سيناء .. قدس أقداس مصر

رسائل المواطن والقائد

188

يوم الثلاثاء الماضي وتحديدًا من أرض اصطفاف عناصر القوات المسلحة المشاركة في عملية مواجهة فيروس كورونا المستجد، جاءت كلمات الرئيس السيسي – أو كما يحب أن يُطلَّق عليه “المواطن” – بمثابة رسالة طمأنة من كبير العائلة إلى كل أفراد العائلة المصرية (الشعب)، وتأكيده على قوة الدولة؛ كان المشهد بمثابة أقوى رسالة أطلقها قائد يدرك حجم مسؤوليته في ظل ظروف عصيبة تعصف بكل دول العالم وعجزت أمامها دول كبرى عن المواجهة.

في الوقت الذي تحدث عدد من قادة العالم لشعوبهم بكلمات أثارت الفزع في النفوس، في مواجهة “كوفيد_19” فمنهم من قال “حان الوقت لكي يودع بعضنا بعض”، ومنهم من قال “عجزت الأرض عن إيجاد حل ولم يبق إلا حل السماء” وآخر قال “نحن نستعد لأن يصل عدد الوفيات إلى 50 ألف مواطن”.

جاءت كلمات القائد، المواطن والإنسان، ليست مجرد كلمات في مؤتمر صحفي، وإنما مشهد مهيب رآه الجميع رأي العين وشاهده العالم، مشهد يعبر عن قوة الدولة المصرية وحكمة القيادة، وإخلاص العاملين في المنظومة بالكامل في مواجهة تلك الجائحة التي اجتاحت العالم.

فبرًا بالقسم والعهد، كان العمل المتواصل بعيدًا عن الكاميرات، لتصبح رسالة “كبير العائلة” واقعًا ملموسًا (عين اليقين) أثناء اصطفاف عناصر القيادة العامة للقوات المسلحة للوقوف على مدى جاهزيتها واستعدادها لتنفيذ التدابير والإجراءات الوقائية لتقديم الدعم لأجهزة الدولة لمجابهة انتشار فيروس كورونا المستجد.

(1)

ذكرتني مقولة الرئيس “اطمنوا لأن فيه دولة ” بما قاله يوم 2 يونيو 2018 عقب أداء اليمين الدستورية أمام البرلمان قائلًا : “أجدد معكم العقد والعهد بأن نواجه التحدي، ونخوض غمار معركتي البقاء والبناء متمسكين بعقدنا الاجتماعي الذي وقعناه سويًا دولة وشعبًا بأن يكون دستورنا هو المصارحة، والشفافية، ومبدأنا الأعظم هو العمل متجردين لصالح هذا الوطن، وأن نقتحم المشكلات ونواجه التحديات ونحن مصطفون محافظون على تماسك كتلتنا الوطنية حية وفاعلة، ولا نسعى سوى لصالح مصرنا العزيزة الأبية وتحقيق التنمية والاستقرار لها وبناء مستقبل يليق بتاريخنا وبتضحيات أبنائها.”

استرجعت تلك الكلمات ومعها العهد بأن تكون تلك المرحلة هي مرحلة بناء الانسان قائلًا: ” الآن وقد تحققت نجاحات المرحلة الأولى من خطتنا، فإنني أؤكد لكم بأننا سنضع بناء الإنسان المصري على رأس أولويات الدولة خلال المرحلة القادمة يقينًا مني بأن كنز أمتنا الحقيقي هو الإنسان الذي يجب أن يتم بناؤه على أساس شامل ومتكامل بدنيًا وعقليًا وثقافيًا بحيث يُعاد تعريف الهوية المصرية من جديد بعـد محاولات العبث بهـا”؛ لقد رسم هذا المشهد قوة العلاقة بين المواطن والدولة.

(2)

لا يمكن أن تحقق “الدولة” قوتها، أو أن تتمتع بصفة الاحترام، إلا إذا وصلت إلى فهم راشد لحالة التواصل بينها وبين المواطن، فالعلاقة بينهما علاقة وجود؛ فلا وجود لـ”دولة” بدون “شعب” ولا وجود لـ”شعب” بدون “دولة”.

كما تتسم العلاقات بين الطرفين بالتبادلية، بمعنى أن حقوق المواطنين هي واجبات الدولة، وحقوق الدولة هي واجبات المواطنين، وهذا لا يتحقق إلا إذا احترم الطرفان هذه الحقيقة.

 وتذكرت الجملة التي جاءت في بيان القوات المسلحة في 1 يوليو 2013 عندما كان الفريق أول عبدالفتاح السيسي قائد عامًا للقوات المسلحة “لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه وهو ما يلقى بعبء أخلاقي ونفسى على القوات المسلحة التي تجد لزامًا أن يتوقف الجميع عن أي شيء بخلاف احتضان هذا الشعب الأبي الذي برهن على استعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفاني من أجله”

ولن يحدث ذلك إلا إذا ما أقامت الدولة مع مواطنيها داخل الوطن وخارجه، علاقة ارتباطية طردية، تعتمد واقع أن رُقي الدولة وتطورها مرتبطان بثبات المجتمع واستقراره، وذلك لأن الدولة القوية تستمد شرعيتها الدستورية من المجتمع، وبالمقابل فإن المجتمع (المواطنين) يستمد أمنه واستقراره من الدولة.

بمعنى أن على الدولة أن تسعى إلى تحقيق رغبات المجتمع ومطالبه في العيش الكريم وضمان حقوقه المشروعة مقابل أداء المواطن كامل واجباته تجاه الدولة، بحمايتها والدفاع عنها.

(3)

إن ارتقاء العلاقة بين الدولة والمواطن إلى حالة الانسجام المتبادل، يعكس أوجه التطور والتقدم على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

يقول الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel): “إن تماسك الدولة وقوتها يعودان إلى نجاح التقاء المصالح الخاصة للمواطنين مع المصلحة العامّة للدولة، حيث يتمكن كل منهما من تحقيق رغبات الطرف الآخر، وتؤدّي هذه الحالة من الانسجام، إلى فترة ازدهار للدولة وتقدمها”.

وبما أن قوّة الدولة تأتي من قوة المجتمع (المواطنين)، فإن ضعفها وانهيارها يعودان إلى ضعف مؤسساتها وانحدار الوعي الاجتماعي، وذلك لأن الدولة القوية هي دولة مؤسسات تلتزم، بالتوازي مع مواطنيها، باحترام القوانين والأنظمة والتشريعات التي تمثل ثوابت تحكمها وتحميها، بحيث لا تخضع للمساومة أو تقبل بها، وعكس ذلك أو غيره يؤدي إلى ضعف الدولة.

ومما لا يختلف حوله اثنان أن الدولة العظيمة هي التي يملكها مواطنون عظماء، يذهبون بها نحو المَنْعة والقوة، وبالتالي يُفقد ذلك الجدار الفاصل بين مفهوم الدولة ومفهوم المواطن، ويغدو كل منهما مكوّناً للآخر؛ لذا فليست هناك دولة دون مواطن، ولا مواطن بدون دولة.

( 4 )

جاءت كلمات الرئيس السيسي يوم الثلاثاء الماضي بمثابة رسائل طمأنة قوية، مبنية على واقع وحوار بين رب الأسرة وأفرادها، بعد استعراض قوة وقدرة الدولة على مواجهة كافة السيناريوهات المحتملة، مهما كلفها الأمر، لأن الحفاظ على المواطن هو منهجها واستراتيجيتها التي جاءت واضحة في خطاب القائد أمام البرلمان.

وبعد استعرض الفريق أول محمد زكى القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى الإجراءات والتدابير المتخذة من القيادة العامة للقوات المسلحة في شتى المجالات الوقائية والطبية واللوجستية وتطويع إمكاناتها لخدمة شعب مصر في منظومة متناغمة عبرت عن مدى استعداد وجاهزية رجال القوات المسلحة فداءً لوطنهم.

جاءت كلمات اللواء أ.ح وليد حسين أبو المجد رئيس هيئة الإمداد والتموين للقوات المسلحة مستعرضًا تفاصيل الإجراءات الإدارية والطبية المتخذة من هيئة إمداد وتموين القوات المسلحة بالتنسيق مع أجهزة القيادة العامة لدعم قدرات الدولة في مجابهة خطر انتشار فيروس كورونا المستجد والتي شملت عدة مجالات لتنقل صورة قوة الدولة من خلال توفير كافة المستلزمات الوقائية والمستشفيات الميدانية والمستشفيات العسكرية وجاهزية كافة الأطقم الطبية.

لنرى منظومة صحية متكاملة تقف خلف الوطن بمثابة “حصن والسند” فلا يمكن لوطن اتخذ كافة الاجراءات وسبل العلم الحديث لمواجهة تلك الجائحة إلا أن يكون النصر حليفة بإذن الله.

كما استعرض اللواء مصطفي أمين مدير عام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية إجراءات الفورية التي اتخذها الجهاز للمساهمة مع أجهزة الدولة المختصة ليؤكد أن المُخطِطِ لمواجهة الأزمة قد وضع كافة السيناريوهات المحتملة، وكان الأمر بمثابة معركة في مواجهة عدو غير مرئي يجب اتخاذ كافة الاجراءات لمواجهته على مستوى القطاعات كافة بتوفير السلع الغذائية الأساسية من مواد ومنتجات الوقاية والتطهير للوفاء باحتياجات للمواطنين منها وتأمين توفيرها في الأسواق بالكميات والأسعار المناسبة في ظل هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها مصر.

( 5)

حملت كلمات الرئيس خلال اصطفاف عناصر القوات المسلحة، مجموعة من الرسائل الهامة منها:

* توجيه التحية للأطقم الطبية على دورهم البطولي في الخطوط الأمامية للمواجهة، وكذا القوات المسلحة والشرطة؛

* انتصار الدولة على الإرهاب ومواجهة قوى الشر بتكاتف المجتمع وثقته في القيادة والحكومة، فبتعاوننا جميعًا سنعبر تحدى كورونا وننجح في تجاوز آثاره؛

* الشائعات أحد أسلحة قوى الشر وعلينا ألا ننساق ورائها بل مواجهتها بالثقة في الدولة والمسؤولين؛

* على المواطنين الالتزام بكافة الإجراءات الصحية لكي نحتفل بخلو مصر من أية إصابات أو وفيات بسبب كورونا؛

* تقديم يد العون للدول رسالة تضامن من مصر حتى ولو كان دعمًا رمزيًا؛

* لدينا 6مستشفيات جاهزة للافتتاح تابعة للقوات المسلحة وكل مستشفى بها 200 سرير، في إطار مواجهة فيروس كورونا؛

* الاستعداد لكافة السيناريوهات، وعلى المواطن أن يأخذ الأمر بجدية أكثر في الالتزام بالوقاية؛

* القطاع الخاص له دور كبير في بناء الاقتصاد، وعليه أن يقوم بدوره في حماية العمالة لديه، والدولة ستكون سندًا له من خلال حزمة من الإجراءات للاحتفاظ بتلك العمالة والحيلولة دون تسريحها؛

* توزيع كمامات مجانًا على المواطنين بالشوارع إذا تطلب الأمر؛

* مواصلة الدولة المصرية العمل في كافة المشروعات، وتتخذ كافة الإجراءات الوقائية والصحية للحفاظ على العاملين بتلك المشروعات؛

* صرف 500 جنيه إعانة للعمالة غير المنتظمة، وندرس طرق وصول الإعانات للحفاظ على صحتهم؛

* التنسيق مع أصحاب المصانع لتعقيم المنشآت والشوارع والميادين وتطهيرها لضمان سلامة المواطنين؛

* تأجيل سداد الضريبة العقارية على المصانع والمنشآت السياحية لمدة 3 أشهر؛

* توفير كافة السلع والحد الأدنى للاحتياطي الاستراتيجي لا يقل عن 3 أشهر؛

* المشككون في قدرة مصر لا يستهدفون الرئيس بل مصر والمصريين؛

* لست مع تعطيل عمل الدولة المصرية وتوقف الحياة بالكامل؛

جاء اصطفاف عناصر القيادة العامة للقوات للوقوف على مدى جاهزيتها واستعدادها لتنفيذ التدابير والإجراءات الوقائية لتقديم الدعم لأجهزة الدولة لمجابهة انتشار فيروس كورونا المستجد بمثابة أكبر رسالة طمأنة للشعب المصري، ودليل على قوة الدولة.

ولكن يبقي الدور المهم لاستكمال المنظومة وهو دور المواطن، في الالتزام بالإجراءات الصحية والوقائية المتبعة لتخفيف حدة تأثير الفيروس وليأتي اليوم الذي نحتفل فيه معًا  بالقضاء عليه في مصر بإذن الله.