30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

خالد البحيري يكتب: يسألونك عن عمان

181

يسألونك عن عمان
قل ..هي موطن المحبة والتسامح والسلام
على أرضها الطيبة
تتعايش المذاهب
تتحاور الأديان
تتلاقى الأفكار
الكل يعبد الله بأريحية
هنا أرض الله التي اتسعت لكل خلق الله دون تمييز أو إقصاء
هنا شعب آمن بأن الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة هي أقصر الطرق إلى
القلوب
وقيادة اتخذت من السماحة منهاجا ونبراسا وأسلوب حياة
ومن حولهم عالم متسع .. يشهد ويراقب
ولسان حاله يلهج بالثناء على هذه النفوس الراقية التي تأصلت فيها منذ فجر
التاريخ قيم التعايش والتعددية واحترام القيم الإنسانية الرفيعة.
(1)
وسط عالم يموج بالفتن والصراعات يتلظى سكانه بنيران حروب عنوانها
العريض الطائفية والمذهبية والعرقية، تبقى عمان هادئة مطمئنة، تنعم بالاستقرار ويجرى في شرايينها تنمية ورخاء، ويعيش أهلها حالة فريدة من
الوئام والمحبة والانسجام، فهم لا يعرفون طريقا للتعصب، وليس في قاموس حياتهم مفردات الاقصاء أو الانتقام، ولم تلوث قلوبهم النقية بالفطرة أمراض الحقد والحسد والبغضاء.
لقد هبّت رياح التسامح على هذا البلد الضارب تاريخه في عمق الزمن، فأكسبت أهله خلقا رفيعا، وصبغته بسمات الحضارة والإنسانية ونفضت عنه كل ما يخلق العداوات ويزيد من الشقاق والخلافات.
سبقتهم سمعتهم الطيبة إلى حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة فأثنى عليهم وامتدحهم، وقال قولته الشهيرة: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ ».
وهي شهادة لعمرى قليلة المبنى عظيمة المعنى، تحمل بين ثناياها إشادة وتقديرا من وجه، وتكليفا بالاستمرارية على هذا النهج من وجه آخر، وقد تلقفه العمانيون بالبشر والترحاب، فلا يزال مفعول الشهادة والإشادة ساريا حتى يومنا هذا تتوارثه الأجيال، فلا مكان لعنف لفظى أو فعلي، ولا سبيل للانخراط في الفتن أو الصراعات، شعارهم ودستورهم: » ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «
لقد تجلت حكمة الشخصية العمانية في أبهى صورها، وعبر منهجية أصيلة
تقوم على المعرفة ومن بعدها التعارف وصولا إلى الاعتراف فقد دخل ملكا
عمان آنذاك جيفر وعبد ابنا الجٌلندى طواعية وسلما في الإسلام، وعلى الفور تحولا إلى دعاة صادقين مخلصين لهذا الدين الحق، فأسلمت القبائل تباعا.
لقد فهم العمانيون المغزى الكامن في رسالة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، فلم تكن مجرد
دعوة للانضواء تحت راية الإسلام، بل تكليف بأن تكون هذه الأرض المباركة محطة انطلاق لنشر دعوة الحق في شتى بقاع الأرض.
ولم لا وهل هناك رسل للإسلام والسلام أفضل من أناس ديدنهم السماحة وطبعهم المحبة، وقلوبهم تتسع للناس على اختلاف مشاربهم وأمزجتهم.
وعبر هذه السجايا الحميدة كان للتجار العمانيين الفضل في دخول الإسلام إلى الصين والهند وشرق أسيا وكثير من الدول الإفريقية، يدعمهم في ذلك علاقات متجذرة مع أصحاب الحضارات المطلة على البحار والمحيطات، وموقع جغرافي يتوسط العالم، وخبرة في سبر أغوار الطرق الملاحية البحرية، وقدرة فائقة على صناعة السفن العملاقة.
(2)
منذ آلاف السنين أكتسب العمانيون قدرا هائلا من السماحة والتعايش والإيمان بالتعددية العقائدية والفكرية من خلال التواصل المباشر مع حضارات الشرق القديمة في الصين والهند وبلاد وحضارات ما بين النهرين وشرق البحر المتوسط ووادي النيل وشمال أفريقيا.
فقد عاينوا وعايشوا عبر رحلاتهم التجارية إلى هذه البقاع، سنة الله في خلقه، من اختلاف في الألسن والألوان والعقائد والمصالح، فكان التعامل على أرضية مشتركة قوامها الاحترام المتبادل، وإعلاء القيم الإنسانية الرفيعة.
وإذا كان التاريخ أكبر معلم، فقد استوعب العمانيون الأوائل دروسه التي تعلموها خلال رحلاتهم التجارية فاستقر في وجدانهم أن التعصب يولد الشقاق والفرقة ويفضي إلى الحروب، فيمموا وجوههم شطر التسامح والمحبة والسلام، نائين بأنفسهم عن كل ما يؤدي إلى فساد ذات البين، سواء
في علاقتهم مع بعضهم البعض، أو في تعاملاتهم مع محيطهم الخارجي.
ولأن الإنسان ابن بيئته، فقد كان للبيئة العمانية دورا محوريا في صقل شخصية العمانيين، فالسواحل الممتدة أكسبتهم اتساع الرؤية والأفق، والأرض المنبسطة علمتهم لين الجانب، وغرست الجبال الشاهقة فيهم الشموخ والإباء والثقة بالنفس، ومن البحار جاء الصبر والأناة، ومن المزارع والبساتين نبت الأمل والطموح، وكلها صفات إذا ما اجتمعت في إنسان وانصهرت في بوتقة الأخلاق فإنها تثمر تسامحا وتعايشا وتفاهما.
(3)
تناقل العمانيون جينات السماحة والتفاهم والتعايش من أسلافهم الأوائل جيلا
بعد جيل، وحينما أشرقت شمس النهضة المباركة على البلاد في الثالث والعشرين من يوليو عام ألف وتسعمائة وسبعين بوصول جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه إلى سدة الحكم، بدأ العمانيون يسطرون فصلا جديدا من سفر التسامح برعاية جلالته.
وجاء النظام الأساسي للدولة ليدعم بجلاء هذه القيمة الرفيعة ويؤصل لها في
شتى مناحي الحياة، بدء من التشريعات والقوانين التي جاءت في مجملها تضمن وتحمي وتشجع على التعايش والتقارب بين أبناء عمان بعضهم البعض وبينهم ومختلف شعوب الأرض، مرورا بمناهج التعليم التي تغرس في النشء منذ نعومة أظفارهم حب الخير للناس واتساع الصدر والقدرة على تقبل الاختلاف، والإيمان بالحوار بديلا عن التعصب والتشدد.
واضطلعت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بدور عظيم في التوجيه والإرشاد عبر أدواتها الفاعلة والمتنوعة من أجل المحافظة على هذه السمة التي صارت تلازم العمانيين في الداخل والخارج .
وعلى نفس المنوال كان قطاعي الثقافة والإعلام يشاركون بفاعلية في تأكيد أحد أبرز ملامح الهوية العمانية وينقلون عبر كتاباتهم وممارساتهم العملية للداخل والخارج هذه التجربة الفريدة.
وخلال نحو 50 عاما لم يضبط الإعلام العماني متلبسا بنشر التعصب أو الحقد أو الكراهية، ولم يعرف عنه الإساءة أو التشهير، ولم يمارس المشتغلون به أي لون من ألوان التحريض أو الانتقاص من قيمة وكرامة الإنسان.
وهكذا ..
تبقى التجربة العمانية في التعايش والتسامح والسلام محط إشادة وتقدير من القاصى والداني، ويبقى العالم اليوم في أمس الحاجة إلى التعرف إليها عن قرب، والاستفادة من خبراتها التراكمية من أجل أن يعم الإنسانية السلام والمحبة والوئام.