30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

ثقافة الحوار والجوار.. حاجة أم رفاهية؟

28

هل بات الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ضرورة حتمية أم رفاهية يمكن الاستغناء عنها سيما فى منطقة الشرق الأوسط تلك الملتهبة منذ عقود ستة ومع قيام دولة إسرائيل على نحو خاص؟

فى هذا السياق يمكننا قطعا أن نشير إلى أن ظلام الأصوليات الدينية، وتطرف الموجات العلمانية التى ملأت الساحات العالمية فى النصف الأخير من القرن المنصرم وتجاوزت الأديان السماوية إلى العقائد الوضعية قد أثرت بالسلب على مسيرة الحوار وبات الآخر متحفزا لمن عاداه وظهرت على السطح نظريات الصدام ومن ثم تقسيم العالم كما فعل هنتنجتون إلى معسكرين إسلامى كونفوشيوسى فى مقابل معسكر مسيحى يهودى أى أن الغرب فى مواجهة حتمية مع الشرق، وقاد هذا الفكر إلى حروب ظلامية فى أفغانستان والعراق وإلى تجذير الكراهية ونمو الراديكاليات من جديد وباتت الإشكالية الحقيقية تتلخص فى طريقة فهم كل طرف لدين الآخر وثقافته تلك التى تتحكم فيها عوامل متعلقة بالتكوين النفسى والتكوين الثقافى والموروث المجتمعي، وكل هذا يتطلب من كل طرف مراجعة تصوراته النمطية التاريخية عن الآخر بإعادة النظر فى المناهج التربوية والتعليمية وإعادة قراءة وتحليل وتفكيك الخطابين الثقافى والدينى ثم التاريخى والإعلامى من أجل تنقيتهم من بذور الغلو والكراهية.

فى هذا الإطار بدا واضحا أنه من واجبنا جميعا أن نسعى لتعليم دينى يحتضن الإنسان لكونه إنسانا لا لكونه مسلما أو مسيحيا او يهوديا، ويؤكد على حقوقه وكرامته ومصداقا لقوله تعالى، «ولقد كرمنا بنى آدم» وكذلك العمل على إزالة الركام الثقيل من سوء الفهم وإساءة الظن وأوجه التشكيك والارتياب والتشويه لدى كل طرف تجاه الآخر، وقد ساعد على تضخيم هذا الركام السيئ أصحاب السياسات العدوانية والأهواء والمصالح من جانب وكذلك أصحاب المنهج التصادمى لدى كل دين من جانب آخر وعبر استغلال وسائل الإعلام والمنابر الدينية والثقافية والسياسية لترويج الصورة العدائية لكل طرف ضد الآخر من أجل أهداف سياسية وأيديولوجية.

وإذا كان هذا هو واقع حال الكرة الأرضية والشرق الأوسط منها فى القلب فهل نرفع الراية البيضاء ونستسلم للنظريات التى تسعى لتحقيق ذاتها بذاتها وحتى لو كانت من قبيل النبوءات الكاذبة وبذلك نضحى مفرطين فى الأمانة الأدبية والمسئولية الأخلاقية والروح الإيمانية تجاه أوطاننا وأجيالنا القادمة؟ أم نمضى فى طريق الحوار مهما كلفنا من جهد جهيد لتعبيد العقول والأفئدة للوصول إلى أرضية مشتركة تخفف من أسباب التوتر وتعمل على إزالة ذلك الركام وتساعد على تفعيل القواسم المشتركة وإزالة الجفوة والصورة السلبية بين أبناء المنطقة؟
الثابت أن ما يعرقل الحوار بين البشر هو أن كل واحد منهم يصر على أن يبدأ الحوار مع الآخر من نقطة لا يمكن تحقيق مبدأ الاشتراك فيها، ففى حوار الحضارات يبدأ الحوار من منطلق دينى وذلك استنادا إلى كل حضارة إنما تأسست على أرضية دين من الأديان والناظر فى الدين يجده عقائد وعبادات ومعاملات ثم نسقا من القيم.

وإذا كان الحوار محمود فى المعاملات الحياتية والشئون الثقافية والاقتصادية عبر قنوات الحوار المختلفة، فإنه من لهو الحديث الكلام عن الجدالات العقائدية، ذلك أنها من المطلقات التى لا تقبل القسمة فى حين تبقى الخبرات الأرضية قابلة للتشارك بين البشر.
تبقى المعاملات وما يظلها من نسق للقيم تقدم أرضية ثابتة مكينة لحوار مثمر يعمه الاتفاق ويقود إلى الوفاق، كذلك كانت المعاملات والقيم الأخلاقية جانبا مشتركا بين الأديان جميعا، لا يختلف فيها دين عن دين أو شريعة عن شريعة فالمعاملات والقيم بوابة مشتركة لحوار جامع تجد فيه النفس أنها أمام خطاب واحد تشعر معه بوحدة المصدر فى الشرائع الأخلاقية فينأى بها هذا الشعور عن التردى فى وهدة الخلاف او الجدل العقيم، فأولى مراحل الحوار المثمر بين الأديان أو بين الحضارات المتدينة هو حوار الأخلاق والمعاملات الذى يقوم على استحضار وحدة المصدر فى الشرائع الأخلاقية ويحقق كلمة سواء يلتقى عندها البشر جميعا من دون أن يستغرب الواحد منهم شيئا من أخيه، ويكون الكل قد دخل من بوابة جامعة واستظل بمظلة عميقة لا خلاف من تحتها ولا شقاق بل الكل فى كنفها سواء ورفاق.

ولعل التساؤل الرئيس: هل من علاقة بين الحوار والاستقرار والتنمية والسلم؟

بالقطع نعم، ذلك أن الحوار يعنى المعرفة إذ يساعد عليها ويمهد الطريق للتنوير والذى هو جزء لا يتجزأ من التقدم والمساعدة على نهضة الفكر والعالم هو من أهم الأساسات التى بنيت عليه الدول الكبرى والنهضة فى أوروبا ولا شك أنها فى البداية بنيت على النهضة العربية سواء كانت إسلامية أو مسيحية.

تقدم الديانات إسهامات عديدة إلى ثقافات العالم للتصدى للتأثيرات السلبية لظاهرة العولمة الآخذة بالانتشار سريعا، وفيما كثيرون مستعدون للإشارة إلى الخلافات بين الديانات والتى يمكن الكشف عنها بسهولة نجد أنفسنا كمؤمنين أمام تحدى الإعلان بوضوح عما لدينا من قواسم مشتركة.

والمقطوع به ان طريق الحوار ليس سخاءً رخاءً على الدوام ولم يكن كذلك صفاءً ذلالا فى كل مراحله التاريخية وقد تبدو فى بعض الأحيان الخلافات التى نعالجها فى الحوار الدينى المشترك كحواجز، ومع ذلك فهى لا تقتضى تعتيم المعنى المشترك للمخاوف الوقورة واحترام الطابع الجامع والمطلق، والحقيقة التى تدفع بالدرجة الأولى المؤمنين الى إقامة علاقات الواحد مع الآخر.

يمكننا القول إن ثقافة الحوار وثقافة السلام متلازمتان وربما وجب علينا أن نتعلم نحن أهل الشرق الأوسط والمنطقة العربية من الغرب خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، الاهتمام بقضية السلام وأن الحوار ما هو إلا وسيلة للوصول الى هذا الهدف الأسمى فى المجتمع والذى نسميه بالتعايش السلمى ذلك أنه اذا وجد السلام بين الأديان فلا شك سيحل بين الإنسان وأخيه الإنسان.