30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

المحليات.. واللامركزية

65

في عام 1909 بدأ الاعتراف بالشخصية الاعتبارية لمجالس البلديات وتحديد اختصاصاتها في مصر؛ وفي الفرع الثالث من فصل السلطة التنفيذية ضمن باب نظام الحكم بالدستور المصري الصادر عام 2014، كان الحديث عن الإدارة المحلية وتنظيم العمل بها، وذلك من خلال 6 مواد بدءًا من المادة 175 الخاصة بالتقسيم الإداري وانتهاءً بالمادة 180 الخاصة بانتخابات المحليات.

ورغم قدم نظام البلديات في مصر(المحليات) إلا أنها أكثر القطاعات التي تلقى نقدًا شديدًا من المواطنين حيث أنها السلطة التنفيذية التي تحتل أول خطوات تلقي المواطن الخدمات الأساسية، فقد منحها القانون عدة صلاحيات دون تداخل الاختصاصات في بعض القطاعات مع المحليات بالإضافة إلى التاريخ الذي تحمله، من حديث طويل حول الفساد في ذلك القطاع، جعل المحليات دائمًا في مرمى السهام.. سهام النقد وعدم الرضى عن أدائها.

لست هنا مدافعًا عن المحليات بشكل عام، ولا مهاجمًا لها أيضًا بشكل عام.. فكما قيل قديمًا «التعميم مطية الزلل»؛ لكن الدور الذى تقوم به الصحافة بصفتها السلطة الرابعة (سلطة رقابة مجتمعية كما قال عنها الرئيس السادات) يستوجب أن يكون لها دور فى بناء المجتمع من خلال كشف وتوضيح مواضع الخطأ والتقصير من جانب بعض المسئولين، وفق معلومات دقيقة، كما أن دور الصحفى هو تحرى الدقة، وعلى الجانب الآخر على المسئول أن يكون أكثر تفاعلًا مع ما يُنشر من قضايا والحرص على علاجها وسرعة الاستجابة طالما أن ما تم طرحة من أخطاء – أو مخالفات – له وجود على أرض الواقع.

(1)

خلال الأسبوع الماضى تلقيت اتصالًا هاتفيًا من د.ممدوح غراب محافظ الشرقية، دار خلاله حوار بيننا التقينا فى نقاطه واتفقنا فى وجهات النظر، وتناقشنا بموضوعية شديدة، كما أسعدنى تفهمه الشديد للدور المهم الذى يقوم به الإعلام فى تسليط الضوء على بعض القضايا التى تهم الموطن مستهدفًا بناء الوطن، وأن لدور المحليات أهميته فى تخفيف العبء عن كاهل المواطن، فالمحليات هى الأقرب وصولًا للمواطنين.

جاءت المكالمة نهاية يوم عمل شاق استهلَّه المحافظ فى السادسة والنصف صباحًا بإحدى قرى المحافظة وبالتحديد قرية الهجارسة مركز كفر صقر التى تقترب من نهاية الحدود الإدارية لمحافظة الشرقية مع محافظة الدقهلية.

ذكر لى د. ممدوح غراب أن نسبة التفاعل مع شكاوى المواطنين فى محافظة الشرقية بحسب بوابة الشكاوى الحكومية لمجلس الوزراء، بلغت 98.5%، مما يضع المحافظة فى مقدمة المحافظات من حيث الاستجابة لشكاوى المواطنين.

هنا ذكرت ما حدث بالفعل عندما نشر زميلى سعيد صلاح فى مقاله الأسبوع قبل الماضى بعض الشكاوى التى كانت استجابة المحافظة لها سريعة وهو ما أوضحه زميلى فى مقاله، وهذا واجب المسئول الذى يضطلع بدوره.

استوقفنى خلال المكالمة بعض النقاط التى تحتاج منا لمناقشة قبل صدور قانون المحليات الذى يستعد البرلمان لإصداره خلال دور الانعقاد القادم.

روى لى المحافظ خلال المكالمة أن مواطنًا حصل على حكم بحقه فى رؤية ابنه فى مركز شباب، وتم تنفيذ الحكم؛ حيث يرى المواطن ابنه مرتين أسبوعيًا فى الكافيتريا داخل مركز الشباب.. ولكن المواطن يريد أن تكون الرؤية فى الملعب الخاص بمركز الشباب.. فى الوقت الذى ترفض الزوجة ذلك وتصر على أن تكون الرؤية فى الكافتيريا الخاصة بالمركز؛ وعقب مشادة بين الزوجين تقدَّم الزوج بمحضر ضد المحافظ  بشخصه وليست بصفته بعدم تنفيذ  حكم الرؤية، وأُحيل الأمر إلى القضاء، وهو ما جعله يوكل الأمر إلى محاميه الشخصى وليس محامى الحكومة لأن صاحب الدعوى لم يرفعها ضده بصفته؛ هذه القصة جعلتنى أتعجب من تصرفات البعض، ودفعتنى إلى التساؤل: ما علاقة المحافظ بتنفيذ حكم الرؤية؟ وهل مركز الشباب تحت ولايته؟ أم أنه يتبع ولاية وزارة الشباب والرياضة؟!

هل هذا هو دور المحافظ – تنفيذ حكم الرؤية الذى هو منفذًا بالفعل؟! – أم أننا فى القريب سنجد مواطنًا يرفع قضية ضد المحافظ لأنه لم يساعده فى استرداد منقولات، أو يحمله مسئولية رسوب نجله فى إحدى المراحل التعليمية.

 (2)

المحليات فى الحقيقة تواجه الكثير من المشكلات؛ ولا شك أن الموظف فى الإدارات المحلية (الأحياء ومجالس المدن والوحدات المحلية للقرى) جزء منها ولكن المواطن وعضو البرلمان هما أيضا جزء أصيل فيها.

 إن سلبية المواطن بعدم تقديم شكوى رسمية حال وقوع مخالفة من مسئول أو مواطن آخر تساهم بشكل كبير فى حالة الفساد التى نشكو منها جميعًا، كما أن تدخل بعض أعضاء مجلس النواب لدى مسؤلى المحليات حال وقوع مخالفة من بعض المواطنين، للتغاضى عن توقيع عقوبة عليه، وفق دعاوى المظلومية التى يحترفها البعض، تُعد أيضًا سببًا من أسباب تفشى الفساد.

هنا لا أعفى المحافظين من المسئولية ولا رؤساء المدن والأحياء. خاصة أن بعض الإدارات مثل الإدارة الهندسية والإشغالات والتراخيص وخدمات المواطنين؛ من الإدارات التى تحتاج إلى تقييم مستمر، وأظن أن مشروع التحول الرقمى سيحقق طفرة كبيرة فى تلك الإدارات، ويواجه الفساد الذى يحترفه ضعاف النفوس فيها.

(3)

على سبيل المثال، أكوام القمامة التى نشكو منها فى الشارع، لم تلقها الحكومة، بل يلقيها المواطن بحجة أن جامعى القمامة لا يقومون بجمعها من ذلك المربع السكنى.

 كما أن مسئول النظافة بالحى لم يلتزم بدوره فى مراقبة متعهدى جمع القمامة وفق شروط التعاقد، وفى النهاية تُزكَم أنوفنا وتُلوَّث أبصارنا بمشاهدة أكوام القمامة فى الشوارع لتتولى الأحياء إزالتها فتعود مرة أخرى فى المكان ذاته، لتصبح مشهدًا يوميًا يساهم فيه المواطن وموظف غاب ضميره، وتُهدر أموال الدولة بين ذلك وذاك.

كما أن إدارات التراخيص التى ساهم ضعاف النفوس من موظفيها فى تشويه صورتها لتفشى الرشوة بها، كانت وراء هذا الكم الهائل من المبانى المخالفة والمحال غير المرخصة والتى ذكر تقرير للإدارة المحلية بالبرلمان أن 80% من المحال العامة فى مصر غير مرخصة، وهو ما يفتح بابًا واسعة للرشوة.

كما أن إدارات الإشغالات فى الأحياء التى تركت الشوارع فريسة يلتهمها أصحاب المحال التجارية من ناحية والباعة الجائلين من ناحية أخرى وقف ورائها سلبية المواطن الذى لم يحرص على تقديم شكوى ضد تلك المخالفات فى ظل وجود منظومة حكومية لمتابعة حل تلك الشكاوى والتواصل مع الشاكى للتأكد من إزالة أسباب الشكوى مع الحفاظ على سرية بياناته.

(4)

إذا كانت المحليات مسئولة أمام المواطنين عن تقديم الخدمات بشكل لائق وأن تلتزم  بدورها، فهل يحدد القانون الجديد حدود اختصاصاتها؟ وتصبح هناك لامركزية  حقيقية لدى المحليات، ليصبح  للمحافظ ولاية كاملة على كافة القطاعات التى تقع فى نطاق مسئوليته، خاصة أن قطاعات  مثل الطرق والتعليم والإسكان ومياه الشرب والصرف الصحى والبترول والصحة والرى و …… وغيرها.

على سبيل المثال، تحدد وزارة التعليم خطة التعليم داخل المحافظات وتحدد وزارة النقل خطة الطرق وتحدد وزارة الإسكان خطة الإسكان إلى جانب خطة مياه الشرب والصرف الصحى، وتحدد وزارة البترول خطة توصيل الغاز للمنازل وتحدد وزارة الصحة إنشاء المستشفيات وتطويرها فى المحافظات.

قطاعات يُسأل عنها المحافظون وعن تطويرها، وفى الحقيقة أن من يقوم بوضع الخطة وتحديد المخصصات لتنفيذها هى الوزارات.

فهل سيضع القانون الجديد حلًا لهذا الأمر، خاصة أن المادة 176 من الدستور نصت على أن «تكفل الدولة دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وينظم القانون وسائل تمكين الوحدات الإدارية من توفير المرافق المحلية، والنهوض بها، وحسن إدارتها، ويحدد البرنامج الزمنى لنقل السلطات والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية».

كما نصت المادة 177 على أن «تكفل الدولة توفير ما تحتاجه الوحدات المحلية من معاونة علمية وفنية وإدارية ومالية، وتضمن التوزيع العادل للمرافق والخدمات والموارد، وتقريب مستويات التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية بين هذه الوحدات، طبقًا لما ينظمه القانون».

كما نصت المادة 178 على أن «يكون للوحدات المحلية موازنات مالية مستقلة، يدخل فى مواردها ما تخصصه الدولة لها من موارد، والضرائب والرسوم ذات الطابع المحلى الأصلية والإضافية، وتطبق فى تحصيلها القواعد، والإجراءات المتبعة فى تحصيل أموال الدولة، وكل ذلك على النحو الذى ينظمه القانون».

 

أوراق الذهب

الشهيد جمال منتصر

تظل شجرة الوطن تقدم كل يوم  من أوراقها الذهبية وأغصانها القوية، لتغطى بظلالها الوطن، لينعم بالاستقرار.

واليوم  نستعرض بعض لمحات من حياة أحد أوراقها الذهبية، والذى ولد فى قرية المحروسة غرب، مركز قنا.. التحق بالكلية الحربية عام  2004، وتخرج منها لينضم إلى صفوف الأبطال دفعة 98 حربية، الفريق أول سليمان عزت.

إنه الرائد البطل الشهيد جمال عبدالفتاح منتصر، التحق بسلاح المشاة وحصل على العديد.

لم تكن الابتسامة تفارق وجهه حتى لقبه جنوده بـ «القائد اللى لا يعرف التكشيرة» كان الجنود يتخذون منه أخًا أكبر لهم كان يتميز بالطيبة وحسن الخلق، عندما انتقل إلى سيناء بناء على رغبته، كان يتمنى أن ينال الشهادة، بحسب حديث لوالدته التى استقبلت جثمانه الطاهر وهى ترتدى ملابس بيضاء برفقة والد الشهيد، وأبنائه  الثلاثة، وهو ما حدث به والدته، فى آخر إجازة له.

كانت العناصر التكفيرية تحسب له ألف حساب عند مشاركته فى المداهمات للأوكار الإرهابية، بشمال سيناء، وخلال إحدى عمليات إنفاذ القانون بمنطقة رفح، استشهد البطل إثر تلقيه رصاصة بالرأس، ليترك البطل للوطن خلفا له ثلاثة أطفال فى عمر الزهور.

وقد خيّم الحزن على قريته، بعد سماعهم نبأ استشهاده، وفى مشهد مهيب، شيَع الآلاف من أبناء قرية المحروسة، جنازة الشهيد، مرددين هتافات، لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله، فى جنازة عسكرية حضرها محافظ قنا، ومحافظ الأقصر، ومدير أمن قنا، والقيادات الشعبية والتنفيذية.

رحم الله الشهيد وحفظ أبناءه وأسرته، لتواصل شجرة الوطن عطاؤها.