رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

مراكز أبحاث تزييف الوعي وصناعة الفوضى

171

 تقول الصحفية والمؤرخة البريطانية فرانسيس ستونور سوندرز «Frances Stonor Saunders»صاحبة كتاب «الحرب الباردة الثقافية من الذى دفع للزمار» –  (Who Paid the Piper) إن العظام والعقول التى طحنتها الحرب الثقافية الأمريكية والدول التى حطمتها تلك الحرب أكثر بكثير مما تم طحنه فى الحربين العالميتين الأولى والثانية.
كما يذكر ريتشارد كروسمان أن «أفضل طريقة لعمل دعاية ناجحة هى ألا يظهر عليك أبدًا أنك تعمل شيء».

خلال الأيام الماضية سيطرت الانتخابات الأمريكية على حديث الشارع السياسي، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي, وتحولت الصفحات إلى منصات تحليل سياسى تشعرك أن أصحابها يمتلكون رؤى بُنيت وفق معرفة عميقة بالداخل الأمريكي؛ على الجانب الآخر ظهر فصيل جديد يتعامل مع الانتخابات الأمريكية بمنطق مشجعى الفرق الكروية، وما بين ذلك وذاك وفى خضم الانشغال بالقادم الجديد إلى البيت الأبيض، كانت ثمة أدوات للمعركة الموجهة إلى الشرق الأوسط تعمل دون هوادة.
فى الوقت الذى عملت ترسانات صناعة الأسلحة على تطوير إنتاجها من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية رغم تشدق المنظمات الدولية بقراراتها بحظر أسلحة الدمار الشامل إلا أن الأخيرة كانت هى الورقة التى تعد بمثابة جواز المرور لتدمير الدول.

فى ذلك الوقت كان هناك سلاحًا أكثر فتكًا، فقد ظهرت نتائجه خلال الحرب الباردة (حرب العقول) بعد العمل لترسيخ مفاهيم ما يسمى بالديمقراطية الأمريكية، فتأسست المراكز البحثية والمراكز الثقافية وأُطلقت القنوات الفضائية وأُغدقت عليها الأموال، من أجل ترسيخ مفاهيم وتزييف وعى الشعوب المستهدفة.
حالة حرب تدور رحاها داخل العقول، وتطحن بها عظام الشعوب وتسحق الأوطان لتتغير معالم الخريطة.

(1)

إن ما جعلنى أعود للحديث مرة أخرى فى هذا الملف هو حجم التطور الكبير الذى شهده خلال الفترة الماضية، وحجم السهام التى حاولت تلك الأدوات توجيهها نحو الوطن (مصر)، فقد تحولت مراكز الأبحاث والدراسات المستهدفة تنمية الفكر وتحليل الأرقام وتقديم مشروع ثقافى وعلمى تتطور به الدول لنجدها تنشر الزيف والأكاذيب وتعمل على تضليل العقول.

إنها الحرب بكل أدواتها التقليدية وغير التقليدية، استهداف متواصل للشعوب من أجل رسم صورة ذهنية مغايرة تمامًا للحقيقة، وخلق حالة من الفوضى تقع الأوطان تحت رحاها.
خلال الشهر الماضى عمد أحد أفرع المراكز البحثية الأمريكية (مالكوم كير ـ كارنيجى للشرق الأوسط) والمتخذ من بيروت مقرًا لفرع الشرق الأوسط، على توجيه سهام الزيف للدولة المصرية بعد حصول فرع بيروت على دعم من الدولة القطرية 100 مليون دولار ضمن الهبات التى يتلقاها المركز الرئيسى فى واشنطن
(Carnegie Endowment for International Peace) والتى تجاوزت 262 مليون و904 ألف دولار فى العام المالى 2019 – 2020 حسب تقرير الموقف المالى الصادر عن المؤسسة والذى جاء فى 35 صفحة حملت بعض تفاصيل تلك الهبات.
وتعود بداية القصة إلى عام 1910 عندما أُنشئت مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى كمؤسسة خاصة غير ربحية تعمل على تعزيز التعاون بين الدول والترويج لدور الولايات المتحدة الفاعل على الساحة الدولية.
إلا أن الهدف الظاهر لم يكن له علاقة بالواقع، فالحقيقة أن المؤسسة لم تكن سوى إحدى أدوات الإدارة الأمريكية لتنفيذ استراتيجيتها على مستوى العالم، بدأت المؤسسة أول تجاربها بإنشاء فرع لمركز كارينجى فى موسكو عام 1994 وجمع عدد من الباحثين الروس الذين يؤمنون بالديمقراطية الأمريكية. .

ثم اتجهت المؤسسة للعمل فى منطقة الشرق الأوسط مع حرب الخليج الأولى بالتعاون مع العاصمة القطرية (الدوحة) وبدأ الحديث عن الديمقراطية الأمريكية واستهداف الأنظمة الحاكمة لتتحول المؤسسة المستهدفة لتعزيز التعاون بين الدول من أجل السلام إلى مؤسسة تنشر عدد من المراكز البحثية فى العالم (ظاهريًا لكنها فى الحقيقة مراكز لتوجيه العقول) تجمع 150 شخصية من أكثر من عشرين دولة يعملون فى ستة مراكز حصلت على الصبغة العالمية لتعمل معًا كشبكة واحدة تعمل تحت شعار تعزيز السلام الدولي، لكن أهداف تلك المراكز البحثية وبحسب صفحتها الرسمية تشمل ضمن أولوياتها البحثية أنظمة الحكم والاضطرابات.

(2)

يدرك من يتابع مسار تأسيس فروع كارينجى (رئيس مجلس الأمناء بينى بريتزكر وزير التجارة الأمريكية السابق) على مستوى العالم الهدف الحقيقى منها، خاصة أن أصولها بلغت أكثر من 400 مليون دولار.
بلغ حجم الهبات المقدمة لتلك الفروع عام 2020 فقط 262 مليون و904 ألف دولار، وقد شملت قائمة الدول المانحة للهبات قطر والولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا وألمانيا وخمس دول أخرى لم يذكرها التقرير.
بدأ التخطيط لإنشاء أول مركز للدراسات فى بكين عام 2005 تحت اسم “تسينجهوا للسياسات الأمنية”  (Tsinghua Center for Global Policy) إلا أن المركز لم يُفتَّتح إلا عام 2010، ليظهر بعد ذلك فرع لمؤسسة كارينجى فى بيروت عام 2006 تحت “اسم مركز مالكوم كير– كارنيجى للشرق الأوسط” والذى يستهدف بحسب بيان المركز توفير تحليلات معمّقة حول القضايا السياسية والاجتماعية – الاقتصادية والأمنية التى تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن الواقع كان غير ذلك تمامًا.

لم تكن التحليلات، كما ذكر المركز، (معمَّقة) ولكنها جاءت وفق هوى من يقدم الهدايا والهبات، شريطة ألا يتعارض مع ما تستهدفه واشنطن وتل أبيب من المنطقة.
فى مارس من نفس العام 2006، تم تأسيس ما يُسمى بأكاديمية التغير بلندن، والتى قدمت نموذج “حرب اللاعنف” الذى استهدف إحداث الفوضى فى المنطقة، أضافت الأخيرة أيضًا ضمن أغراضها (توفير البحث العلمى الذى يبنى قدرة المجتمعات للتحول الحضاري)، لكن الهدف الحقيقى كان الاستعداد لإشعال الفوضى فى المنطقة، فأسست فرع الأكاديمية بالدوحة فى 9 سبتمبر 2009 ليكون بمثابة نقطة تحرك نحو المنطقة العربية وخاصة الدولة المصرية وبالتعاون مع جماعة الإخوان الإرهابية التى دفعت بعناصرها للعمل فى تلك المراكز البحثية، وكان الهدف نشر الفوضى فى المنطقة العربية.

لم يكن تأسيس فرع مؤسسة كارينجى ببيروت فى نفس التوقيت الذى تأسست فيه أكاديمية التغيير من قبيل الصدفة، بل كان يستهدف إحكام مخطط تجهيز المنطقة لحالة الفوضى بنشر دراسات تقدم صورة غير واقعية تحت ستار الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والتغيير الديمقراطي، وتنظيم دورات تدريبية تُعقد وفق خطة مُمنهَجة تبدأ بالتدريب على ما يسمى بحرب اللاعنف لتصل إلى المواجهة مع أجهزة الدولة وخلق الفوضى وإسقاط المؤسسات خاصة المؤسسة الأمنية.
لم يقتصر الأمر على المنطقة فحسب بل امتد إلى الهند لتنشأ المؤسسة فرعًا لها فى نيودلهى
(CARNEGIE INDIA) تم افتتاحه فى إبريل عام 2016 رغم أنه كان من المقرر افتتاح ذلك المركز عام 2013 ليتأخر لمدة ثلاث سنوات لحين الاستقرار على الكوادر العاملة بالمركز الذى استهدف التركيز على الدراسات الأمنية الخاصة بالأوضاع فى الهند والمنطقة المحيطة بها.

(3)

خلال أكتوبر الماضى عقب تلقى مركز (مالكوم كير ـ كارنيجى للشرق الأوسط) هبة بلغت 100 مليون دولار فى شهر يونيو الماضي، بدأت عملية إعداد مجموعة من التقارير التى تستهدف الدولة المصرية فى ظل إشادة العديد من المؤسسات الدولية بقدرات الاقتصاد المصرى ضمن الاقتصاديات الناشئة ومواجهته جائحة كورونا رغم تعثر اقتصاديات دول كبرى.
فأصدر المركز ثلاثة تقارير كتبها “يزيد الصايغ”، وهو سورى الجنسية والباحث الرئيسى للمركز حول الاقتصاد المصرى محاولًا تقديم صورة غير صحيحة عن الاقتصاد المصرى رغم توافر البيانات سواء على صفحات المؤسسات الاقتصادية الدولية أو على صفحة مجلس الوزراء أو وزارة المالية، إلا أن يزيد الصايغ قدَّم محتوى لا يتحدث عن الاقتصاد بل يكشف حقيقة ما يقدمه من زيف ويوضح الهدف الرئيسي، وهو استهداف المؤسسة العسكرية ومحاولات تقديم صورة مضللة عما حققه الاقتصاد المصرى خلال الفترة الأخيرة (2014 – 2020).

المدقق فى التقارير التى قدمها “الصايغ” وبسمة المومنى وجورج العبد وشانا مرشال وإسحاق ديوان من أعضاء مركز كارينجى الشرق الأوسط خلال الشهر الماضى يتضح له من الوهلة الأولى الهدف الحقيقى من تلك التقارير، خاصة أن بعضها حاول، بجانب الحديث عن الاقتصاد، استهداف المؤسسة العسكرية والتى تُعد الهدف الأساسى لتقارير المركز الأمريكي، الذى حولته أموال الدوحة والمخابرات الإسرائيلية إلى بوق من أبواق التضليل وتزييف الوعى فى المنطقة.

إن تلك المراكز البحثية ليست سوى ستار يستهدف تزييف الوعى ونشر الأكاذيب من خلال تقارير معتمدة بخاتم مركز الأبحاث والدراسات العالمية وممهورة بتوقيع باحثين انتقتهم المخابرات الأمريكية بدقة شديدة.