رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

الحرب الدائرة في المنطقة

761

في السادسة وثمان دقائق بتوقيت بيروت، وبعد مرور 66 عامًا، وعلى مسافة بلغت 8,510 كيلو متر بين المدينتين «هيروشيما – بيروت»؛ لم يكن أحد يتوقع أن يشاهد بعينيه ما يشبه ما حدث في 6 أغسطس عام 1945 عندما أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتها المعروفة بـ«الولد الصغير»، على مدينة «هيروشيما» اليابانية.
بقوة انفجارية بلغت 5 أضعاف قوة القنبلة الأمريكية كان انفجار المستودع رقم 12 في ميناء بيروت والذي كان يحوي 2750 طنًا من «نترات الأمونيوم»، تلك المادة شديدة الانفجار والتي تستخدمها التنظيمات الإرهابية في تصنيع المتفجرات، ليحدث ما يوازي هزة زلزالية بقوة 4.5 درجة بمقياس ريختر، ومنطقة تدمير كاملة لمسافة نصف كيلو متر، وتضرر المباني في العاصمة اللبنانية وصل حتى 1.5 ميل داخل بيروت.
الأمر كان أشبه بالحرب.. الانفجارات توالت في الميناء، وأوقعت آلاف الإصابات لتتجاوز 5000 مصاب وراح ضحيتها أكثر من 135 شخصًا.

تكافح الأطقم الطبية لعلاج آلاف الجرحى جراء الانفجار الهائل الذى أعاد للأذهان ما حدث فى «هيروشيما» ، ورجال الإنقاذ مازالوا يبحثون عن ناجين تحت الحطام.
شعر سكان قبرص على بعد 150 ميلًا بصوت الانفجار، وتلاشت أجزاء كاملة من المدينة بالقرب من ميناء بيروت دون ترك أى شىء سوى المعدن الملتوى والحطام فى المنطقة التجارية بوسط بيروت.
انقلبت سفينة ركاب راسية على رصيف الميناء، تحطمت النوافذ على بعد أميال، دُمِّرت واجهات حى الواجهة البحرية المليء عادة بالمطاعم والنوادى الليلية، كما دُمِّر عدد من الأحياء السكنية المزدحمة فى النصف الشرقى من المدينة.
تكسَّر زجاج جميع النوافذ تقريبًا فى بيروت بالكامل، واصطدمت السيارات ببعضها البعض بعد الانفجار، بدت المبانى التى بقيت واقفة كما لو كانت مصبوغة تاركة هياكل عظمية ضخمة.
تساؤلات كثيرة حول الحادث الذى ما زالت جهات التحقيق تلملم أوراقه، منها: من الذى يقف وراء تلك الكارثة؟ من المستفيد منها؟ هل هى بداية أو تجربة لتكرار مثل تلك الحوادث فى المنطقة خاصة ضد الدول التى تستهدفها قوى الشر؟ وهل من الممكن أن تنفذه تنظيمات إرهابية فى المنطقة؟
الأمر المثير للدهشة أن مسؤولو الجمارك فى الميناء سرعان ما خرجوا مدافعين عن أنفسهم فى الكارثة الإنسانية بمجموعة من المكاتبات والأوراق التى احترقت وذابت مع أجساد الضحايا.
بدأ العد التنازلى للكارثة بسفينة شحن روسية متداعية تعانى من الديون وطاقمها الساخط، كانت السفينة «Rhosus MV» ترفع علم المالديف وكانت مملوكة لرجل أعمال روسى («Igor Grechushkin» يعيش فى قبرص)؛ غادرت ميناء باتومى فى جورجيا، على البحر الأسود، تحمل شحنة من نترات الأمونيوم متجهة إلى موزمبيق، لكنها فى نوفمبر 2013 توقفت فى اليونان للتزود بالوقود؛ كان ذلك عندما أخبر مالك السفينة البحارة الروس والأوكرانيين أنه قد نفد المال وأنه سيتعين عليهم التقاط شحنة إضافية لتغطية تكاليف السفر – مما أدى بهم إلى الانعطاف نحو بيروت حيث وصلوا إليها فى 23 نوفمبر.. كان مالك السفينة يدرك أن سفينته لن تعبر قناة السويس لما بها من عطب وعدم توافر شروط أمان وسلامة حمولة السفينة.
قال القبطان بوريس بروكوشيف البالغ من العمر 70 عامًا والمتقاعد حاليًا، والذى انضم إلى طاقم السفينة فى تركيا بعد تمرد عدد من البحارة بسبب عدم دفع أجور طاقم سابق.
أضاف القبطان أن مالك السفينة «Grechushkin» أخبره أنه لايستطيع دفع رسوم المرور عبر قناة السويس، لذلك أرسل السفينة إلى بيروت لنقل شحنات إضافية، بما فى ذلك الآلات الثقيلة.
وصلت السفينة إلى ميناء بيروت، وعقب وصولها إلى الرصيف صدر قرار باحتجازها من جانب سلطات الموانئ المحلية اللبنانية، بناء على عدة بلاغات توالت ضد الشركة المالكة للسفينة، كان أحد تلك البلاغات من رجل أعمال لبنانى طالب باحتجاز السفينة لديون مستحقة له على الشركة المالكة وبسبب “الانتهاكات الجسيمة فى تشغيل السفينة” والرسوم غير المدفوعة للميناء والشكاوى التى قدمها الطاقم الروسى والأوكرانى وفقًا لاتحاد بحارة روسيا (المنتسب إليه) مع الاتحاد الدولى لعمال النقل الذى يمثل البحارة الروس.
مع تعدد البلاغات تم احتجاز السفينة والطاقم ومصادرة حمولتها من «نترات الأمونيوم» وصدر الأمر بإفراغ حمولتها فى المستودع رقم (12) بالميناء مع تأمين الحمولة، بعد أن أشارت التقارير الفنية إلى أن الحمولة الخاصة بالسفينة يصعب تركها بداخلها نظرًا لخطورة استمرار تعرضها للعوامل الجوية.
بالفعل تم تفريغ حمولة السفينة واحتجازها مع طاقمها الذى أُفرج عنه عام 2015 وظلت السفينة محتجزة بالميناء حتى 2017 قبل الإفراج عنها، وعقب خروجها من الميناء غرقت السفينة فى البحر المتوسط.
ظلت الشحنة فى الميناء منذ إفراغها نهاية نوفمبر 2013 داخل المستودع ولمدة 7 سنوات تقريبًا خاطبت خلالها سلطة الجمارك بالميناء النيابة العامة للسماح بنقل الشحنة إلى الجيش اللبنانى أو بيعها للشركة اللبنانية للمتفجرات (مجيد الشماس)، وتوالت المكاتبات من ديسمبر 2014 وحتى يوليو 2017، ولكن لم يصدر أى قرار بشأن نقل أو بيع شحنة “نترات الأمونيوم” إحدى المواد المتفجرة المستخدمة فى صناعة المتفجرات والألعاب النارية والديناميت، والتى تستخدمها العناصر الإرهابية فى صناعة العبوات الناسفة.
ظل الحال على ما هو عليه منذ تفريغ الحمولة المتفجرة وحتى مساء الثلاثاء الماضى، لتمسى لبنان على كارثة إنسانية خلفها الانفجار الأشبه بانفجار هيروشيما.
لكن هل تقيد القضية فى النهاية ضد الإهمال وتصبح أشبه بماس كهربائى أشعل حريق فأصبح الفاعل مجهول؟ أو أن الحادث قضاء وقدر كما يحاول البعض أن يدفع بالمشهد فى تلك الناحية؟
الحقيقة أن وصول الشحنة إلى ميناء بيروت لم يكن مصادفة أبدًا.. ولم يكن رجل الأعمال الروسى القابع فى قبرص حاليًا، يرغب فى وصول تلك الشحنة إلى موزمبيق، وقد أسرع بإعلان إفلاسه عام 2017.
فعند وصول السفينة إلى بيروت كان أحد أسباب احتجازها أن وجهة الشحنة لم تكن واضحة ومثيرة للشكوك، خاصة وأن بيروت لم تكن على مسار السفينة، المتجهة إلى الجنوب الإفريقى وبالتحديد فى المحيط الهندى (موزمبيق) فكان لها أن تتجه إلى إحدى الموانئ المصرية بدلًا من الوصول إلى بيروت وهو ما سجلته نشرة (Arrest News) عام 2015.

لكن بيروت كان الميناء الأسهل فى الوصول إليه فى ذلك التوقيت نظرًا لسهولة الإجراءات الأمنية، وإمكانية الدفع بالمشهد لتكون كافة خطواته أشبه بكونها إجراءات طبيعية، خاصة أن عبور السفينة من قناة السويس فى تلك الفترة كان أمرًا صعبًا بسبب الإجراءات التى تتخذها هيئة قناة السويس لتأمين السفن العابرة والتأكد من سلامتها قبل عبور القناة مما يشكل عائقًا أمام الشركة المالكة التى تعرف أن السفينة بها “عطب” يؤثر عليها ملاحيًا. كما أن الوضع فى سوريا ولبنان فى ذلك الوقت كان مهيأ لتستقر الشحنة هناك.

تم استغلال حالة الفساد الموجود فى الميناء لتجميد موقف الشحنة بشكل قانونى واستخدامها فى التوقيت المناسب.
عندما حانت ساعة الصفر اشتعل حريق فى مستودع (9) بالميناء ليمتد الحريق فى لحظات إلى مستودع (12) المخزن به شحنة “نترات الأمونيوم” ويتحول الميناء إلى ركام.
لم يسأل أحد ما أسباب حريق مستودع (9) فى ذلك التوقيت مع اقتراب اتفاق حكومة حسان دياب مع صندوق النقد الدولى على خطة الإصلاح الاقتصادى لإنقاذ لبنان مما لحق به من تدهور اقتصادي.

شب حريق المستودع (9) نتيجة أعمال لحام، الأمر الذى يشبه تمامًا حدوث حريق نتيجة ماس كهربائى بأحد أجهزة التكييف فى فصل الصيف، ليبدو الأمر طبيعيًا على خلاف الحقيقة.
يقودنا المشهد إلى جزء آخر مهم، وهو التهديد الذى أطلقه حسن نصرالله قبل ذلك باتجاه اسرائيل باستخدام حاويات “نترات الأمونيوم” وتفجيرها لإحداث حالة من الدمار تشبه ما حدث فى الميناء؛ كما أن تلك المادة يسهل وصولها إلى التنظيمات الإرهابية لصناعة العبوات الناسفة.
إن ما حدث فى بيروت سيناريو قد يتكرر فى المنطقة ظل دعم قوى الشر للتنظيمات الإرهابية والمحاولات المستمرة للانقضاض على تلك المنطقة لتقسيمها، ففى 2011 أخذ ما يسمى بالربيع العربى قالب الفوضى، والآن تأخذ الحرب والمواجهة قالبًا مختلفًا باستغلال الفساد لتصل إلى تلك القوى إلى مبتغاها من تدمير الأوطان وبث حالة من الذعر فى النفوس.
لقد كانت شحنة نترات الأمونيوم أشبه بقنبلة تم تخزينها بزنة 1300 طن من مادة TNT، وهو ما يعادل الشحنة التى كانت مخزَّنة فى مستودع (12) بميناء بيروت.

إن المعركة التي تشهدها المنطقة حاليًا باتت متعددة الأدوات والأشكال، ما بين الحرب المعلوماتية والعمليات الإرهابية وعمليات تدمير الدول؛ لقد كشفت كارثة ميناء بيروت أن الفساد كان أهم أدوات قوى الشر لتدمير الدول، فلولا الفساد لما وصلت الشحنة إلى الميناء، ولما قبعت في مخازنه 7 سنوات، ولما بقيت خطرًا يهدد قلب لبنان.