رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

التعايش المنضبط أو حدوث الكارثة

384

قد يكون الشطر الثاني من عنوان المقال مثيرًا للتشاؤم، رغم أن الدولة المصرية مازالت فى المنطقة الأقل في عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد. إلا أن الوضع يستلزم الحذر، في ظل حالة اللامبالاة من قبل العديد من المواطنين. الأمر الذي استوجب قيام القوات المسلحة بتوزيع الكمامات على المواطنين بالمجان من أجل الحفاظ على حياتهم.
ففي الوقت الذي أعلنت عدة دول أن عدد الإصابات بفيروس كورونا “كوفيد 19” بين مواطنيها أصبح صفرًا، واصلت دول أخرى تزايد أعداد الإصابات، لتزيد على الألف إصابة يوميًا، في حين أن دولا تراوحت أعداد الإصابات بين مواطنيها؛ ما بين العشرات والمئات يوميا.

الأمر يختلف باختلاف تعاطى الشعوب والحكومات مع “كوفيد 19” والذى ما زال حتى اللحظة يتم اكتشاف الجديد فى كيفية انتشاره ونقل العدوى، وفترة حضانة الفيروس، وفى كل يوم تخرج علينا المعامل البحثية خلال نشراتها العلمية على مستوى العالم بالجديد فى هذا الشأن، مع مواصلة الباحثين والعلماء فى كافة دول العالم، البحث عن علاج، أو مصل مضاد للفيروس.
لكن كافة المؤسسات الصحية العالمية، أجمعت على أن أفضل علاج فى مواجهة هذا الوباء «كوفيد 19» الذى استطاع أن يخضع العالم بأسره إليه هو الوقاية، والتى تأتى من خلال التزام المواطنين بالتعليمات والإجراءات الوقائية والاحترازية.
الأمر الذى يتطلب زيادة الوعى لدى المواطنين، والتعامل بجدية وفق الإجراءات الصحية، فى ظل تزايد أعداد المصابين.
ومع استمرار الجائحة، بات العالم أمام تحدٍ كبير.. إما أن تعود الحياة، أو أن تدفع الحكومات شعوبها، نحو الموت جوعًا.
الأمر الذى استوجب ضرورة التعايش مع الفيروس، وفق إجراءات أكثر صرامة، حتى يصل العالم إلى علاج شافٍ فى مواجهة القاتل الشرس، الذى أصاب حتى الآن أكثر من 3 ملايين و 222 ألفا، قتل منهم 230 ألف مصاب على مستوى العالم.
ونظرًا للإجراءات الاحترازية من قبل الحكومة، وإدارتها للأزمة باحترافية شديدة، وأعمال التطهير والتعقيم المتواصلة التى تقوم بها القوات المسلحة.. جاءت أعداد الإصابات فى مصر ضمن الأعداد التى تسمح بعملية التقصى والتتبع للمخالطين، والوصول إلى سبب الإصابة.
ورغم أن أعداد الإصابات تتراوح بين 220 و260 حالة يوميا، إلا أن الموقف ما زال تحت السيطرة.
لكن تحليل أعداد الإصابات، ومناطق الإصابة، تشير إلى أن حالة اللامبالاة من قبل المواطنين وعدم قيامهم بالإجراءات الصحية الاحترازية، كان أحد اسباب زيادة نسب الإصابة.
وهو ما يتطلب منا جميعا أن نكون أكثر وعيًا وإدراكًا بخطورة التعامل مع فيروس كورونا، وليس كما نتعامل مع فيروس الأنفلونزا.
خاصة وأننا نرى المشهد المرعب عالميا، والذى يستوجب منا أن نكون أكثر حرصا للحفاظ على صحتنا.
أعود إلى النقطة المهمة، وهى كيف سيكون التعامل، خلال خطة التعايش مع الفيروس؟
فقد عرضت الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان، الأسبوع الماضى، خلال اجتماع مجلس الوزراء، الخطة العامة للتعايش فى ضوء عدم اليقين حول المدى الزمنى لاستمرار أزمة فيروس كورونا، حيث تقوم الخطة على اتباع كافة الإجراءات الاحترازية اللازمة بصورة دقيقة وحاسمة فى مختلف المنشآت، وإعادة تقييم الوضع الوبائى كل 14 يومًا، للتصرف فى ضوء تلك النتائج، وتمت الإشارة إلى أن مرحلة التعايش تتطلب تكاتف جميع الوزارات والهيئات التنفيذية والرقابية، لوضع ضوابط وفرض عقوبات فورية حال عدم التنفيذ.
تضمنت المرحلة الأولى من خطة التعايش إرشادات عامة يكون على الأفراد والمنشآت الالتزام بها إلى جانب معايير إلزامية يجب توافرها فى القطاعات المختلفة، كالمؤسسات والشركات والمولات والأسواق وقطاع البناء والمصانع، وكافة وسائل المواصلات.
– استمرار غلق الأماكن التى تسبب خطرًا شديدًا لنقل العدوى واستبدال خدمات التعامل المباشر مع الجمهور بالخدمات الإلكترونية.
– تشجيع الدفع الإلكترونى ونشر هذا السلوك بين المواطنين وتشجيع الشراء باستخدام خدمة الشراء الإلكترونى والدليفرى مع مراعاة إجراءات منع انتشار العدوى.
– التوعية بالقواعد العامة التى سيكون على المواطنين الالتزام بها، ومنها قواعد تتعلق بالالتزام بمتطلبات السلامة العامة، وقواعد للتعامل مع الجهات الحكومية والتعامل مع عامل توصيل الطلبات للمنزل.
– قواعد عامة وإجراءات ملزمة فى حال إعادة فتح المنشآت فى مقدمتها الالتزام بالكشف عن درجة حرارة المترددين على المنشأة وتوفير غرفة عزل لاستقبال أى عضو بالمنشأة تظهر عليه أعراض المرض أثناء العمل مع خفض قوة العمل وتوافر مستلزمات النظافة مثل الصابون والمناديل الورقية، والتطهير المستمر للأسطح والمكاتب والأرضيات بالكلور والمحافظة على التهوية الطبيعية للمكان قدر المستطاع.
– والتقليل من استخدام التكييفات كلما أمكن
هذه الخطة فى مرحلتها الأولى وبحسب ما أعلن تعد تحركا مهما من قبل الدولة، خاصة أنه سيحافظ على المكتسبات التى حققتها الدولة المصرية والشعب خلال الفترة الماضية.
لكن الأمر يتطلب حالة وعى حقيقى فى الشارع، من قبل المواطنين، فليس التعايش كما شاهدت على صفحات التواصل الاجتماعى من قبل البعض، هو حالة لامبالاة، لكن التعايش.. يعنى مزيدا من الالتزام بالإجراءات الصحية، من قبل الأفراد والمؤسسات مع استمرار دوران عجلة الإنتاج.
وهذه الإجراءات تحتاج فى البداية من الحكومة، مزيدا من الحسم فى التعامل مع المخالفين لها.
ففى شهر مارس الماضى وقبل زيارة الرئيس الصينى «شى جين بينج» إلى «ووهان» مركز تفشى فيروس كورونا، كانت هناك حملة موسعة عبر كافة وسائل الإعلام والتواصل، لشكل الحياة الجديد.
فقد انتشرت مجموعة من الفيديوهات عن شكل العمل فى الصين فى ظل وجود فيروس كورونا المستجد، فيديوهات خاصة بالتواجد فى العمل، وكيفية التعامل مع الجمهور، والإجراءات التى يقوم بها العاملون للوقاية الصحية.
وأذكر فى ذلك الوقت (شهر مارس) وصلتنى رسالة من إحدى خريجات البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة تبلغنى فيها أن العالم إن لم يتعايش مع فيروس كورونا، فسوف يموت الناس جوعا، إن لم يقتلهم المرض.. لذا لابد من عودة الحياة ولكن بشكل مختلف عما كان يحدث من قبل.
وأرسلت لى عددًا من الفيديوهات لشكل الحياة الجديدة فى الصين بعد الفيروس، وكيفية التعايش مع الوضع.
وعقّبت قائلة لابد أن تغيّر الشعوب ثقافتها فى التعامل، والتواجد فى أماكن التسوق، وأماكن تلقى الخدمات المختلفة.
لابد أن يكون الموظف أكثر إدراكا لأهمية قيامه بعمله على الوجه الأكمل حتى لا يكون معوقا فيؤدى إلى تكدس المواطنين، ويكون مساعدا على انتشار الفيروس.
لا بد من إجراءات عقابية صارمة لكل من يخالف الإجراءات التى تحددها وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية للحد من انتشار الفيروس.
ما قامت به الدولة المصرية من خطوات استباقية فى برنامج التحول الرقمي، يعد إحدى النقاط المضيئة للخروج من هذا النفق، الذى لا يعلم نهايته حتى الآن إلا الله.
فى الوقت نفسه، على كافة المؤسسات أن تفكر خارج الصندوق، فى التعامل مع الوضع العالمى الجديد، فليست هناك اجتماعات تتم فى المكاتب، ولكن عبر التطبيقات الإلكترونية.
إنها حياة جديدة بأسلوب مختلف علينا أن نعيشها، ونلتزم بكافة الإجراءات الصحية التى أرى أنها ليست صعبة.
فعلى المؤسسات توفير المستلزمات لموظفيها (كمامات، قفازات، مواد التعقيم).
وعلى الموظف القيام بدوره فيكون ناتج العمل هو 7 ساعات يوميا لا 35 دقيقة فقط.
وعلى الإعلام أن يقوم بخلق حالة وعى حقيقى فى الشارع لأسلوب التعايش مع الفيروس، خاصة أن الوضع قد ينذر بكارثة إذا ما زادت اللامبالاة من قبل المواطنين وتحول الأمر إلى مجرد فكاهة للتندر كما نراه فى الشارع المصري.
تلك كانت رسالة إحدى خريجات البرنامج الرئاسى لى والتى تعمل فى إحدى الدول العربية.
وأنا أتفق مع كل ما ذكرته وعلى وزارة الاتصالات أن تكون أكثر إسراعا فى تطوير الشبكات فى ظل شكوى العديد من المشتركين من تردى خدمات الإنترنت.
كما أن على المؤسسات المختلفة من مقدمى الخدمات للمواطنين الإسراع فى تطبيق تقديم الخدمات الإلكترونية.
وهو ما وجّه به الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال لقائه مع وزير العدل ووزير المالية، بضرورة تطوير المنظومة القضائية والشهر العقارى وميكنتهما؛ للتسهيل على المواطنين، خاصةً من خلال الإسراع فى الميكنة والتحول الرقمي، وتحديث البنية التشريعية المنظمة للإجراءات ذات الصلة، ورفع كفاءة قاعات المحاكم وزيادة عدد مكاتب الشهر العقارى.

إننا أمام شكل جديد للحياة، لا يعني التسيّب واللامبالاة، إنما يعني مزيدًا من الالتزام، فعلينا ألا نرى شخصًا يتحرك في الشارع، طفلا كان أو شابا، كبيرًا أو صغيرًا، إلا مرتديا للكمامة وهو المشهد الموجود في الصين.
إن التعايش يعني ضرورة التعامل بجدية مع الوضع الصحي الجديد، وزيادة حجم الوقاية، واتخاذ ثقافة التباعد منهجًا.