سيناء .. قدس أقداس مصر

أسرار جديدة في حارة «السقايين»

147

كتب : محمود درغام

رجل يحمل فوق ظهره قربة جلدية ضخمة، أو يعتلى حمارا على جانبيه قربتين كبيرتين، يسير فى شوارع القاهرة و ينادى «يعوض الله» فتنفتح بوابات المنازل والقصور والحوانيت والأسبلة ليدخل ويصب مياه النيل فى الصهاريج ليشرب ويرتوى الناس فى تلك الأماكن، أو حتى من يسيرون فى الشوارع، إنه «السقا» الذى لم يقتصر دوره على السقاية فقط بل وصل إلى المشاركة فى إخماد الحرائق ورش الطرق الترابية خلال الصيف لتبريدها، بالإضافة إلى نقل الأخبار ونشرها بحكم وظيفتهم التى تمكنهم من دخول منازل علية القوم.
وامتد الأمر الى أن صار «السقا» رسولاً للغرام بين المحبين، وكان الالتحاق بتلك المهنة يتطلب أن يخوض المتقدم اختبارا يتمثل فى حمل قربة أو كيس مملوء بالرمال يزن 67 رطلا لمدة ثلاثة أيام وذلك بعد التأكد من أمانته وحرصه على سلامة المياه التى ينقلها للناس.
وكان السقايون يجتمعون عند أربعة نقاط تتواجد فيها المياه هى «باب البحر» ميدان رمسيس حالياً، « باب اللوق» بالقرب من ميدان التحرير، «قناطر السباع» مصر القديمة، و«حارة السقايين» بالسيدة زينب.
و كان سقاؤوا الحارة يجلبون الماء من الخليج الذى يشق القاهرة خلال أشهر الفيضان الثلاثة أو من نهر النيل فى غير وقت الفيضان، ثم يقوموا بتنقيتها عن طريق رشها بالشبة ومن ثم تعطيرها بالمستكة وماء الورد، ثم يتوجهون بعد ذلك الى عملائهم حيث يقومون بصب المياه فى الخزان أو «الزير».
واختلفت طريقة حساب «السقا»، منها أن يضع علامات على باب المشترك بعدد القرب التى أحضرها إليه، فإذا وصلت العلامات إلى حد معين حاسبه، أو أن يستخدم عقودا من الخرز الأزرق، يسحب منها خرزة عن كل قربة، وعندما ينتهى الخرز يذهب لمحاسبته.
وفى عصر «محمد على باشا» ظهرت الصنابير وكان استخدامها لأول مرة بمسجده بالقلعة، فخشى السقايين على أنفسهم من انقطاع الرزق فسعوا لاستصدار فتوى بتحريم استخدام الصنابير، وبالفعل أصدر فقهاء «الشافعية» و«المالكية» و«الحنابلة» فتوى بذلك مستندين على كون الصنبور يخزن المياه وهو ما يتناقض مع ضرورة جريان المياه كشرط لصحة الوضوء، أما علماء المذهب الحنفى فأفتوا بجواز استخدام الصنابير فى الوضوء ولهذا أطلق الناس على الاختراع الجديد «الحنفية».
وعلى الرغم من ظهور الصنبور إلا أن السقايين استمروا فى عملهم حتى عام 1865م حيث أقام الخديوى إسماعيل محطة لضخ المياه بالقرب من القصر العينى ومُدت أنابيب المياه إلى قلب القاهرة عن طريق شبكة من الحنفيات بالطرق العامة.
ومنذ تلك اللحظة اندثرت مهنة «السقا» و لم يتبقى منها سوى بعض صور المستشرقين واسم حارة تاريخية و أغنية تغنت بها المطربة «شريفة فاضل» نرددها جميعاً على ألسنتنا «ما تروحش تبيع الميه فى حارة السقايين».