مصر تنتصر

مخطط تفكيك الدول (1)

120

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت القوى الكبرى تقسيم الغنائم، ومعها بدأت الطموحات والاستراتيجيات الكبرى ومحاولات فرض السيطرة على مناطق نفوذ جديدة وبأدوات مختلفة، فلم يعد مقبولًا أن تحتل دولة أراضي الغير، إلا في حدود ما يغض المجتمع الدولي الطرف عنه (الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية)؛ وبدأ نوع جديد من الحروب خلال فترة الحرب الباردة، وظهرت مقولة «إذا أردت أن تسيطر على دولة فاحتل عقول شعبها أولًا».

ومع بداية الخمسينيات كانت المراكز والمعاهد الثقافية الأمريكية فى مواجهة محتدمة مع نظيرتها السوفيتية، واشتد الصراع وارتفعت درجة حرارة المواجهة لتنتقل من الآلة العسكرية إلى أداة أخرى تمامًا ولكنها كانت أكثر فتكًا وتأثيرًا، استطاعت بها الولايات المتحدة حصار الاتحاد السوفيتى ودفعته إلى التفكك.

الرئيس الأمريكى رونالد ريجان اثناء استقباله قادة طالبان فى البيت الابيض عام 1985

وفى منتصف الستينيات نشطت أجهزة مخابرات كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والاتحاد السوفيتى وإسرائيل، لتجنيد أكبر عدد من العملاء وفق الاستراتيجية الكبرى لكل من الدول الأربع فى منطقة الشرق الأوسط؛ وقدمت وكالة الأمن القومى الأمريكى مقترحًا للبيت الأبيض بضرورة أن يكون ثمة تكامل وتعاون بين الاستراتيجية الكبرى الأمريكية والإسرائيلية خاصة فى منطقة الشرق الأوسط، وفى أعقاب يونيو 67 كانت الولايات المتحدة تحاول الفكاك من المستنقع الذى سقطت فيه (الحرب الفيتنامية) فى الوقت ذاته كانت تواصل دعمها لإسرائيل، وبالفعل انسحبت واشنطن من فيتنام فى أغسطس 1973 بعدما تكبدت هزيمة كانت هى بداية رؤية جديدة لدى أجهزة التخطيط، ليس فقط فى الولايات المتحدة الأمريكية، بل وفى عدد من مراكز التخطيط الاستراتيجى والعسكرى لدى دول أخرى.

عقب انتصار السادس من أكتوبر 1973 وسقوط العديد من النظريات العسكرية، وظهور نظريات جديدة، وفق المتغيرات والنجاحات التى حققها المقاتل المصرى، أصبح المقاتل المصرى يحسب له حساب مختلف عند وضع مقياس للقوة.

فى الوقت ذاته بات الصراع بين المعسكرين الغربى والشرقى فى أوْجه، على كافة المستويات، وخاصة الثقافى والاقتصادى والعسكرى، واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل دراسة الحالة (زلزال أكتوبر 1973) خاصة بعد أن فشلت أجهزة المخابرات لدى الدولتين وحلفائهما فى الكشف تحركات المصريين نحو الحرب.
بدأت عمليات استقطاب الرموز فى الوقت الذى كانت الولايات المتحدة تعد استراتيجيتها الكبرى وفق مجموعة من المرتكزات أهمها: إضعاف الآخر، والتأثير فى ثقافة المجتمعات بشكل غير مباشر، صناعة حالة من غياب الوعى لتقبل، ما لم تستطع الآلة العسكرية أن تحافظ عليه؛ فى الوقت ذاته، نجحت الولايات المتحدة فى الدفع بالاتحاد السوفيتى نحو مستنقع الحرب فى أفغانستان كى تقوم واشنطن بتجربة فعالية سلاحها الجديد الذى اكتسبته من هزيمتها بفيتنام، وهى حروب العصابات، أو ما أطلقت عليه مراكزها البحثية اسم (Asymmetric Warfare) الحروب اللامتماثلة، أو غير المتكافئة كما يصفها البعض.

بدأت أولى خطواتها بتجميع من أسمتهم فى ذلك الوقت بالمجاهدين الأفغان، ليكونوا بمثابة نواة لحروبها الجديدة، بالإضافة إلى التعاون مع الجماعات ذات الأيديولوجيات الدينية، كجماعة الإخوان، وكذلك التعامل مع الجماعات العرقية.

كان الهدف إضعاف الشعوب، وتفتيت الدول.

جاءت أول دعوة لتلك التنظيمات لزيارة البيت الأبيض فى عهد الرئيس الأمريكى رونالد ريجان، عام 1983 بزيارة أول وفد من المجاهدين الأفغان لأمريكا واصفًا إياهم «بالأحرار المعتدلين»، وتحوَّل البيت الأبيض إلى أحد أماكن الترحيب بتلك العناصر، كما أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية 43 مليون دولار كمساعدات لتلك الجماعة (طالبان) بعيدة عن المساعدات العسكرية التى قدرت بأكثر من 2 مليار دولار.

بات البيت الأبيض قِبلة الجماعات الإرهابية، التى كانت تصفهم واشنطن بـ «المعتدلين»، كما كانت تتحدث عن المعارضة السورية المسلحة المعتدلة.
كان الهدف فى البداية إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفيتى، للوصول إلى أول تطبيق لتفكيك الدول على أرض الواقع.

مع انهيار الاتحاد السوفيتى نهاية عام 1991 عقب ثورة 89 كانت نهاية الحرب الباردة.. أدركت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أنها تحتاج إلى مراجعة استراتيجيتها الكبرى، والتى بحسب مقال نشره Barry R. Posen and Andrew L. Ross identified (بارى ر. بوزن وأندرو ل. روس) بعنوان «الرؤى المتنافسة للاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة».

كشف الكاتب فى هذا المقال تحول الاستراتيجية الأمريكية إلى استراتيجية «السيادة»، وتدعو الولايات المتحدة إلى متابعة الهيمنة النهائية والسيطرة على النظام الدولى اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، ورفض أية عودة إلى القطبية الثنائية أو التعددية القطبية ومنع ظهور أى منافس من الأقران، لذا يرى مؤيدوها بأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية يجب أن تركز على الحفاظ على قوة الولايات المتحدة ومنع أية قوة أخرى من أن تصبح منافسًا جادًا لها، مع وضع ذلك فى الاعتبار، كما يرى البعض منهم أن تعمل واشنطن على احتواء الصين ومنافسين آخرين بدلًا من إشراكهم.

أما فيما يتعلق بالأزمات الإنسانية والنزاعات الإقليمية، فتدعو الاستراتيجية ألا تتدخل الولايات المتحدة إلا إذا كان لهذه الأزمات أثر على الأمن القومى الأمريكى، على غرار المشاركة الانتقائية.

تم الدفع ببرنارد لويس صاحب مشروع (خرائط الدم) أو كما أطلق عليه البعض «سايكس بيكو الجديدة»، وكان الهدف منها هو تفكيك دول المنطقة، واستخدم للمشروع ستارًا باسم «الشرق الأوسط الجديد»؛ ما بين الشرق الأوسط الجديد (الأمريكى) والشرق الأوسط كان الهدف هو المنطقة العربية لإعادة تشكيل حدودها من أجل الدولة.
سبق ذلك فى عام 1981 توقيع مذكرة تفاهم أمريكى – إسرائيلية نهاية نوفمبر من نفس العام، وأعقبها اتفاق تعاون عسكرى أمريكى – إسرائيلى فى 29 نوفمبر 1983، وكان الاتفاق بمثابة تطور ونقلة كبيرة فى العلاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية بين البلدين.

بدأ مع هذا الاتفاق التحرك نحو خلق حالة جديدة فى المنطقة العربية، بدعم من المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية.

كما تم الاتفاق على نقل التجربة الأمريكية فى أفغانستان إلى المنطقة لخدمة الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى لإضعاف المنطقة.

تمت عملية دراسة الحالة العربية دراسة تامة، إلى جانب دراسة حجم التقاطعات والطموحات لدى بعض قادتها وشعوبها، ووُضعت مجموعة محاور للتحرك، هى كما يلى:

المحور الأول: إحداث حالة من عدم الثقة بين الشعوب والحكومات.

المحور الثانى: الدفع بعناصر ذات قدرة على التأثير فى الشعوب حال بدء تجهيز أرض العمليات.

المحور الثالث: استخدام وسائل الإعلام الغربية ومعاونيها فى تقديم صورة للأوضاع فى المنطقة العربية، ومقارنتها بالدول الغربية، لصناعة حالة من عدم الرضى داخل العقل الجمعى (ظاهرة نفسية اجتماعية تفترض فيها الجماهير أن تصرف الجماعة فى حالات معينة وموقفها تجاه حدث ما يعكس سلوكًا صحيحًا).

المحور الرابع: استهداف مؤسسات الدولة المختلفة وإضعافها، أو النيل من قادتها لإضعاف الثقة فيهم، والنيل من الأحداث الوطنية وتحطيمها على صخرة خلق أحداث أخرى.

المحور الخامس: تحطيم الرموز والقيم والثوابت المجتمعية تحت دعوى الحرية.

المحور السادس: الدفع بالعناصر التى قامت أجهزة المخابرات الثلاث بتأهيلها وإعدادها حال وجود الفرصة للتحرك.

المحور السابع: خلق مناخ مواتٍ لإحداث هزات متلاحقة بين فترة وأخرى فى المنطقة العربية، حال عدم القدرة على الانقضاض على تلك الدول وتفكيكها.
لم يكن التحرك فى بداية الأمر بالمهمة السهلة لولا أن البيئة الثقافية فى المنطقة العربية كانت قد نفذت إليها بعض العناصر التى استهدفت النيل من القيم المجتمعية والدفع بمجموعة من المفردات اللغوية والرؤى لتحطيم ثوابت المجتمعات.

عقب تمهيد الأرض والاستعداد لجنى ثمار مرحلة استمرت على مدى أكثر من ربع قرن، كان التحرك على العناصر التى تم تأهيلها لفترة طويلة واستطاعت أن تجمع عددًا من المؤيدين حولها (تنظيم الإخوان).

خلال تلك المدة كانت عمليات التدريب سواء العسكرى أو الثقافى أو الإعلامى مستمرة مع العناصر الأخرى المستهدفة.

وللحديث بقية نكشف فيه الأسباب وراء اختيار التوقيتات للانقضاض على الدول وتفكيكها، وآليات التلاعب بالعقول، وأسباب اختيار الجماعة الإرهابية ومموليها شهر أكتوبر للانقضاض على نصر حققه المصريون وما زالت تُدَّرسه الأكاديميات العسكرية على مستوى العالم.

 

مؤتمر ضحفى مع أحد قادة الاتحاد الإسلامى للمجاهدين الافغان عام 1987