مصر تنتصر

سنوات مبارك الأخيرة في السلطة

56

 

قبل يناير 2011، لم تكن مصر دولة متقدمة أو مزدهرة، ولا خالية من الفساد، ولكنها كانت تمضى إلى الأمام، كما أن سجلها لم يكن ناصعًا، بل حفل بالأخطاء مثلها مثل دول كثيرة فى العالم.

وكل عمليات التشويه العمدى خاصة عبر وسائط «السوشيال ميديا» كانت جزءًا من مؤامرة واسعة النطاق من أجل تمهيد الطريق لوصول الإخوان إلى قمة السلطة.

والذى لا شك فيه أن الرئيس الأسبق مبارك كان قد فقد قدرته على السيطرة على الأوضاع بعد أن تقدمت به السن، ولكن ذلك لا يطمس أبدًا أن نسبة نمو الناتج القومى كانت قد بلغت 7.5%، وهى نسبة هائلة وغير مسبوقة فى تاريخ مصر، ولمجرد العلم فنسبة النمو الآن بعد سنوات من العمل الشاق قد وصلت إلى 5.6%، أى أن مصر تواصل العمل باقتدار لزيادة نسبة النمو والوصول بالرقم إلى ما سبق أن حققته مصر مبارك.

ويذكر لنظام مبارك الذى تسلم السلطة عقب اغتيال الرئيس السادات على أيدى إرهابيين، قد تسلم خزانة مصر وهى خاوية، وفى نهاية فترة حكمه كان الاحتياطى قد بلغ 52.5 مليار دولار، منها 36.5 مليار دولار احتياطى بالبنك المركزى، و9 مليارات دولار فى حساب خاص لا يصرف منه إلا بأوامر من الرئيس شخصيًا، وكان هذا المبلغ من مكاسب مصر الاقتصادية عقب حرب تحرير الكويت عام 1991، بالإضافة إلى 7 مليارات استثمارات فى سندات خزانة هذا الاحتياطى كان سند مصر خلال سنوات الفوضى التى بدأت بـ «الخراب العربى» فى يناير 2011.

وفى نهاية حكم الإخوان الذين اعتمدوا تمامًا على هذا الاحتياطى، تقلص الرقم إلى 16 مليار دولار.

هذا النجاح مثل نجاحات أخرى، شوهتها الحملة البالغة الشراسة التى تعرض لها الرجل ونظامه.

وسنتوقف أمام قمة من قمم حملة التشويه التى اتهمت الرجل بأنه سرق 70 مليار دولار من مصر ووضعها فى حسابات بالخارج والقصة بدأت كالتالى، خبر نشرته صحيفة يصدرها التيار السياسى الإسلامى بالجزائر، بعدها أعادت نشره صحيفة الجارديان الانجليزية مملوكة بنسبة كبيرة لقطر.

وفى نفس ليلة الصدور تسلم د. الناصرى ح. عيسى صورة مما نشرته الجريدة،  فأرسل إلى د. محسوب الإخوانى، واقترح عليه طبع ألوف المنشورات من هذا الخبر، ووضع المنشورات امام أبواب الخيم المنصوبة بميدان التحرير حتى يجده المتظاهرون فى الصباح الباكر، فتتحول إلى مادة ساخنة للتهييج والإثارة والشوشرة والجلبة، وفعلًا تحول الخبر إلى حقيقة لا تقبل الشك، لأنه منشور بجريدة انجليزية، وفى الصباح التالى اعتذرت جريدة الجارديان عن نشر الخبر، وأشارت إلى عدم صحته، ولكن أحدًا لم يتوقف أمام هذا التكذيب.

وصباح يوم توزيع المنشورات، استضاف التليفزيون د. ح. عيسى، الذى أعلن أنه سيتم تشكيل لجنة للسفر إلى الخارج لاستعادة هذا المبلغ الذى تمت سرقته من دماء المصريين.

وبالرغم من أنه أستاذ قانون، ويعلم أن استرداد الأموال المهربة تتطلب خطوات قانونية فى مقدمتها تحديد المبلغ ومعرفة مكانه وصدور حكم قضائى نهائى من منظومة قضائية لا يشوبها الشك.

ولم يكن هناك من التزم بهذه الخطوات، وظلت الوفود تسافر وتتقاضى بدلات سفر وتنعم بالإقامة فى الفنادق الفاخرة، وتعود لتعلم عن عدم استرداد هذه الأموال.

وكل هذه التصريحات لم تكن سوى أكاذيب، ويعلم قائلوها إنهم يكذبون، ولكن هذا الكذب كان جزءًا من حملة تأكيد فساد مبارك ونظامه.

والمفجع أن كثيرًا من المواطنين، بدأوا يحسبون الأنصبة التى سيحصلون عليها من هذا المبلغ الكبير بعد استعادته، وعاش هؤلاء الناس أحلامًا بالغة الروعة عن حياة الرفاهية التى سينتقلون إليها بعد حصولهم على أنصبتهم.

وظلت الأموال المهربة موضوعًا يتكرر كثيرًا فى وسائل الإعلام وعلى ألسنة الناس.

وبعد أن تسلم الجاسوس الخائن محمد مرسى المسئولية واستقر هو والإخوان على قمة السلطة، بدأ الجميع فى التفتيش فى الوثائق التى أصبح من حقهم الإطلاع عليها عما يمكن أن يدين مبارك.

وبالرغم من أنهم قضوا عامًا مع الوثائق، فإنهم لم يجدوا ما يدينون به الرجل، ومع ذلك لم يصدر عنهم ما ينصف مبارك، وظلوا يضغطون عليه بالاتهامات والمحاكمات، ابتداء من الاتهام بقتل المتظاهرين إلى الفساد وتهريب الأموال.

وكانت الأحكام فى صالح الرجل.. وكان الاتهام بالحصول على هدايا من المؤسسات الصحفية هو قمة الضحالة والهيافة، المهم أن الرجل طلب حساب قيمة هذه الهدايا، وسدد المبلغ لإغلاق هذا الملف.

ونعود لنؤكد أن مصر لم تكن جنة الله فى الأرض قبل يناير 2011، ولكنها كانت دولة تمضى على الطريق وتحقق قدرًا من النجاح، نعم ليس هو النجاح المأمول أو المستحق، وبالضرورة كان هناك فساد ومفسدون، وكان هناك حالة تقاعس فى مواجهة هذا الفساد بالصلابة والإصرار الضرورى للحد منه ومن آثاره السلبية.

وكان استمرار مبارك على قمة السلطة لثلاثة عقود من أهم الأسباب التى أدت إلى الترهل وضعف قبضة الرجل على مقاليد الأمور، ولم يكن مفهومًا الأسباب التى دفعته للاستمرار على قمة السلطة بالرغم من حالته الصحية التى تدهورت خاصة بعد الجراحات التى أجراها فى ألمانيا خلال سنوات حكمه الأخيرة.

لقد تخلت الحكمة عن الرجل، وظل الحذر مسيطرًا عليه بشكل كامل، ولم يفكر فى تعيين نائب للرئيس بشكل جدى إلا بعد اتساع نطاق المظاهرات الرافضة لاستمراره فى الحكم.

وقد أسهم إصراره على البقاء على قمة السلطة وانفراده بالقرار وهو فى هذه الحالة من الجمود فى انطواء صفحة نظامه.

والجدير بالذكر أن الأمريكيين ابتداء من زيارته الأخيرة عام 2004 قد بدأوا يتحدثون معه بشأن التخلى عن السلطة، لذا توقف تمامًا عن زيارة الولايات المتحدة طوال فترة وجود بوش الابن على قمة السلطة.

وأمام وضوح نية الأمريكيين، بدأ فى التفاوض معهم على الضمانات التى يتطلبها مثل هذا الأمر.