتفال بالعيد السابع لثورة الشعب المصري، ثورة 30 يونيو 2013 التي أحبطت مخطط تقسيم المنطقة، تزداد الحرب ضد الدولة المصرية، وتحاول قوى الشر الظهور في المشهد، ولو بترديد الشائعات والأكاذيب.
لم يخطر ببال صاحب فكرة (مخطط) تقسيم المنطقة ظهور أية مؤشرات أو أحداث قد تنذر بتغير المشهد الذي تم الدفع بالدولة المصرية فيه، أو أن يعيد الشعب، تحت حماية قواته المسلحة، بوصلة الوطن في الاتجاه الصحيح بعد عام واحد من حكم جماعة الإخوان الإرهابية، التي طالما رددت بعد الحصول على تطمينات دولية بأنهم سيحكمون مصر 500 عام حسبما قالوا للفريق أول عبدالفتاح السيسي عندما كان وزيرًا للدفاع.
أربكت ثورة الشعب المصري وحماية القوات المسلحة إرادة الشعب حساباتهم جميعًا (الإخوان، إسرائيل، تركيا، قطر، وبعض الدول التي كانت تراهن على اختطاف الجماعة الإرهابية لمصر) ومن ثم سهولة تنفيذ المخطط.

استكمل معكم ما بدأت فى العدد الماضى: لماذا ليبيا وأثيوبيا الآن؟ وكيف تم الإعداد والتجهيز لتلك المرحلة؟
قد يتساءل البعض، هل كانت تلك القوى الداعمة للتنظيم الإرهابى، والتى تستهدف تدمير المنطقة تتوقع ما يحدث الآن؟
أجيبكم على ذلك بكلمات ثعلب السياسية الأمريكية «هنرى كسينجر» الذى قال خلال ندوة بجامعة جورجتاون «إذا لم تضع لكل معركة أكثر من 6 بدائل، تواجه بها المتغيرات التى قد تدفع بها الإحداث إلى السطح، فعليك أن تتوقف عن التخطيط وتبحث لك عن وظيفة أخرى». وهذا ما قام به صاحب مشروع تقسيم المنطقة من جديد.
لم تكن عملية إعادة عبد الحكيم بلحاج (أبوعبدالله الصادق) تستهدف تنازل ليبيا عن برنامجها النووي، لكن كانت ثمة مصالح وأهداف أخرى من العملية تمثلت فى ضرورة إعادة قيادات الإرهاب ومنهم بلحاج والسعدى إلى ليبيا مع ضمانات من القذافى ألا يتم صدور أحكام عليهم بالإعدام، لأن الهدف الحقيقى من إعادتها إلى ليبيا ليس لإرضاء الرئيس القذافى بل لتصبح تلك العناصر القوة الضاربة حال اكتمال المخطط الذى بدأت ثماره فى النضوج، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدنى فى عدد من دول المنطقة بما فيها مصر.

(1)

بدأت العملية بوضع خطة مشتركة بين عناصر المخابرات الأمريكية والبريطانية وتعاون الاستخبارات الماليزية، ويقتصر دور المخابرات الليبية على استلام العناصر التى ضمت «عبد الحكيم بلحاج وزوجته فاطمة بوشار وسامى السعدى».
كان بلحاج ينوى السفر من ماليزيا إلى السودان، لكنه غير وجهته إلى بكين، وقبل الخروج من ماليزيا بدأت عملية تنفيذ العنصر المهم، بحسب وصف المخابرات البريطانية.
(فر بلحاج من أفغانستان، وتزوج من فاطمة بوشار فى عام 2003، واستقر أولًا فى ماليزيا قبل مغادرتهم إلى بكين).
فى أوائل عام 2004، بعد فترة وجيزة من حمل فاطمة، علموا أن السلطات الصينية تخضعهم للمراقبة، وقرروا أن عليهم طلب اللجوء للمملكة المتحدة، وفى 21 فبراير 2004، احتُجزوا فى مطار بكين، لمدة يومين قبل ترحيلهم إلى ماليزيا.
قدمته المخابرات البريطانية للسلطات الماليزية على أنه لاجئ عراقى يرغب فى المطالبة بوضع اللاجئ، وذلك خوفًا من ترحيله إلى ليبيا مباشرة وكشف العملية لدى وصولهم كوالالمبور؛ تم احتجاز الزوجين بعد ذلك واستجوابهما فى كوالالمبور لمدة أسبوع.
رتبت أجهزة المخابرات الثلاث البريطانية والأمريكية والليبية لإعادة بلحاج وبوشار إلى ليبيا فى 1 مارس بعد أسبوع من إرسالهما إلى ماليزيا.
أرسلت المخابرات البريطانية «MI6» رسالة عبر الفاكس إلى مكتب الصادق كريمة، رئيس إدارة العلاقات الدولية الليبية، لإبلاغه باعتقال بلحاج.
كان الأمريكيون أيضًا على دراية تامة بمكان وجود بلحاج، الذى ربما يميل إليه البريطانيون، ورتبوا لإعادته مع بوشار إلى ليبيا.
فى 4 مارس، أرسلت وكالة المخابرات المركزية مذكرتين إلى أجهزة الأمن الليبية، اشتملت المذكرة الأولى على طلب عاجل فيما يتعلق بتسليم «عبد الله الصادق» من ماليزيا، ذكر أن الأمريكيين «يعملون بنشاط مع الحكومة الماليزية لتنفيذ تسليم عبد الله الصادق من ماليزيا».
قالت المخابرات الليبية فى مذكرة قدمتها لنظيرتها البريطانية «بمجرد أن يكون لدينا «صادق» فى الحجز، سنكون سعداء للغاية لتلبية متطلبات استخلاص المعلومات الخاصة بك وسنشارك المعلومات معكم».
نُقل بلحاج وزوجته عبر بانكوك على متن طائرة بوينج 737 المملوكة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، على الرحلة رقم N313P.
التقطت الطائرة المعتقلين من بانكوك وغادرت فى الساعة 23:30 بتوقيت جرينتش، ثم أقلعت إلى جزيرة دييغو غارسيا البريطانية، وهبطت بعد أربع ساعات للتزود بالوقود حيث تم تزويدها بـ 10,000 جالون من الوقود، قبل أن تغادر مرة أخرى فى الساعة 05:30 بتوقيت جرينتش وتهبط فى طرابلس بعد 11 ساعة.
لم تكن عملية نقل بلحاج تستهدف مصلحة القذافى ونظامه، لكنها كانت مجرد مرحلة استعدادًا لعملية أكثر خطورة تم التجهيز لها بعد الدفع بشركاء تدمير المنطقة من جماعة الإخوان الإرهابية وحلفاؤها.
وصل عبد الحكيم بلحاج إلى ليبيا وتم اعتقاله فى سجن «أبو سليم» لمدة 6 سنوات، بينما اُعتقلت زوجته لمدة ثلاثة أشهر فقط.
تم الإفراج عن عبد الحكيم بلحاج أو عبدالله الصادق، كما يطلق عليه، عام 2010 بمباركة أمريكية قطرية ومعاونة «على الصلابى» زعيم جماعة الإخوان بليبيا والذى أطلق ما عُرف بالمراجعات الفكرية بوساطة قطرية.

(2)

سقط القذافى فى الفخ، الذى كان يستهدف نظامه من حيث لا يدري، كما تم التخطيط لتحويل الجبهة الغربية المصرية إلى نقطة ساخنة وقت الحاجة لذلك.
لم يكن اختيار عبد الحكيم بلحاج لتلك المهمة من قبيل الصدفة، بل لأنه أكثر دراية بطبيعة المنطقة الشرقية، كما أن الجماعة الإرهابية (الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة) التى أسسها عام 1995 كانت قد نفذت أول عملية لها فى مدينة درنة (شرق ليبيا) عندما قامت مجموعة إرهابية بذبح 14 طالبًا فى كلية الشرطة أثناء التدريبات الصباحية فى مرتفعات درنة.
لم يُعلَن فى البداية سبب اختيار المخابرات الامريكية والبريطانية معاونة القذافى فى تلك المهمة، كما لم يُعلن سبب تدخل القرضاوى وقطر لإتمام المراجعات الفكرية، فكان الهدف الظاهرى هو دعم القذافى ولكن الحقيقة هو إعداد عبد الحكيم بلحاج لمهمة إشعال الحدود الغربية المصرية باستقدام العناصر الإرهابية إلى ليبيا، وتحويلها إلى نقطة ملتهبة على الاتجاه الغربى المصري.
عقب الإفراج عن بلحاج فى 2010 سافر إلى قطر وبعدها إلى تركيا ولندن وتم دراسة خطة التحرك والتعليمات، حيث كانت المنطقة حبلى بالأحداث التى تنتظرها فى 2011.

(3)

عقب قيام الثورة الليبية فى 2011 أسرعت قطر لتقديم بلحاج رئيسًا للمجلس العسكرى الليبى فى طرابلس، حيث قدمته على أنه محرر طرابلس من العناصر التابعة للقذافى، ليسيطر عبد الحكيم بلحاج والعناصر الإرهابية التابعة لجماعة الإخوان والجماعة الإسلامية المقاتلة على طرابلس.
بعد سيطرته المزعومة على طرابلس، وضع بلحاج يده على عدد من المصارف الحكومية الليبية، وكذلك على مبالغ مالية ضخمة كانت موجودة فى مقر القذافى بباب العزيزية، ما جعله يتحول إلى صاحب مليارات من الدولارات.
قدمته الدوحة لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون فى ذلك الوقت ليصبح رجل أمريكا فى تلك المنطقة، وفى ديسمبر عام 2011 سافر بلحاج ومجموعة معه إلى تركيا ليتفق مع قيادات فى الحكومة التركية على إرسال مسلحين وأسلحة من ليبيا إلى تركيا للمشاركة فى المعارك ضد نظام الأسد.
سافر بلحاج إلى تركيا لينتقل منها إلى سوريا للقاء قادة الجيش السورى الحر، ومعاونتهم فى العمليات بالسلاح والمتطوعين والاستعداد لتأسيس «الجيش المصرى الحر» عقب عودته إلى ليبيا ليكون على الحدود الغربية المصرية، وينتظر ساعة الصفر لتحريك عناصره عندما تقرر جماعة الإخوان فى مصر ذلك.
خرج بلحاج من ليبيا بموافقة رئيس المجلس الوطنى الانتقالى فى ليبيا مصطفى عبد الجليل.
تسربت خيوط العملية السرية عقب قيام قائد لواء ليبى منافس باحتجاز بلحاج فى مطار طرابلس أثناء توجهه إلى تركيا، واتهمه باستخدام جواز سفر مزيف وهدد بسجنه، قبل أن يتدخل رئيس المجلس الوطنى الانتقالى ويطلب السماح له بمغادرة البلاد.
ظل بلحاج ينتقل بين ثلاث دول، تركيا وقطر وبريطانيا، خلال الفترة من 2011 وحتى 2014، حيث كان ينقل المسلحين من التنظيمات التكفيرية من وإلى سوريا حتى أصبح ذراع أنقرة والدوحة فى المنطقة، ومسئول نقل العناصر الإرهابية إلى سوريا وليبيا بالتعاون مع المخابرات التركية والقطرية.

(4)

عقب ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر، تم توجيه تكليف لعبد الحكيم بلحاج من جانب الدوحة وأنقرة بضرورة تسخين المحور الاستراتيجى الغربى المصرى للضغط على الجيش المصرى، كما تم الدفع تقديم بعناصر إخوانية مسلحة لإشعال أكثر من جبهة.
فى ديسمبر 2014 أسس بلحاج شركة الطيران «الأجنحة الليبية» ومنحته حكومة «عمر الحاسى» الإخوانية ترخيصًا من مصلحة الطيران المدنى الليبية لتشغيل الشركة، بعد أن أقرضته قطر عن طريق سفيرها فى طرابلس مبلغ 750 مليون يورو (كان القرض بهدف التغطية على عمليات السرقة والنهب التى قام بها)، لتصبح شركة طيران “الأجنحة الليبية” الناقل الرسمى للعناصر التكفيرية إلى ليبيا، بعد أن ظل على مدى عام كامل ينقل أسلحة الناتو من ليبيا إلى سوريا لدعم الميلشيات فى مواجهة نظام الأسد لهدم الدولة السورية.
كشفت إذاعة فرنسا الدولية «إر إف إيه» فى الأول من يناير الماضى أن شركة الخطوط الجوية الليبية «Afriqiyah Airlines» وشركة طيران «الأجنحة الليبية» التى يملكها بلحاج قامتا بنقل مقاتلين من تركيا إلى طرابلس بهدف مد يد العون للميليشيات التابعة لحكومة فايز السراج، موضحة أنه فى الفترة ما بين ٢٧ و٢٩ ديسمبر ٢٠١٩ هبطت أربع طائرات فى مطار «معيتيقة» بطرابلس تحمل مقاتلين سوريين من الألوية الموالية لأنقرة، وكانت رحلات الطيران غير مسجلة.
استطاع بلحاج أن يسيطر على مفاصل العاصمة طرابلس وبعض المدن الأخرى عن طريق الميليشيات المدعومة من قطر ومنها تنظيم أنصار الشريعة.

نواصل في العدد القادم بيان كيف استخدم بلحاج الميلشيات والعناصر الإرهابية للاستيلاء على النفط الليبي ومحاولات اختراق الحدود الغربية المصرية، وتفاصيل تحويل «درنة» إلى أكبر معسكر لتدريب العناصر الإرهابية.