رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

مشاهد ودلالات الأربعاء الماضي

189

ما إن تم إعلان وفاة الرئيس الأسبق حسني مبارك الأسبوع الماضي حتى تحولت أنظار العالم إلى مصر، في انتظار ما سيتم من إجراءات، وكيف ستتعامل الدولة المصرية مع المشهد.

المشهد الذي شهدته القاهرة يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، لم يكن مشهدًا صنعته الظروف، لكنه كان متوقعًا منذ عام 2011 ورسمت له بعض وسائل الإعلام سيناريوهات متعددة، وخرج العديد من الخبراء كل يدلو بدلوه، بل إن البعض منهم حاول التجويد، خاصة من أنصار قوى الشر، فتحدث بما لا يعلم، وطرح سيناريوهات ليس لها مكان سوى في خياله وحده.
لكنه أحد ثوابت دولة عظيمة ضاربة في عمق التاريخ تمتلك إرثًا حضاريًا يجعلها دائمًا المثل والقدوة، دولة تمتلك من التقاليد الثابتة والراسخة ما جعلها محل اهتمام وتقدير العالم.

ولأن القيادة المصرية تؤمن أن القيم والأخلاقيات هي إحدى الثوابت التي تبني أمجاد الأمم وعزتها، بدأ المشهد بإعلان خبر وفاة الرئيس الأسبق حسني مبارك، فنعته رئاسة الجمهورية، تقديرًا لما قدمه لوطنه كأحد قادة حرب أكتوبر المجيدة، ثم أعلنت الدولة المصرية الحداد العام لمدة ثلاثة أيام.
أعقب ذلك نعي القوات المسلحة للرئيس الأسبق ابنًا من أبنائها وقائدًا من قادة حرب أكتوبر وقدمت واجب العزاء لأسرته ولضباط القوات المسلحة ولجنودها.
ثم الإعلان عن إقامة جنازة عسكرية للرئيس الراحل مبارك يتقدمها الرئيس السيسي وكبار القادة والمسؤولين وعدد من سفراء الدول.
كان المشهد حديث وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، مشهدًا كان بحجم الدولة المصرية التي ترسخت لديها ثوابت لم تتغير.
كان المشهد الجنائزي بمثابة نقاط كاشفة لحجم ما تمتلكه الدولة من إرث إنسانى، وما حدث حمل في طياته عدة دلالات.

(1)

أن الدولة التي تمتلك كل هذا الزخم التاريخي والإرث الثقافي والحضاري لا بد لها دائمًا أن تقدم للعالم ما يليق بها وبمكانتها، ولا يمكن لها يومًا أن تكون دولة لا تعترف بالجميل لمن قدموا لها ذلك، ولا تبخل يومًا على أبنائها الذين حافظوا على ترابها.

ما قدمه مبارك خلال فترة خدمته بالقوات المسلحة كأحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة لا يمكن أبدًا أن يُنسى أو ينساه التاريخ.
فترة مهمة في عمر الوطن قدم فيها حسني مبارك لوطنه الكثير قبل يونيو 67 وعقب الهزيمة وحتى حرب أكتوبر 73 وتحقيق النصر، مراحل مهمة في حياته ومراحل فارقة في تاريخ الوطن.
عُين مديرًا للكلية الجوية في نوفمبر 1967، وكان التوجيه من الرئيس عبدالناصر له في ذلك الوقت هو ضرورة تخريج أكبر عدد من الطيارين الأكفاء استعدادًا لمعركة استرداد الأرض، واستطاع مبارك خلال فترة توليه إدارة الكلية الجوية أن يؤدي مهمته بنجاح.
تمت ترقيته لرتبة العميد في 22 يونيو 1969، ليتولى رئاسة أركان القوات الجوية وفي عام 1972 تولي قيادة القوات الجوية وكان التكليف من الرئيس السادات لمبارك بضرورة وضع الخطة للاستعداد للمعركة ودور القوات الجوية في الفتح الاستراتيجي للعبور.
استطاع مبارك ورجال القوات الجوية أن يفتحوا باب النصر وتنفيذ المهمة بنجاح.
كان مبارك خلال فترة توليه إدارة الكلية الجوية ورئاسة أركان، وقيادة القوات الجوية.. القائد القدوة، الذي لم يحد يومًا عن حماية تراب الوطن والحفاظ عليه.
عقب حرب أكتوبر، رُقي مبارك إلى رتبة الفريق بجانب عدد من قادة حرب أكتوبر تقديرًا وتكريمًا لهم على الدور الذي قاموا به في حرب أكتوبر المجيدة.
تولى منصب نائب رئيس الجمهورية وانتقل إلى الحياة المدنية والسياسية ليتولى رئاسة الجمهورية عقب استشهاد الرئيس محمد أنور السادات، عام 1981 وتبدأ مسيرة مبارك السياسية.

(2)

تولى مبارك رئاسة مصر على مدى 30 عامًا حافظ خلالها على الدولة وأعادها إلى أمتها العربية، عقب المقاطعة التي تلت توقيع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل.
واصل مبارك مسيرته، أصاب وأخطأ، ولكنه لم يخن الوطن، لأنه تربي في مدرسة الوطنية (القوات المسلحة)، وشرب من معينها.
ولأن تلك المؤسسة تربى رجالها على أن الوطن والحفاظ عليه فوق كل شيء فإن دولة القانون بالنسبة لهم لا يمكن الحيد عنها.
فعندما خرج عليه الشعب كان القرار الحفاظ على الدولة والالتزام بالقانون.
تنحى مبارك ليجنب الدولة المصرية الفوضى، ويواجه مصيرًا على مدى ثماني سنوات آثر خلالها أن يكون القانون هو صاحب الكلمة الفصل.
كان لا بد من رد الاعتبار للقائد العسكري أحد أبطال حرب أكتوبر.

(3)

ولأن الدولة المصرية دائمًا ما تحافظ على ثوابتها وقيمها الأخلاقية، وهو ما تحرص القيادة المصرية دائمًا على تأكيده كان القرار .. أن يتم تكريم الرئيس الأسبق حسني مبارك تقديرًا لما قدمه لوطنه كأحد أبطال حرب أكتوبر.
فطبقًا للقانون 35 لسنة 1979 بشأن تكريم كبار قادة القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر 1973 والاستفادة من الخبرات النادرة للأحياء منهم، وبحسب المادة الثالثة منه : “إذا اقتضت الضرورات الوطنية تعيين أحد هؤلاء الضباط في إحدى الوظائف المدنية الكبرى فإنه يعود إلى الخدمة بالقوات المسلحة بعد انتهاء خدمته المدنية في أي وقت ويستحق خلال خدمته المدنية راتبًا وتعويضات وبدلات الوظيفة المعين بها أو الراتب والتعويضات والبدلات التي كان يستحقها باعتبار استمراره في الخدمة العسكرية، أيهما أكبر، عدا بدل التمثيل فيصرف بالفئة المدنية أو العسكرية، أيهما أكبر، وعند العودة إلى الخدمة بالقوات المسلحة يستمر صرفه بالفئة الأعلى”.
ويخصم بقيمة الرواتب والتعويضات والبدلات المستحقة وفقًا لهذه المادة على موازنة وزارة الدفاع، وتسري عليها سائر الإعفاءات المقررة بالنسبة لرواتب وتعويضات ضباط القوات المسلحة.
وينطبق حكم هذه المادة على من يكون قد أُحيل منهم إلى التقاعد أو عُين في وظيفة مدنية قبل تاريخ العمل بهذا القانون.
يسري على مدة الخدمة المدنية المذكورة في هذه المادة الضمائم والمدد الإضافية المنصوص عنها بالقانون رقم 90 لسنة 1975 المشار إليه.

(4)

أُقيمت الجنازة العسكرية، وودعت مصر أحد أبطال حرب أكتوبر، تقدم الرئيس السيسي ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وعدد من قادة القوات المسلحة المسؤولين وسفراء الدول.

جاء إطلاق المدفعية 21 طلقة خلال جنازة الرئيس الراحل حسني مبارك تحية عسكرية وتقليدًا عسكريًا رفيع المستوى تقديرًا لدوره الوطني، وما قام به من أجل وطنه خلال حرب أكتوبر ومعركة التحكيم الدولي التي انتهت باسترداد “طابا” والحفاظ على كامل التراب الوطني.
كان المشهد دليًلا جليًا على أن الدولة المصرية الحالية لا تعرف سوى لغة واحدة (القيم والأخلاق) ولا تستهدف سوى البناء والنظر إلى الأمام دون مزايدة أو مكايدة.

دولة تبني للحاضر والمستقبل، ترسخ ثوابت مجتمع متصالح، تكرم كل من يعمل لبناء الوطن ويحافظ عليه؛ ومؤسسة عسكرية عريقة ضاربة بقوة في عمق التاريخ تمتلك تقاليد رفيعة، وثوابت لا تتغير، لا تنسى أو تتجاهل أبدًا من قدم لوطنه، وحافظ على ترابه.

دولة حديثة تليق بإرثها الحضاري، لديها ثوابت لا تحيد عنها، فلا تفرط فيمن قدموا الدم والروح فداء لها، وتكريم كل من حافظوا على ترابها.

لقد أبهرت الدولة المصرية في مشهد يوم الأربعاء الماضي العالم، بتكريمها أحد أبطال حرب أكتوبر ورئيسًا ظل على مدى ثلاثة عقود يحكم الدولة ويحافظ على ترابها الوطني.

ولم لا؟ .. فهي حديثة قوية، تدرك أن ما مضى كان مرحلة من مراحل التاريخ الذي شهد أحيانا عثرات، ولكنه لم يشهد تفريطًا في حبة رمل واحدة من تراب الوطن.

إن الدولة المصرية الحالية استفاقت واستعادت عنفوانها وقوتها، وبدأت طريقها نحو الدولة القوية.