رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

بين غموض مصير حلفاء واشنطن.. وهاجس انتقام طالبان أفغانستان فى انتظار الفوضى !

175

غموض كبير يكتنف مصير أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية والغربية المزمع في 11 سبتمبر المقبل، فهل تعود طالبان مرة أخرى لتلعب الدور الأكثر أهمية فى مستقبل البلاد ؟ وكيف ستتعامل الولايات المتحدة وباقى دول حلف الناتو مع هذا الموقف؟ وما مصير عشرات الآلاف من المترجمين الأفغان وغيرهم ممن عملوا مع القوات الأمريكية؟.. أسئلة عديدة تَطرح فى ظل التطورات الحالية التى تحدث على الأرض.

روضة فؤاد

على الرغم من محاولة الرئيس الامريكى «جو بايدن» طمأنة الأفغان من خلال اجتماعه مع الرئيس الأفغانى «أشرف غنى» ومنافسه
«عبد الله عبد الله»، وتأكيده على استمرار المساعدات والتعاون، إلا أن الأمر المؤكد أن الواقع سيكون مختلفًا تمامًا، حيث تنقل وكالات الأنباء أخبارًا عن استيلاء حركة طالبان على مزيد من المقاطعات، وطبقًا لأخر التقارير، فإن حركة طالبان تطوق مدينة قندوز شمالى أفغانستان، وتحقق مكاسب ميدانية كبيرة، بينما نزح آلاف السكان من منازلهم، وسط احتدام القتال بين مسلحى الحركة والقوات الحكومية، وتحدثت التقارير عن نزوح
160 ألف أسرة فى أنحاء أفغانستان هربًا من القتال.

وبعيدًا عن تفاصيل الصراع على الأرض، فإن السؤال الأبرز يتعلق بمستقبل أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكى الكامل فى 11 سبتمبر المقبل.

تؤكد العديد من التحليلات السياسية على أن الانسحاب الأمريكى من أفغانستان سيخلق فراغًا فى السلطة، تتنافس القوى الإقليمية على ملئه، ووفقًا لتقرير مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية، فإن الساحة الأفغانية باتت تشهد تنافسًا محتدمًا بين كل من إيران والصين والهند وباكستان وروسيا لتعزيز نفوذها فى البلاد بعد انسحاب القوات الأمريكية منها، وقالت المجلة إن هذه الدول تعمل على إطلاق مسرحيات سلطة دبلوماسية هادئة موجهة نحو الحكومة الأفغانية وطالبان على حد سواء، ولفتت المجلة إلى اجتماع جمع ما بين وزراء خارجية الصين وباكستان وأفغانستان، هذا الشهر، كان هدفه مناقشة مستقبل أفغانستان.

وبحسب «فورين بوليسى»، فقد قامت الصين بمحاولات لتعزيز نفوذها فى آسيا الوسطى، وتوسيع استثماراتها فى أفغانستان، التى تنظر إليها كورقة رابحة فى مشروعها «الحزام والطريق»، وفى الأثناء، باتت الهند تتراجع عن سياستها القديمة والتى تنص على عدم التعامل مع طالبان، وبدأت محادثات دبلوماسية مع الجماعة المسلحة، وفقا لصحيفة «تايمز أوف إنديا».

وذكرت المجلة الأمريكية أن هناك محللين يحذرون من أن المعارك الدبلوماسية بالوكالة قد تساهم بالمزيد من زعزعة الاستقرار فى هذا البلد المضطرب أصلا، ما سينتهى بتمكين طالبان لفرض سيطرتها بشكل أكبر.

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد أشارت إلى تقديرات استخباراتية أمريكية، قالت إن الحكومة الأفغانية قد تسقط فى يد طالبان خلال ستة أشهر، ويتوقع محللون آخرون أن تشهد أفغانستان حربًا أهلية طويلة الأمد، فيما
لو لم تتمكن طالبان من السيطرة على السلطة فى البلاد.

فى نفس السياق، أشار تقرير لموقع «فالداى كلوب» الروسى إلى أن كل الدول الكبرى فى المنطقة -باستثناء الهند- أقامت علاقات مع طالبان من أجل الاستعداد للانسحاب الأمريكى، الذى كان واضحا أنه سيتم عاجلا أم آجلا. وتبدو روسيا بشكل خاص فى موقع جيد فيما يتعلق بالوساطة للتوصل إلى توافق إقليمى حول مستقبل أفغانستان، باعتبار أن علاقاتها جيدة مع الهند والصين وباكستان.

وأشار الموقع إلى أن أكبر مشكلة ستواجهه أفغانستان وأكبر معضلة للقوى الإقليمية هى العلاقة بين طالبان والمجموعات العرقية من غير البشتون، التى حارب أغلبها ضد طالبان خلال التسعينيات. فهل سيتمكن هذا التنظيم من التوصل إلى اتفاق مع هذه العرقيات ويسمح لها بنوع من الحكم الذاتى المحلى؟ وفى حال فشل طالبان فى التحالف مع هذه المجموعات العرقية، ما هو الدعم الذى قد تحصل عليه هذه المجموعات من الولايات المتحدة والقوى الإقليمية؟

أوضح الموقع الروسى فى تقريره أنه فى حال عدم التوصل لاتفاق بين طالبان وممثلى المجموعات العرقية من غير البشتون، فإن أفغانستان سوف تواجه احتمال الغرق فى حرب أهلية لا نهاية لها تؤدى إلى تدفق اللاجئين والمخدرات والإرهابيين على الدول المجاورة والقارة الأوروبية. بناء على ذلك، تتمثل أول مهمة يجب أن تسعى لإنجازها الدبلوماسية الإقليمية فى عقد اتفاق من هذا النوع. أما الهدف الثانى فهو منع أفغانستان من التحول مجددا لقاعدة خلفية للإرهاب الدولى، خاصة أن الولايات المتحدة وروسيا تعرضتا للعديد من الهجمات من هذا النوع.

وفى ظل الحديث عن مستقبل أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكى، فإن هناك أمرَا آخر لا يقل أهمية يتعلق بمصير عشرات الآلاف من الأفغان ممن عملوا مع القوات الأمريكية، حيث أن هؤلاء يخشون أعمالَا انتقامية بعد انسحاب القوات الأمريكية، وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية فى تقرير مطول أن سعى القوات الأمريكية لإتمام انسحابها من أفغانستان بعد حوالى 20 عاما من الوجود العسكرى بسبب تصاعد وتيرة هجمات حركة طالبان، يضع مصير عشرات الآلاف من الأفغان الذين عملوا بشكل وثيق مع الولايات المتحدة على المحك.

وقد صرح الرئيس الأمريكى جو بايدن بأن الحلفاء الأفغان الذين تعاونوا مع القوات الأمريكية فى أفغانستان مترجمين أو سائقين أو فى مهام أخرى، سيتم نقلهم لأماكن أخرى من أجل سلامتهم، ولن يتم التخلى عنهم، مما قد يعنى إجلاء عشرات الآلاف خاصة وأن تهديد عودة طالبان لتصدر المشهد مجددا فى أفغانستان يلوح فى الأفق.

وأكد التقرير أن الإعلان عن هذه الخطوة يعيد لأذهان المتتبعين لتاريخ الحروب الأمريكية فى الخارج ذكريات سنوات خلت فى كل من فيتنام والعراق، مضيفا أنه خلال الأيام الفوضوية الأخيرة لحرب فيتنام، اضطرت الولايات المتحدة بعد إعلان القوات الشيوعية لفيتنام الشمالية النصر إلى إجلاء الآلاف من الفيتناميين الجنوبيين. كما منحت السلطات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة عددا محدودا من التأشيرات للمترجمين الفوريين وغيرهم من المتعاونين مع الجيش الأمريكى فى العراق.

وأشار كاتب التقرير إلى انتقاد مدافعين عمن تركوا وحيدين يواجهون مصيرهم فى بلدانهم تلك الجهود، معتبرين أنها إجراءات «بطيئة» و«غير كافية» فى ظل ضرورة ملحة.

وقد أشارت تقديرات جماعات من المتطوعين إلى أن ما لا يقل عن ألف مترجم محلى عملوا مع القوات الأمريكية فى أفغانستان والعراق لقوا حتفهم، فى حين ينتظر العديد ممن تبقى منهم الحصول على تأشيرات من السلطات الأمريكية.

وذكّرت الصحيفة الأمريكية بأنه عندما قرر الرئيس الأمريكى نيكسون سحب قوات بلاده من جانب واحد من فيتنام عام 1973 ونجحت القوات الفيتنامية الشمالية فى الدخول إلى سايجون بعدها بعامين، تم إجلاء حوالى 7 آلاف شخص من الأمريكيين والفيتناميين الجنوبيين باستخدام المروحيات خلال عملية عرفت باسم «الرياح المتواترة» (Operation Frequent Wind)، مما يجعلها أكبر عملية إجلاء باستخدام هذا النوع من الطائرات فى التاريخ.

واستطاع كثيرون آخرون الخروج بمفردهم من البلاد، وخلال عام 1975 وحده استقدمت الولايات المتحدة فى المجموع أكثر من 100 ألف شخص إلى جزيرة جوام فى المحيط الهادى لمعالجتهم قبل نقلهم للولايات المتحدة، وقد أشار بعض المشرعين إلى أن هذه الجزيرة يمكنها أن تلعب دورا مماثلا لمن تم أو سيتم إجلاؤهم من أفغانستان.