رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

إثيوبيا..دولة تخوض المعارك بلا جيش

499

فشلت الحملة العسكرية، التى شنها رئيس الوزراء الإثيوبى أبي أحمد، قبل 8 أشهر، على إقليم تيجراى، وأدت إلى انكسار الجيش الإثيوبى، وهزيمة 8 فرق كاملة، والتحول من وضعية الهجوم، إلى الدفاع عن الإقليم الآخر. وانتصرت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى بزعامة ديبرصيون جبراميكائيل، وقائد قوات دفاع تيجراى، واستعادت العاصمة ميكلى من قبضة الفرقة 23 التابعة للجيش الإثيوبى وأسر أكثر من 7 آلاف جندى، وأضحت إثيوبيا دولة بلا جيش، ينتشر بها قطاع الطرق، ويديرها حكام الأقاليم وقادة القوات الخاصة، ولم تعد هناك سيادة لرئيس الوزراء على الأقاليم، والدولة على مشارف الانهيار.

عمرو حسين

بدأت التوترات بين رئيس الوزراء الإثيوبى، وحاكم إقليم تيجراى، على خلفية الانتخابات التى أجراها الأخير فى سبتمبر 2020 ورفضه مخالفة الدستور. رأى أحمد (44 عاما) أن ذلك تعدٍ على قراره بتأجيل الانتخابات. وتحت ذريعة التعدى على القيادة الشمالية للجيش فى تيجراى، أعطى أوامره للجيش الفيدرالى فى الرابع من نوفمبر 2020، بشن هجوم عسكرى ضد قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى. رفض ديبراصيون هذه الاتهامات، وقال إن القيادة الشمالية للجيش الفيدرالى انحازت للدستور وقامت بحماية الانتخابات، وانشقت القيادة الشمالية وأعلنت الولاء لحاكم إقليم تيجراى، اعتراضا على هيمنة أبى أحمد على الحياة السياسية فى إثيوبيا، واتباعه سياسات تمكين لصالح الأمهرة والأورمو اللتين ينتمى إليهما.

وجاءت تحذيرات الخبراء أن قدرات الجيش الإثيوبى لا تستطيع مجابهة قوات دفاع تيجراى، لما يتمتع به رجال التيجراى من تاريخ عسكرى ممتد إلى ما قبل قيام دولة إثيوبيا بشكلها الحالى، فقد خاض عشرات الآلاف من جماعة التيجراى الحروب ضد جماعة إريتريا، والتيجراوين هم المكون الرئيسى للقوات الفيدرالية فى القيادة الشمالية، وهذا يعنى أن نصف الجيش فى الجنوب، يواجه النصف الآخر فى الشمال.

وزير عنيد

لم يستجب رئيس الوزراء إلى آراء الخبراء، وكذلك النداءات الدولية، بعدم إشراك الجيش فى القضايا السياسة الداخلية، ولقى الجيش الإثيوبى هزيمة ثقيلة ولم يتمكن من دخول إقليم تيجراى، وتصدت قوات دفاع تيجراى، وأسقطت عشرات العسكريين فى الهجوم البرى. ما دفع «أبى أحمد» لاتخاذ قرار فى 6 نوفمبر، بعزل قائد الجيش آدم محمد (من الأورمو)، ورئيس المخابرات وإقالة وزير الخارجية، وعين برهان جولا قائدًا جديدًا للجيش، وديميكى ميكونين وزيرًا للخارجية، وتيميسجين تيرونيه، رئيسًا للمخابرات.

حملة دولية

قاد رئيس الوزراء الإثيوبى حملة عسكرية جديدة، فى 8 نوفمبر، شارك فيها رئيس إريتريا أسياس أفورقى بقوات مسلحة، واستخدم فيها الجيش الفيدرالى، الطائرات لتنفيذ هجوم جوى، أقلعت من القاعدة العسكرية فى مدينة بحر دار فى منطقة أمهرة، فى إشارة واضحة إلى التحالف بين الأمهرة والأورومو. ومدت القوات الإريترية غطاء جوى بالمدفعية وقوات برية، وقال أبى أحمد، إن العملية ستنتهى «سريعا» وإنّ خصومه سيخسرون «لا محالة».

الهزيمة الثانية

لم تتمكن الحملة الثانية من اختراق الإقليم، ولاقت هزيمة أخرى. لجأ أبى أحمد إلى الرئيس الصومالى محمد عبد الله فرماجو، للموافقة على سحب 3 آلاف جندى إثيوبى من الصومال، كانوا يساعدون الحكومة الصومالية فى مكافحة تمرد حركة الشباب، تم سحبهم لتعزيز جهود الجيش الفيدرالى فى العملية العسكرية على قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى. يشار إلى أن القوات التى تم سحبها، تابعة لقوات الدفاع الوطنى الإثيوبية ولا تتبع قيادة قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقى فى الصومال.

سقوط ميكيلى

وبالفعل أعادت القوات المشتركة (إثيوبيا وإريتريا والقادمة من الصومال) نشر 3 آلاف جندى لمساعدة الجيش الفيدرالى فى هجوم تيجراي، مع الهجوم الجوى والقصف المدفعى. وبعد أسبوعين، من إطلاق الحملة العسكرية الفيدرالية، أكد رئيس وزراء إثيوبيا سقوط ميكيلى عاصمة إقليم تيجراى فى قبضة الجيش معلنا أن العمليات العسكرية «أُنجزت» وأن الأمور باتت تحت السيطرة.

ومع إعلان انتصار أبى أحمد فى أواخر نوفمبر، أخذ الصراع شكلا جديدا، واتجهت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى إلى القتال فى الجبال والغابات، واستمر الصراع المسلح، وشهدت الإقليم تطهير عرقى إلى الاغتصاب وأزمة غذائية طاحنة، وعمدت القوات الإريترية إلى قتل «مئات المدنيين» فى بلدة أكسوم، وجرائم ضد الإنسانية حسب تقارير المنظمات الدولية ذات الصلة.

جرائم حرب

مع تصاعد حدة الجرائم، وارتفاع عدد اللاجئين والنازحين، تحركت المنظمات الدولية للعب دورا فى إنقاذ ملايين البشر، الذين يسكنون الإقليم، وطالبت بسحب القوات البرية الإريترية. فى بادئ الأمر، نفت إثيوبيا وإريتريا لأشهر أى انخراط للقوات الإريترية فى الصراع. ومنع رئيس الوزراء الإثيوبى – حاصل على نوبل فى السلام – وصول المساعدات الإنسانية ومساعدة الجرحى والمصابين.

مقاومة

حث زعيم إقليم تيجراى ديبراصيون جبراميكائيل، قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى، على عدم الاكتفاء بالدفاع والمعارك فى جبال تيجراى، بل إجراء تطورات نوعية فى الهجوم على الزهرة الجميلة (أديس أبابا) والوقوف فى وجه أبى أحمد. وفى أولى عمليات (الذئاب المنفردة)، نجحت قوات الأمن فى إثيوبيا، من ضبط 23 علبة كرتون تحتوى على متفجرات كانت فى طريقها إلى أديس أبابا قادمة من تيجراي.

كذب وخداع

تدخلت الولايات المتحدة فى الأزمة، وأوفد الرئيس الأمريكى مبعوثا خاصا للوقوف على الوضع الإنسانى فى إقليم تيجراى، إلا أن رئيس وزراء إثيوبيا فى 23 مارس، مارس الخداع والكذب، حيث اعتراف بوجود القوات الإريترية فى الإقليم، وقال إن هذه القوات ارتكبت فظاعات فى الإقليم، وتوجه إلى العاصمة الإريترية أسمرة؛ للقاء الرئيس الإريترى أسياس أفورقي، ووافق أفورقى على سحب القوات. إلا أن الأمور لم تتغير على الأرض.

وتدخلت الأمم المتحدة فى 15 أبريل، وأكدت من خلال موظفيها والمنظمات الدولية العاملة فى إثيوبيا، أن القوات الإريترية لم تنسحب وإنما ارتدت الزى العسكرى الإثيوبى، ومازالت تمارس جرائم ضد الإنسانية فى الإقليم. ما أسفر عن تزايد الغضب الدولى تجاه الرئيس الحاصل على نوبل، وشريكه فى السلام أفورقى، وفى نهاية مايو دعا الرئيس الأمريكى جو بايدن إلى وقف إطلاق النار ووقف انتهاكات حقوق الإنسان. واستمرت القوات الإريترية فى التواجد داخل الإقليم.

وقال تقرير لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فى 9 يونيو، إن الجيش الصومالى شارك فى حرب تيجراى مع القوات الإريترية، واستشهد التقرير بمعلومات موثوقة تفيد بأن جنود صوماليين تم نقلهم إلى الخطوط الأمامية فى تيجراي.

تدمير نصف الجيش

وفى 17 يونيو، أخذت قوات دفاع تيجراى زمام المبادرة، واستعادت خلال خوضها سلسلة من المعارك، سيطرتها على الأراضى ودمرت 8 فرق من الجيش الإثيوبى (أى نصف قوته القتالية).

ردا على هجوم قوات دفاع تيجراى، شنت القوات الإثيوبية والإريترية فى 22 يونيو، غارة جوية على سوق، أسفرت عن مقتل 64 مدنيا وإصابة 180 آخرين فى هجوم دموى على منطقة توجوجا، ودافع الجيش الإثيوبى عن نفسه قائلا إن الهجوم استهدف مقاتلين متمردين. وبعد 3 أيام أعلنت منظمة «أطباء بلا حدود» مقتل إسبانى وموظفين إثيوبيين يعملان معها فى تيجراي.

انكسار الجيش

وبعد 8 أشهر من الصراع، تمكنت قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، فى 28 يونيو، من القضاء على باقى قوات الجيش الإثيوبى، والسيطرة على مدينة ميكلى عاصمة الإقليم، وأعلنت حكومة أبى أحمد وقف إطلاق النار من جانب واحد، ما يعنى إعلان الهزيمة، وبرر انسحابه قائلا: «إن الجيش انسحب من ميكلى عاصمة إقليم تيجراي؛ لأنها لم تعد محورًا للصراعات».

وردا على تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبى، قال المتحدث الرسمى باسم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، جيتاشو رضا: «سيتم تأجيل الاحتفال بالانتصار.. استعادة ميكلى ما هى إلا البداية.. وأن  قوات الجبهة ستحتفل بعد دخول إريتريا وإقليم الأمهرة؛ للقضاء نهائيا على قوات العدو». ويرى الخبراء، أن الإعلان عن دخول أمهرة هو أمر بديهى، بسبب العداء الإثنى بين التيجراى والأمهرة، ولكن التصريح بدخول إريتريا، لا يعنى مواجهة عسكرية مع قوات أفورقى، وإنما دعم المعارضة المسلحة الإريترية (الكناما) فى مواجهة أفورقى، وهذا ما يحسب له النظام الإريترى ألف حساب، وكأن أصابع أفورقى ستحترق بالنار التى أضرمها فى تيجراى.

الحصار وتدمير السد

وبعد انسحابها من تيجراى، فرضت القوات الفيدرالية الإثيوبية مع القوات الإريترية، فى
3 يوليو، حصارا على الإقليم وقامت بتدمير سد تيكيزى؛ بهدف قطع الطرق العابرة للنهر والمؤدية إلى الإقليم، وتدمير محطة الكهرباء الملحقة بالسد، لقطع الكهرباء عن الإقليم، والقضاء على المياه المخزنة خلف السد، وتوقف محطات مياه الشرب.

شروط تيجراى.

وضعت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى شروطا للتفاوض مع الحكومة، تلقى ضمانات بمنع أى تدخل عسكرى جديد فى الإقليم، انسحاب قوات إريتريا وإقليم أمهرة إلى مواقع ما قبل 4 نوفمبر، ضمان الوصول الكامل للمساعدات إلى تيجراي، استئناف تقديم الخدمات الأساسية على كامل النطاق إلى الإقليم، بما فى ذلك إمدادات الكهرباء والاتصالات والخدمات المصرفية والصحية والتعليمية، تشكل الأمم المتحدة هيئة مستقلة للتحقيق فى جرائم حرب فى تيجراي، الإفراج عن كل الزعماء السياسيين والعناصر فى القوات المسلحة المنتمين لتيجراى، إنشاء هيئة دولية ستشرف على تطبيق أى هدنة محتملة.

مسيرة الأسرى

ولتفنيد إعلان الانسحاب الذى قاله رئيس الوزراء، والتأكيد أنها هزيمة كبيرة ألحقت بالفرقة 23 من الجيش الإثيوبى، نفذت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، فى 5 يوليو، مسيرة لـ 7 آلاف أسير من الجيش الإثيوبى يسيرون باتجاه مركز إعادة التأهيل فى العاصمة ميكلي.

هجوم على أمهرة

ومع عدم قبول شروط التفاوض، ورغم تدمير الجسور والبنية التحتية، تمكنت قوات دفاع تيجراي، فى 13 يوليو، من عبور نهر تيكيزي، فى أضيق نقاطه سيرا على الأقدام باتجاه إقليم الأمهرة، وسيطرت على مدن «أمبا ميدرى» و«ماى صبري» و«ماى سمري»، وأسقطت مدينة «عدى أركاى»، وحاصروا «الحمرة» حتى سقطت فى قبضت الجبهة، وسيطروا على مطار الحمرة، وكلها مدن كانت تحت سيطرة الأمهرة.

كل جماعة تحمى نفسها

وبعد ذيوع الانتصارات للتيجراى وسقوط الجيش الفيدرالى، ومن بعده قوات إقليم الأمهرة، تمكنت «حركة تحرير شعب بنى شنقول»، من السيطرة على معسكرين للجيش الإثيوبى بمنطقة «جوبا» والتى تبعد بحوالى 70 كيلومترا من موقع سد النهضة.

لم يجد رئيس الوزراء الإثيوبى، من يلقى له طوق نجاة وسط بحور الدماء التى فجرها فى كل إثيوبيا، خرج صارخا فى بيان 14 يوليو، يوجه انتقادات شديدة إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، ويتهمها بتأجيج الصراعات فى البلاد. واصفها بأنها «أسوأ عدو لإثيوبيا».

ودخل معطى جديد على الصراع فى تيجراى، بعد إعلان قوات أمن ولاية أوروميا، الانضمام إلى قوات الجيش الفيدرالى؛ وفقا لتسفاى دابا واكجيرا نائب النائب العام للولاية وعضو مجلس نواب. مؤكدا أنهم سيكونون فى جبهات القتال فى عفر وأمهرة.

وجه رئيس منطقة عفر، آوول أربا، دعوة لسكان إقليم العفر الواقع شرقى تيجراي، لمواجهة قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى، مسلطا الضوء على مخاطر تمدد النزاع الدائر فى تيجراى إلى بقية مناطق إثيوبيا.

أعلن حاكم منطقة أمهرة الإثيوبية، أجيجنهو تيشاجر، فى بيان رسمى، التعبئة العامة فى الإقليم، على المستوى الحكومى والفردى، وحث السكان ممن لديهم أسلحة على مقاتلة المتمردين فى إقليم تيجراي، فى إطار حملة أطلقها تحت شعار  «حملة من أجل إنقاذ شعب أمهرة». متابعا: «ندعو عامة الشعب للوقوف إلى جانبنا.

الآن الشعب إلى جانبنا على كل الأصعدة.. الدعم الذى نتلقاه من الموظفين الحكوميين فى المنطقة كبير جدا. نحن فخورون بذلك».

قام رئيس الوزراء الإثيوبي، فى 3 أغسطس، بزيارة لجبهة القتال فى عفر، مرتديا الزى العسكرى، تفقد خلالها غرفة العمليات العسكرية فى الإقليم العفرى وكان فى استقبالهم، رئيس الإقليم العفرى والقائد العام للقوات العفرية «أول عربا»، والذى لا يخضع لقيادة الجيش الفيدرالى، وإنما لحاكم جماعة العفر، أى أن رئيس الوزراء أصبح لا يملك من قوات الجيش سوى البدلة العسكرية التى يرتديها.

خلاصة القول إنه لا يوجد جيش الآن على المستوى الوطنى الإثيوبى، وإنما قوات خاصة لكل إقليم، تخضع هذه القوات تحت نوعين من الإدارة، أولهما الإدارة الإثنية وهى حاكم الإقليم ووزير دفاعه (قائد القوات) الذى يعطى تعليمات بالتعبئة العامة، لصد الاعتداء على أرض الجماعة الإثنية وأهلها، ويحدد النطاق العملياتى والمكانى الذى تتحرك فيه هذه القوات. وثانيهما رئيس الوزراء الإثيوبى، الذى يقدم التسليح المطلوب، وليس له أى صلة بتحركات القوات وأولوية أهدافها، فمثلا لا يملك أن يحرك قوات من إقليم أمهرة على جبهة القتال فى عفر أو العكس.

ومن المرجح أن يتمكن رئس الوزراء من إقناع حكام الإقليم الآخر، كما فى أمهرة وجامبيلا وسيداما، من المشاركة بقوات فى جبهتى الأمهرة والعفر، ويكون مرجع ذلك التحرك هو رؤية حكام الإقليم بصد الخطر فى أرض الغير قبل أن يأتى إلى أرض الجماعة، وليس له إى علاقة بالدولة الفيدرالية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، ولا يوجد حاليا ما يمكن أن نطلق عليه الجيش الإثيوبى.

ومن جهة أخرى يواجه الرئيس الإريترى أسياس أفورقي، لحظة حاسمة، لأنه من وجهة نظر الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى، لا يمكن أن يكون الإقليم آمنًا فى ظل بقاء أفورقى فى السلطة الإريترية. وبالتالي، قد تكون هناك معركة كبرى أخرى تلوح فى الأفق.