رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

على «باب الحديد».. قصص من قلب الوجع لـ«عظيمات مصر»

163

رصدتها: علا عبد الرشيد – روضة فؤاد

احذر وأنت تخطو بقدميك على أرض هذا الوطن أن تؤذى مكان قدمك ذرات ترابها، فقد اختلطت بعرق ودموع ملايين من الأمهات اللائي عشن على أرضه منذ آلاف السنين وحتى الآن.. فخلف كل باب وداخل كل بيت وعلى كل طريق.. وفى كواليس كل نجاح أو بطولة لابن حكاية لأم تحمل تضحية لأبنائها.. ومهما اختلفت طبيعة الأنثى بين الخير والشر.. والقوة والضعف.. والطيبة والشر.. الغنى والفقر.. الجمال والقبح، في النهاية تذوب الفوارق أمام مشاعر الأمومة. وهنا فى محطة السكك الحديدية.. جمعتنا الصدف بنماذج لأمهات.. كانت لكل منهن قصة مختلفة يمكن أن تكون بتفاصيلها فيلمًا سينمائيًا.. قد يخرج الجمهور من عرضه ليتندر بمبالغة الكاتب.. لكن ما جمع تلك النماذج هى قضبان وأرصفة السكك الحديدية التى حملت كلا منهن من قريتها بإحدى المحافظات لتلقى بها هنا بين موجات من ملايين البشر فى القاهرة.. لتذوب فى زحامها بحثا عن لقمة العيش.

بدايتنا كانت مع أم جمال التى تحولت إلى ملهمة لفكرة موضوعنا من خلال لقاء جمعنا بها صدفة.

أم الدكتور

فى جنح الليل، حيث تختبئ الأحلام فى عيون النائمين، ويبحث المتعبون عن الراحة.. تقوم أم جمال من فرشتها إلى جوار حفيدتها وهى تتسلل حتى لا توقظ سكان الغرفة، فى المقابل على سرير آخر ترقد ابنتها المطلقة وحفيدة أخرى أكبر سنًا من الأولى، بهدوء تبدأ فى جمع أوعيتها وترتيب أقفاصها والاطمئنان على سكان تلك الأقفاص وإطعامها وسقايتها.. ففى الأول يرقد عدد من أزواج الحمام أطلقت هديلها ربما فرحًا بما سيقدم لها من طعام، أو ربما حزنًا على بقائها قيد الأسر تنشد الخروج والطيران، وفى آخر بضع «فرخات»، أحدثت ضجة وتناثر بعض من ريشها عندما اقتربت منها صاحبتها فى جانب من تلك المساحة من هذا المنزل الريفى البسيط، وحيث جعلت السيدة التى تجاوز عمرها الخمسين عامًا من أقفاصها وأوعيتها حوائط سدت بها على أربعة من طيور البط، راحت «تبطبط»، وتحاول الفرار فى المساحة الضيقة من يدى أم عبد الرحمن وهى تحاول جمعها فى قفص الدجاج.

فى قدر ألومنيوم تراصت قطع الجبن القريش، اطمأنت عليها صاحبة الدار بنظرة سريعة، وغطتها بقطعة شاش بيضاء ثم أغلقت غطاء القدر.
تدثرت أم جمال سريعا فى جلابيتها السوداء وشالها الأسود الثقيل، الذى يغطى رأسها تماما وجزءا من ظهرها، استعدادا للخروج إلى الشارع.. دفعت باب غرفة أخرى بهدوء وهى تنادى ساكن الغرفة، ابنها.. آخر الأبناء الأربعة برفق ترجوه القيام سريعا فقد اقتربت الساعة من الثالثة فجرا ولم يتبق سوى أقل من نصف ساعة على موعد السيارة التى ستقلها وأخريات إلى القاهرة لبيع بضاعتهن.
هرولت صاحبة الدار نحو حاجياتها مسرعة، ولحقها محمد طالب الصف الثانى الثانوي، رفع الأقفاص فوق رأس أمه، وحمل قدرا هو قدر الجبن بين يديه ولحق بأمه.
سارت الأم وابنها بين الطرقات الضيقة والمنازل التى يلف معظمها السكون إلا قليل من همهمات وأصوات خافتة تخرج من بعضها.. حتى خرجا على الطريق الرئيسى للقرية الصغيرة الواقعة بأحد مراكز محافظة الجيزة للحاق بسيارة كامل السائق الذى اعتاد اصطحاب أم جمال وأخريات من بلدتهن للقاهرة منذ أكثر من عشر سنوات لتبيع كل منهن بضاعتها.
فى صندوق السيارة التى بدت كسفينة نوح، يصعب عليك من الوهلة الأولى التمييز بين الأوعية وأصحابها، فقد تراص الجميع تلفه الأغطية بألوانها المختلفة، وحرصت كل صاحبة بضاعة على لف بضاعتها بعناية من برد الليل ومن ندى الفجر، وما بين وحدات الكرنب والخضرة من بقدونس وشبت وكسبرة وجرجير وكرات، وأقفاص الطماطم، وأقفاص الطيور بكل أنواعها والأرانب ، ومرورًا بالبيض البلدى وأرغفة الخبز الفلاحى وأكياس الكشك الصعيدى والشعرية، وغيرها من بضائع الخير القادمة من أرض هذا البلد الطيب أهله، تدثرت ثمانى سيدات بشيلانهن حتى غطت وجوهن وأيديهن وجلسن فى قاع صندوق السيارة بين بضائعهن يحتمين ببعضهن البعض من هواء الفجر البارد، وأيضًا من متاعب الحياة.

اقتربت الساعة من الخامسة، وفى أحد أسواق حلوان حطت السيارة الرحال ونزل ركابها وبدأوا فى حمل بضاعتهن كل واحدة إلى مكان مختلف، حيث اعتادت أن تفترش بها وهى تتمتم بدعوات الأمل أن يكون اليوم خيرا، وأن تبيع بضاعتها لتكسب بضع جنيهات تعرف كل منهن أين ستذهب قبل أن تأتى.
كان هذا اليوم.. سيناريو متكررا لحياة أم جمال بدأ منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمان، عندما اضطرتها الظروف للخروج والعمل بعد أن أصيب زوجها الذى كان يعمل ساعيا فى مصلحة حكومية بأحد مراكز الجيزة بجلطة مفاجئة فى المخ تسببت له فى شلل نصفى أقعده عن العمل، ولم تعد تكفى جنيهات معاشه القليلة إعاشة الزوجة و3 أطفال فى هذا الوقت، قبل أن يرزق الزوجان بمحمد الأخير الذى اقترب من عامه الثامن عشر الآن.

تقول أم جمال «جوزى مات بعد ولادة محمد بأقل من خمس سنين.. كانت ابنتى كوثر الكبيرة فى الدبلوم ومخطوبة.. وابنى جمال داخل الثانوى وحنان فى الإعدادية، ومحمد صغير.. قلت لازم أكمل فى طريقى كان حلمى أنا وأبوهم إنهم يتعلموا وياخدوا شهادات علشان نحميهم من البهدلة دى الحاجة الوحيدة اللى كنا نقدر نموت نفسنا علشان يوصلوا لها.. الشهادات».
وتضيف: «كنت بأخرج كل يوم قبل الفجر وأرجع قبل المغرب.. أدور على بيوت الجيران أجمع الجبنة القريش والبيض وساعات بعض الطيور غير اللى كنت باربيه فى البيت، وتساعدنى بناتى فى رعايتهم ورعاية البيت.. لحد ما ربنا قدرنى وجهزت كوثر واتجوزت.. وجمال كان الفرحة الكبيرة فى الثانوية العامة نجح وطلع الأول على مدرسة البلد رغم إنه عمره ما طلب منى ياخد دروس زى باقى أصحابه.. وقال لى إنه عايز يدخل كلية الطب .. فكرت مشوارها طويل صحيح بس فى آخره هابقى أم الدكتور.. يعنى الموضوع يستاهل .. والحمد لله ربنا قدرنى وهو حاليا دكتور أسنان قد الدنيا وبيشتغل فى مستشفى المركز.. حنان أخدت بكالوريوس خدمة اجتماعية، وربنا قدرنى وجهزتها واتجوزت مدرس جارنا.. أما محمد ده آخر واحد فى تانية ثانوى نفسى ربنا يكرمنى ويتخرج مهندس علشان ابقى أم الدكتور والمهندس».
سألناها: تعبتى؟
قالت «أكدب لو قلت لك لأ.. أنا جاء لى السكر والصحة ما بقتش زى زمان.. والجهد بقى قليل.. بس لما أشوف ولادى ناجحين حواليا كل التعب بيروح».
نفسك فى إيه؟
أجابت: «نفسى أطمن على كوثر بعد ما اتطلقت من جوزها علشان خلفتها 3 بنات، واحدة منهم ربنا افتكرها بعد ما اتولدت بشهر واحد وماطاوعتوش تخلف تانى علشان تجيب ولد، راح اتجوز عليها فطلبت الطلاق ورجعت قعدت معايا ببناتها الاتنين.. نفسى كمان جمال ربنا يكرمه ويتجوز وأشوف أولاده.. ويهدى سر حنان ويسعدها.. ويقدرنى أكمل المشوار مع محمد.. وربنا يكتب لى زيارة بيته الحرام».
إيه أكتر حاجة بتضايقك؟
قالت: «ساعات لما أتعب ويضيق نفسى.. أفكر فى نعم ربنا وستره.. وأشوف أولادى أفرح إنى الحمد لله بصحتى ولسه قادرة أشتغل وأكسب قوتى.. أى حاجة بعد كده مش مهم».
أم فقدت 5 أبناء
فى هدوء لا يتناسب والزحام الشديد المحيط بها.. جلست القرفصاء أمام شاهد القبر تتحسس حوائطه التى باتت عديمة اللون تماما كحياتها.. وكأنها ستتحدث إليها.. خلفها دفنت قطعة أخرى من قلبها.. أهالت عليها التراب.. كما أهال الموت أطنانا من الحزن فوق رأسها.. خلف هذا الحائط دفنت «حلمى» ابنها الأكبر الذى لحق بأربعة أشقاء اختطفهم الموت عنوة من بين يديها بعد أن أصبحوا رجالًا خلال سبع سنوات.. لم تكن تشعر بالمئات من أبناء قريتها الصغيرة «سدود» الواقعة فى محافظة المنوفية والذين جاءوا لوداع الابن إلى مثواه الأخير وبعضهم يربت على كتفيها أو يسمعها كلمات رثاء بلا معنى.. أو يبثها عبارات عن الصبر والأقدار.. أى أقدار يتحدثون عنها وقد ذهبت بحصاد 75 عاما هى عمرها.

خاضت معركة الحياة للمرة الأولى قبل 63 عاما عندما كانت فى الثانية عشرة من عمرها، وجاء من يتزوجها.. انتقلت إلى بيت زوجها الذى يعمل مزارعا فى الأراضى الزراعية باليومية مقابل بضع قروش قليلة بالكاد تكفى حاجتهم البسيطة.. بعد مرور بضع سنوات.. امتلأ المنزل بالأولاد والبنات وأصبح يعج بثمانية من الأبناء خمسة ذكور وثلاث إناث.. أصبح الحمل ثقيلا على الزوج الذى كانت تنهار قواه وترزخ المسئولية على صدره كلما مر يوم وزادت المطالب.
لم تكتف الأم والزوجة بأن تخرج بين الحين والآخر لتعاون شريك حياتها فى عمله مقابل قروش قليلة أيضا.. فبدأت فى تربية بعض الطيور، لتنزل بها إلى سوق القرية كل أسبوع تبيع بعضها أو تبيع ما جمعته من بيضها الذى حرم كما حرمت مصدره على أهل الدار إلا فيما ندر.

مرض الزوج وتدهورت صحته مع الوقت ولم يعد قادرا على سد مطالب هذا الجيش الصغير من الأبناء.. وفى أحد الأسواق همست لها إحداهن.. لم لا تبيع بضاعتها فى أسواق العاصمة الكبيرة.. حيث يشتاق الناس فيها لرائحة الريف وخيراته ويمكن أن تكسب منها أكثر.. هناك يدفع الناس الكثير من أجل الطعام.

كان ذلك قبل 50 عاما.. كما تروى أم حلمي.. عندما ركبت للمرة الأولى القطار ووطأت قدماها للمرة الأولى أرض القاهرة.. كانت تحمل فوق رأسها وعاءً معدنيًا وضعت فيه طبقًا بلاستيكيًا به عدد من قطع الجبن القريش وصفيحة صدأة قديمة وضعت فى قاعها بعض القش ورصت فوقه عددًا من البيضات.. وعلبة بلاستيكية بها بعض القشطة ووعاءً به عدة كرات من الزبد، ورغيف فلاحى من صنع يديها طبقته فى الجنب.. غطتهم جميعا بإحدى جلابياتها القديمة النظيفة.

زاغت عيناها وتلفتت يمينًا ويسارًا وهى لا تعرف إلى أين تذهب.. كانت تشعر وكأن الأرض لينة تتمايل تحت قدميها، وهى تخرج من محطة القطار لا تلوى على شىء، على الرصيف المقابل للمحطة وضعت حملها وجلست تلقف أنفاسها لتقرر ماذا ستفعل.. فجأة توقفت أمامها إحدى السيدات وسألتها عما تغطيه وهل هو للبيع؟ فكشفت عن بضاعتها واشترت منها السيدة جزءا مما كان معها وشجعها ذلك على أن تكشف وتنادى عما تبيعه.

مرت الأيام وبعدها الشهور والسنوات وتعرفت على أخريات من البائعات اللائى كن يفدن من القرى التابعة للمحافظات القريبة من القاهرة كالقليوبية والمنوفية والشرقية والغربية.. ومع الوقت أصبح لأم حلمى مكان ثابت تأتى إليه يوميا تجلس فيه لتبيع ما معها.

سيناريو حياتها بات متكررا صيفا وشتاء لا يتغير مهما تغيرت الظروف والأحداث.. كانت تركب القطار من قريتها الواقعة فى مركز منوف فى العاشرة مساء.. ليحط بها فى القاهرة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.. تخرج من المحطة إلى حيث اعتادت أن تجلس.. تتكور على نفسها وتنام فى مكانها أمام بضاعتها تنتظر بزوغ خيوط الصباح الأولى لتبيع ما معها للزبائن الذين عرفوها.. وفى الثانية عشرة ظهرا تحمل حالها وأوعيتها الفارغة للقطار لتعود من حيث أتت.. تدور على منازل جيرانها الذين اعتادت أن تجمع منهم بعض بضاعتها، وتقضى بعضا من مطالب البيت، وتسمع حكايات الأبناء انتظارا لرحلة قطار جديدة.
مرت السنوات.. ورحل زوجها بعد رحلة زواج استمرت نحو 37 عاما.. تغيرت الحياة وكبر الأولاد والبنات وتزوجوا جميعا.. لكن مشوارها اليومى وبضاعتها لم تتغير، باستثناء بضع طيور كانت تحملها أحيانا أو بعض الخضراوات و الأرغفة الفلاحى التى يشتهيها سكان القاهرة.

ظلت صامدة كالجبل رغم عظامها التى فشلت أن تظل مشدودة فأصابها بعض الانحناء، ومعها انحنى ظهرها، وآثار السنين التى حفرت بأظافرها أثرها على وجهها، حتى كان اليوم المشئوم الذى لن تنساه فى أحد أيام شهر رمضان عام 2012 عندما كان الجميع ينتظر أذان المغرب.. واشتعلت معركة حامية الوطيس بين أبنائها وبعض الجيران بسبب رش المياه فى الشارع.. لتنتهى بوفاة اثنين من أبنائها وتروى دماءهما أرض القرية، وأيضا اثنين آخرين اتهما بقتل آخرين خلال نفس المعركة.. لينتهى كابوس استغرق دقائق بعد أن أخذ منها أربعة أبناء دفعة واحدة. طوال سبع سنوات هى المدة التى بقاها ابنيها خلف القضبان فى إجراءات المحاكمة.. لم تكن تملك ما يمكن أن توكل به محاميا للدفاع عن فلذتى كبدها.. لم تكن تملك سوى الدموع تغسل بها القطار وتروى بها الطريق يوميا، من المنوفية للقاهرة.. كما لم تتوقف عن الدعاء.
فى موقف أحمد حلمى وفى مواجهة محطة قطارات ، حيث تجلس أم حلمى ببضاعتها من الجبن القريش.
سألناها: هل انتهت المحاكمة؟
أجابت وهى تجهش بالبكاء: انتهت وأعدم أبنائى الاثنان قبل العيد الكبير السنة اللى فاتت، وبعدها بأقل من شهر كان ابنى اللى باقى بيصلى فى المسجد وفجأة مات وهو راكع.. راحوا الخمس عيال منى بعد ما كبروا وبقوا رجالة.. راحوا وأخدوا عمرى وسابوا وراهم 12 عيل عايزين يتربوا.
أنت المسئولة عنهم؟
أجابت: طبعا ما بقاش لهم غيرى يراعيهم هم وأمهاتهم.
بتفكرى فى إيه؟
أجابت: نفسى أستر أحفادى فى بيت من الطوب الأحمر.. بيتنا فلاحى بالطين.
صباح.. زعيمة السوق
السوق مزدحم.. رجالًا ونساء، بضائع تفترش الأرض، أصوات صاخبة وضجيج لا نعرف من أين يأتى تحديدًا.. فى وسط السوق تقف كأنها زعيمة أو قائدة، تعطى تعليماتها للعاملين، تُقسم العمل، وتتحدث مع الجميع، الكل يحترمها ويقدّرها.
منذ 28 عامًا جاءت «صباح أحمد محمد» هنا السوق شابة صغيرة مع زوجها، بمرور السنوات عرفت أسرار العمل، وتميزت فيه، حتى باتت الزعيمة التى يلجأ إليها الجميع.
خلف هذه السيدة القوية أم وزوجة عظيمة، الجميل أن من تحدث عنها بكل حب كان زوجها الذى تعرض منذ سنوات لحادث أدى لبتر جزء من القدم، يقول بكل فخر «هى اللى شايلة البيت كله.. الولاد والأحفاد»، تضيف صباح: «لدى ثلاثة أبناء و7 أحفاد مسئولة عنهم بشكل كامل، وأنا سعيدة بالدور اللى بقوم بيه، ورغم أى تعب بعانى منه – أنا عندى قلب وسكر – إلا إنى مبفكرش غير فى أسرتى وإزاى يكونوا فى أحسن حال».
تبدأ صباح عملها بعد صلاة الفجر، تشرح بشكل مفصل تفاصيل عملها «زى ما أنتم شايفين ببيع كل حاجة هنا، الجبنة والزبدة والجبنة القريش وبجيبهم من المنوفية، أما الأكل الصعيدى زى الفريك والكشك والشعرية والبتاو فبجيبهم من بنى سويف».

فاتن.. الست القوية

هنا على رصيف محطة القطار حكايات لا تنتهى، أبطالها أمهات مثاليات، ضربن أروع الأمثلة فى التضحية والوفاء والحب غير المشروط لأسرهم.. «فاتن» تعد أحد النماذج المشرفة، هى سيدة تبلغ من العمر 53 عامًا، تعمل عاملة نظافة بالهيئة القومية لسكك حديد مصر، ولديها أربعة أبناء كافحت لتربيتهم وتزويجهم.
جلست فاتن معنا فى فترة الراحة، حيث كانت تتناول قطعا صغيرة من البسكويت تسد به جوعها حتى عودتها إلى منزلها، تقول «أعمل هنا فى محطة القطار منذ 13 عامًا، وقبلها كنت أساعد زوجى فى عمله»، وتضيف «زوجى كان يبيع ساندوتشات فى محطة القطار، وكنت معه – إيدى بإيده».
رغم مشقة الحياة وصعوبتها، سارت رحلة فاتن وزوجها هادئة، حتى انقلب الحال وتغير مع إصابة الزوج بالشلل التام.. تجربة صعبة وأليمة حلت على الأسرة، ولكن فاتن قررت عدم الاستسلام للظروف والخروج للعمل، حتى تحافظ على أسرتها وأبنائها، تقول «اشتغلت كل حاجة كانت قدامى.. مسحت سلالم، غسلت سجاجيد، وآخر شغلانة كانت هنا وبقالى 13 سنة».
نجحت فاتن فى تربية أبنائها الأربعة «كنت بالنسبة لهم أم وأب، ربيتهم وجوزتهم، وعندى 6 أحفاد».
تشعر الست القوية بالفخر عما حققته «اتجوزت وأنا عندى 12 سنة، ودلوقت بقى عندى 53 سنة، والحمد لله إنى اطمنت على ولادى كلهم، وأحلى وقت فى حياتى لما بيتجمع ولادى وأحفادى فى يوم إجازتى، هى دى سعادتى الحقيقية».
لا تزال فاتن تعمل بكل نشاط، وفى السابعة صباحًا تكون أول الحاضرين على المحطة، سألناها «هل ترغبين فى الراحة بعد زواج أبنائك؟» تجيب فاتن بسرعة شديدة «مش هقدر أسيب الشغل، مش عاوزة أحملهم حمل زيادة، مسئولياتهم كتير ما بين إيجار بيت ومسئولية ولاد.. الله يكون فى عونهم، وأنا بساعدهم على قدر استطاعتى».

أمانى.. المبتسمة رغم الآلام

مع إشراقة شمس صباح جديد، تقف – كما اعتادت – منذ أكثر من 12 عامًا أمام محطة القطار، لتبدأ عملها الذى لا تعرف شيئًا.
أمانى سيد أحمد» عاملة نظافة بالهيئة القومية لسكك حديد مصر.. ابتسامتها التى لا تفارق وجهها كانت أول ما جذب انتباهنا عند حديثها معنا، فعلى الرغم من الشقاء وتعب السنوات الذى ارتسم على ملامحها، إلا أن ضحكتها وابتسامة الرضا التى لا تفارقها أعطت لوجهها جمالًا وإشراقًا لافتًا.
تبدأ يومها مع أذان الفجر، وقبل السادسة صباحًا تخرج من بيتها فى مدينة شبين القناطر، لتستقل القطار المتجه إلى رمسيس، لتبدأ عملها فى الساعة السابعة صباحًا.
تزوجت أمانى منذ أكثر من 22 عامًا، ولديها أربعة أبناء، ثلاثة ذكور وابنة واحدة متزوجة ولديها ابن، لتصبح أمانى جدة رغم أنها لاتزال فى منتصف الأربعينيات.
لم تعرف أمانى العمل إلا منذ 12 عامًا، وقبلها كانت ربة منزل تتولى شئون منزلها، ورعاية أبنائها الأربعة، وكان زوجها يعمل فى صناعة «الحصير»، ولكنه اضطر لترك عمله، ومع ضيق الحال قررت الزوجة الوفية أن تعمل لمساعدة زوجها.
وتحكى أمانى كيف تحدثت مع زوجها، وعرضت عليه فكرة الخروج للعمل «قلت له بعد إذنك أنا هنزل أشتغل أى شغلانة عشان أساعدك».
وعن كيفية التحاقها بالعمل، تقول «كنت بزور عمتى هنا فى القاهرة، ولقيت ناس بتشتغل فى المحطة فسألت هو فى ستات بتشتغل الشغلانة دى هنا»، وبالفعل ذهبت أمانى للمسئول، ونجحت فى العمل، وطوال 12 عامًا، أصبحت أمانى نموذجًا مثاليًا للعمل والاجتهاد، حيث تعمل بكل همة ونشاط منذ السابعة صباحًا وحتى الثالثة».
لا ينتهى اليوم مع نهاية العمل، حيث تنتظرها الوظيفة الأهم كأم وزوجة، فبعد عودتها للمنزل تبدأ فى مهامها المعتادة من تحضير الطعام، والغسيل والتنضيف، إلى جانب متابعة أبنائها، فالطفل الأصغر لايزال طالبًا فى المدرسة، أما الآخران الأكبر سنًا فلم يذهبا للمدرسة ويعملان فى وظائف متنوعة.
يوم الإجازة بالنسبة لأمانى ليس يومًا للراحة، حيث تذهب لابنتها التى تعيش فى «المرج» للاطمئنان عليها، ومساعدتها – على قدر استطاعتها.
بقدر كبير من الرضا تتحدث أمانى معنا، وعن أحلامها تقول «عاوزة الستر لعيالى» فهى لا تطمع فى منصب أو تحلم بمال، ما تحلم به يتعلق بأبنائها، فهى تسأل الله أن يديم عليهم الستر، هذا ما كررته أمانى صاحبة الابتسامة الجميلة التى لا تفارقها، لتنهى كلامها معنا «أنا بحب الضحك».

نبيلة.. المكافحة

جالسة فى هدوء تستمتع إلى زميلاتها اللاتى تحدثن إليهن.. ملامحها تعكس حالة الهدوء والطيبة الشديدة التى تتمتع بها.. «نبيلة شعبان» عاملة نظافة فى هيئة السكك الحديدية.

كانت آخر من تحدثن إليهن داخل المحطة، نموذجا مثاليا للأم والزوجة المكافحة التى لا تهدف إلا لسعادة واستقرار أسرتها.
من المنيا وتحديدًا من مغاغة جاءت، تركت المكان التى عاشت فيه طوال حياتها، لكى تستقر فى القاهرة، من أجل تربية أبنائها.
بهدوء تحكى قصتها «أنا من مغاغة فى المنيا، جوزى على باب الله، وعندى اتنين، شقيت وتعبت لحد ما ربيتهم، واتجوزوا وفتحوا بيوت».
عملت نبيلة كعاملة نظافة فى مدرسة بمغاغة، ولكنها تعرضت لأزمة صحية شديدة، وأجرت ثلاث عمليات متتالية فى الرحم، فكان من الصعب عليها الالتزام بالحضور يوميًا، ليتم الاستغناء عنها فى النهاية.

لم تستسلم نبيلة للظروف التى تعرضت لها، خاصة أن لديها ولدين مسئولة عنهما بشكل كامل، فبحثت فى كل مكان عن عمل، وعملت كعاملة نظافة فى محطة مغاغة، فى القطار الذى يتوجه إلى القاهرة.

كانت تجربة شاقة بالنسبة لها، خاصة أنها كانت تضطر فى بعض الأحيان للمبيت بالمحطة، لتأخذ قرارًا فى النهاية بالاستقرار فىالقاهرة.
مشوار طويل ملىء بالتحديات خاضته نبيلة، ولكن رؤية أبنائها وأحفادها يجعلها تنسى كل ألم خاضته، أو تجربة قاسية مرت بها، وهى حاليًا تعيش بالقرب من أبنائها، ولكنها لا تفكر فى ترك العمل فى الوقت الحالى، تقول: «بدفع إيجار كبير تقريبًا 1700 جنيه، ومصاريف أكل وشرب، ومقدرش أحمل ولادى عبء زيادة.. بشتغل عشان أصرف على نفسى».

هدى.. البطلة

منذ ثلاثين عامًا أو أكثر تعودت أن تكون هنا، وتعود زبائنها والعاملون فى محطة القطار أن يروها بجلبابها الأسود، وملامحها البسيطة الجميلة التى لا تختلف كثيرًا عن ملامح الست المصرية الشقيانة والمكافحة.
تجلس «هدى محمد» فى السوق – بقرب محطة القطار – الذى أصبح بيتها الثانى، تعرف ما يجرى فيه بدقة، تتابع عملها، تتحدث مع زميلاتها من السيدات المكافحات اللاتى يأتين من محافظات بعيدة لبيع الجبنة والزبدة، تستمع لمشاكلهم وشكواهم، تحاول على قدر استطاعتها المساعدة فى حلها.
أمامها بضاعتها التى تأتى بها يوميًا (الجبنة والزبدة، وبعض من الحمام والطيور) ترضى بالرزق الذى يأتيها سواء كان كثيرًا أو قليلًا، فالرزق يأتى من عند الله – سبحانه وتعالى.
تبدأ يومها الساعة الثانية عشرة ليلًا، حيث تخرج من مدينتها أشمون بالمنوفية، تحمل بضاعتها، تغطيها جيدًا، ترصها فى العربة، لتصل القاهرة فجرًا، وتبدأ فى رص بضاعتها بالسوق، لتعود مرة أخرى إلى بيتها فى الرابعة عصرًا.

سيناريو لم يتغير منذ 30 عامًا، نسألها «هل تعبت؟»، تجيب «اتعودت على كده.. راضية ومبسوطة، كفاية إنى ربيت ولادى واطمنت عليهم».
عند الحديث عن أبنائها، تغيرت نبرة الصوت وملامح الوجه، فالسعادة والفخر كانا ملازمين لها، تقول «عندى 7 ولاد، ربيتهم وعلمتهم وجوزتهم كمان»، وبدأت هدى فى سرد أسماء أبنائها والمستوى التعليمى الذى وصلوا إليه بكل سعادة «محمد معاه معهد حاسب، طارق معهد فنى تجارى، أحمد بكالوريوس تجارة، عبير دبلوم صنايع، سناء دبلوم صنايع، سماح وإيمان دبلوم تجارة».

استمرت هدى فى العمل حتى بعد أن كبر الأبناء واطمأنت عليهم، وحاولوا معها كثيرًا لكى ترتاح بعد شقاء وتعب السنين، ولكنها رفضت بشكل قاطع «خلاص اتعودت على الشغل ومقدرش أسيبه».

مريم.. الأم الصغيرة

جلست فى مكان جانبى داخل السوق، شابة جميلة بملامح هادئة، تضع أمامها بضاعتها من جبن وزبدة، وبصوت منخفض تحدثت «مريم» – فى الثلاثينيات من عمرها- «أنا موجودة هنا فى السوق من خمس سنين، قبل كده كنت بساعد أمى، ولما ماتت بقيت بشتغل لوحدى».
فى الثانية صباحًا تبدأ مريم يومها، حيث تخرج من بيتها لتصل السوق، وتبدأ فى شراء البضاعة من الفلاحين، ومع الثانية ظهرًا تعود إلى منزلها.

سيناريو يتكرر يوميًا، ورغم التعب والمشقة التى تتعرض لها خصوصًا فى أيام الشتاء، حيث البرد القارس، أو المضايقات التى تتعرض لها فى بعض الأحيان، إلا أن هذه المعوقات لم تمنعها من العمل من أجل توفير لقمة العيش لأبنائها، تقول مريم «عندى ولدين وبنت، وأنا اللى بصرف عليهم بشكل كامل، وبعد ما أمى ماتت وطلاقى، وانشغال اخواتى بحياتهم، بقيت مسئولة لوحدى».
تترك مريم أطفالها بمفردهم رغم صغير سنهم «غصب عنى بس بجهز لهم الأكل قبل ما أنزل، وأول ما أروح بقعد معاهم اليوم كله».
وعن أحلامها تقول «عايشة عشان ولادى، وكل اللى بتمناه يكملوا تعليمهم، وأشوفهم دكاترة».
تهانى.. المُحبة
بمجرد أن تخرج من محطة القطار، ستجدها تعمل بكل اجتهاد داخل مطعم للفول والطعمية، فهى «أسطى» فى المهنة كما يقولون، وأصبحت إحدى العلامات المميزة لهذه المنطقة.

«تهانى محمد يونس» نموذج آخر لامرأة مكافحة وقفت بجانب زوجها، وساندته منذ زواجهما منذ أكثر من 28 عامًا.
قادتنا الصدفة إلى تهانى عندما دعانا زوجها «خيرى» للتحدث معهم حول تجربتهم، يقول بكل فخر «هى شريكة عمرى، تزوجتها منذ 29 عامًا، ومنذ اللحظة الأولى كانت هى السند والداعم الرئيسى لى، لم تتركنى لحظة واحدة، تحملت معى كل ظروف الحياة ومشقاتها، لم تعترض مرة أو تتذمر، بالعكس كانت ولازالت تقف بجانبى، تعرضنا لتجارب صعبة وخسائر مادية، ولكنى استطعت أن أقوم وأتجاوز أى محنة لأنها بجانبى».ويضيف: «نخرج من المنزل سويًا الساعة سادسًا صباحًا ، ونبدأ فى الاستعداد للعمل، وهى طوال الوقت يدها بيدى، تساعد فى إعداد الطعام، تقوم بكل شىء بحب شديد ورغبة فى مساندتى».
اللافت فى حديث خيرى هو تقديره لما تقوم به زوجته، يقول «لدينا ابنتان وحفيدان هما كل حياتنا، وتهانى تعتبر المسئولة عنا جميعًا، فنحن جميعًا لا نستطيع العيش بدونها».

تستكمل تهانى الحديث، بينما تقوم بمهام متعددة داخل المطعم «إحنا بنشيل بعض، وأنا معاه طول الوقت، ورغم إننا مرينا بتجارب صعبة، خسرنا فلوس بس بنقوم ونبتدى تانى»، وتضيف: «أنا راضية عن اللى قدمته، ومستعدة أعمل أكتر من كده عشان جوزى وولادى».