رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

لقد كرّمنا بنى آدم (1)

302

سخّر الله للإنسان – وخلافًا لكل الخلائق الأخرى – ما فى الأرض، ويسر له مأكله ومشربه ومتّعه بسائر الطيبات،
وطوَّع له وسائل الانتقال فى البر والبحر لقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً» (الإسراء 70).

وتجلى إكرام الله للبشر بأن منحهم العقل، بل جعل العقل مناط التكليف، بمعنى أنه لا تكاليف يخاطبه بها الشرع إن لم يكن صاحب عقل سليم، ولما رُفع التكليف رُفع أيضًا الحساب عنه.

فإنه سبحانه إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب، ولم يكن العقل فى الإنسان ترفًا، بل هو منشأ التفكير والتدبر وأساس الإدراك والاستيعاب.

ومظاهر تكريم الله سبحانه تعالى للإنسان تظهر فى وجوه كثيرة يمكن إجمال مظاهرها فى أن الله أكرم الإنسان بأن خلقه وأوجده من العدم وهذا فيه تشريف وتكريم، حيث كان الخلق متزامنًا مع تكليفه بمهمة عمارة الأرض، لقوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقرة 30).

كما ظهر التكريم الإلهى من خلال أمر الله للملائكة بالسجود لأول البشر آدم عليه السلام، وأيضًا جاء التكريم بأن أحسن الله تعالى صورة الإنسان وأحسن خلقته، مصداقًا لقوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» (التين 4)، فيمشى قائمًا منتصبًا على قدميه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا.

ولقوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ» (غافر 64).

فقد خلق الله بنى آدم فى أكمل هيئة وأحسن تقويم، ثم كرمه بأن نفخ فيه من روحه على وجه الاختصاص، فلم ينل هذا الفضل أحد سوى الإنسان، قال تعالى: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (ص 71-72)، والسجود لآدم هنا ليس عبادة له، وإنما هو تكريم وتحية وتبجيل لمخلوق له خصائص لا توجد فى مخلوقات أخرى.

وقد جعل الله خلق الإنسان على الفطرة السليمة، ويعنى هذا أن الله أودع فى تكوينه هدى من شأنه أن يقود خطاه إلى الصراط المستقيم من توحيد الله وعبادته، وتحقيقًا لثبات هذه الفطرة من الزلل فقد أيده – سبحانه – بالرسل والأنبياء وأنزل معهم وحى السماء، ليبينوا للناس طرق العبادة وسُبل النجاة.

وللإمام محمد متولى الشعراوى – رحمه الله – فتح فى تفسير آية التكريم، جاء فيه: هل هناك تكريم لبنى آدم أعظم من أن يعد لهم مقومات حياتهم قبل أن يخلقهم؟

لقد رتب لهم الكون وخلق من أجلهم الأشياء، «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً» (البقرة 29).

إذن فكل ما فى الوجود مسخر لكم من قبل أن توجدوا، لأن خلق الله تالى إما خادم وإما مخدوم، وأنت أيها الإنسان مخدوم من كل أجناس الكون.

ألم يقل الحق سبحانه: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» (الرعد 11).

فمع كل إنسان حفظة من الملائكة يحفظونه تعالى بين يديه ومن خلفه، وقال تعالى: «فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً» (النازعات 5).

فالكون كله يدور من أجلك وفى خدمتك، يعطيك عطاء دائمًا لا ينقطع دون سعى منك، لذلك نقول: كان من الواجب على العقل المجرد أن يقف وقفة تأمل وتدبر وتفكر؛ ليصل إلى حل للغز الكون، وليهتدى إلى أن له خالقًا مبدعًا، يكفى أن أنظر إلى آيات الله، التى تخدمنى وليس لى قدرة عليها، وليست تحت سيطرتى، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء والمطر والسحاب، كلها تعطينى وتمدنى دون قدرة لى عليها، أليس من الواجب عليك عدلاً أن تقول: من الذى أعد لى كل هذه الأشياء، التى ما ادعاها أحد لنفسه؟

كان على الإنسان أن يُعمل عقله وفكره فى معطيات الكون، التى تخدمه وتُسخر من أجله، وهى لا تأمر بأمره ولا تخضع لقدرته.

ويدعو القرآن الكريم الإنسان دائمًا إلى التفكر وإلى التأمل حتى يعى وحتى يدرك ويفسر ما حوله، فقد جاء القرآن بتمجيد العقل وبيان مكانته، فبين أن أهل العقول هم المتفكرون دائمًا فى عظمة الله، وهم المقربون إلى ربهم، فهذه هى وظيفة العقل فى القرآن، وفى السُنّة المطهرة، فقد علّق النبى صلى الله عليه وسلم التكليف والمؤاخذة والثواب والعقاب على وجود العقل واستقراره.

ولقد كرّم الله الإنسان بالعقل وبيّن منزلته وأهميته فى القرآن الكريم، فالعقل ميزة الإنسان لأنه منشأ الفكر وله القدرة على الإدراك والتدبر، وينحط ويفسد باجتناب الحق واتباع الهوى، فالعقل مناط التكليف وأساسه؛ لأن التكليف خطاب من الله ولا يتلقى ذلك الخطاب إلا من يعقل، وترجع أهمية العقاب فى القرآن الكريم إلى أن العقل أداة التمييز والفهم والإدراك وبه ميّز الله الإنسان عن سائر الخلق.

وقد أمرنا الله عز وجل بالتدبر فى القرآن وفهم معانيه، والتدبر فى خلقه وكونه لقوله تعالى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» (محمد 24).

فربط بين العقل والإيمان، فالعقل يأخذ من الدين منهاجًا له فى حركته وفعله واستنتاجه، فالإسلام دين الفطرة السليمة ورسالة للإنسانية فى اعتداله وقيمه وإنسانيته، فأحكامه وتوجيهاته مستساغة عقلاً، ومبرهنة منطقًا، مألوفة فطرة، مستحسنة عرفًا، وهذا ما عبّر عنه بتطابق المنقول مع المعقول.

ولقد اختلف العلماء فى بيان أوجه التكريم فى الإنسان فمنهم من قال: كرم بالعقل، وآخر قال: كرم بالتمييز، وآخر قال: كرم بالاختيار، ومنهم من قال: كرم الإنسان بأنه يسير مرفوع القامة لا منحنيًا إلى الأرض كالأنعام، ومنهم من يرى أنه كرم بأن يأكل بيديه لا بفمه كالبهائم.

ولكن الخصوصية فى التكريم تجىء من أن الحق سبحانه خلق الكون كله بكلمة (كن) إلا آدم فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه.

قال تعالى: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» (ص 75).

فقمة التكريم أن خلق الله تعالى آدم بيده، بدليل أن الله جعلها حيثية له، ونال بذلك شرفًا عظيمًا، فخلق آدم كان فيه عناية زائدة وتشريف اتصال بالمولى عز وجل.