رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

في معركة الوعي..من «الممر» إلى «الاختيار»

83

انتهى مسلسل «الاختيار» الذي تصدر نسب المشاهدة طوال الشهر الكريم وأعاد إلى الدراما الهادفة عصرها الذهبي.
لم أكتب عن المسلسل طوال فترة العرض، من منطلق أنني يجب أن أشاهد العمل مكتملاً حتى أستطيع طرح رؤيتى وفق وقائع وأحداث أشهدها خلال العرض، ومعلومات دقيقة، خاصة أنني لست ناقدًا فنيًا بقدر كوني مشاهدًا ومتابعًا، تتبلور رؤيته بعد اكتمال العمل، حتى تكون الرؤية واقعية.
لم أشك لحظة، منذ الإعلان عن العمل، في أنه سيكون على مستوى من الاحترافية، ولم يبتعد عن ذهني أن هناك أقلامًا ستحاول فى الأسبوع الأول من العرض للاختيار البحث عن مناطق فى العمل الفني يحاولون بها النيل منه، كما حدث من قبل مع فيلم «الممر» الذي استطاع أن يحرك المياه الراكدة ويؤكد أهمية القوى الناعمة فى المعركة الحالية (معارك الجيل الرابع) والتي تستهدف العقول.

البعض تعجل وبدأ النقد مبكرًا، وتحدث عن تغييب العمل لشخصيات معينة، والتى ظهرت فى الحلقات بعد الحلقة السابعة، مثل والدة الشهيد «العقيد أركان حرب أحمد منسى».
أما السهام المسمومة التى وجهتها الكتائب الإلكترونية للعمل فقد كانت أحد عوامل زيادة نسب المشاهدة.
جاء «الاختيار» ليعيد لأذهننا دور الدراما الوطنية فى تشكيل الوعى، والتى كانت تقدم من قبل مثل «دموع فى عيون وقحة» و«رأفت الهجان» و«العميل 1001» وإن كان الاختيار يختلف عن تلك الأعمال، فأحداث العمل الدرامى (الاختيار) لم تمر عليها سوى سنوات قليلة، بل إن المشاهدين، عاشوا تلك المرحلة، على العكس الأعمال الدرامية الثلاثة السابقة كانت تتعرض لأحداث لم تعشها معظم الأجيال الحالية (1967 – 1973) كما أن تلك العمليات تم كشف جزء من تفاصيلها بعد مرور المدة المحددة للإفراج عن ملفات العمليات الاستخباراتية، وفق مقتضيات الأمن القومى.
يبقى تساؤل لدى البعض، لماذا «الاختيار» الآن؟
(1)
على مدار أكثر من تسع سنوات مضت والمنطقة تعيش مرحلة من أصعب المراحل فى تاريخها.. العديد من المتغيرات والأحداث، وصراعات القوى الدولية عليها، وحروب بالوكالة تستهدف تفتيت المنطقة.
كانت ولا تزال مصر هى حجر الزاوية فيها، والصخرة التى تحطمت عليها الأطماع، فى هدم المنطقة، لذا كانت الهدف لقوى الشر.
بدأ من 2011 وازداد الأمر شراسة عندما تم الدفع بالعناصر الإرهابية بالتعاون مع تنظيم الإخوان الإرهابى ليكون شوكة فى ظهر الدولة المصرية ومحاولة إسقاط الدولة من خلال تنظيمات إرهابية، فتصدت القوات المسلحة والشرطة المدنية لمواجهة تلك التنظيمات وعناصرها التكفيرية، ووقفت فى مواجهة الإرهاب نيابة عن العالم وانتصرت فى معركة الحفاظ على الدولة المصرية وحماية المنطقة من مخطط التقسيم، وسطر خلال تلك المعركة الأبطال من أبناء القوات المسلحة العديد من البطولات، ستظل مكتوبة فى سجل الشرف والفداء بحروف من نور، كان من بين تلك البطولات ما سجله «رجال منسى» من أبطال الصاعقة المصرية، وما كشف مسلسل الاختيار عن جزء بسيط منه، برغم الزخم فى الأحداث خلال حلقات المسلسل والذى قدم نوعًا جديدًا من الدراما، وهى «الدراما الوثائقية» عندما قدم مخرج العمل ربطا بين أحداث المسلسل والوقائع التى شهدناها جميعا خلال السنوات التسع الماضية.
(2)
جمع «الاختيار» بين الدراما التليفزيونية والأعمال الوثائقية، وهو ما جعل العمل يحوز على أعلى نسبة مشاهدة فى مصر والوطن العربى، فكان بمثابة استعادة لدور الدراما الوطنية فى بناء الشخصية، وأحد أدوات الدفاع فى معركة تزييف الوعى، فكشف المسلسل زيف التنظيمات الإرهابية وصحح المفاهيم ففرق بين الإرهابى والتكفيرى، وأزاح الستار عن بعض تفاصيل الأحداث، التى شهدتها مصر ومن كان يقف وراءها.
سلط العمل الضوء على بعض من الأعمال البطولية لأبنائنا على كل المحاور الاستراتيجية وبشكل خاص المحور الاستراتيجى الشرقى (سيناء) والمحور الاستراتيجى الغربى (الحدود الغربية).
جاء العمل ليضع منتجى الدراما التليفزيونية فى مأزق، بعد أن حقق أعلى نسبة مشاهدة، والتى تعد مبتغى كل منتج من منتجى الأعمال الدرامية أو السينمائية.
كما قدم العمل رسالة قوية، لكتاب الدراما، فكشف عن نقاط مضيئة كثيرة يصلح كل جزء منها ليكون عملاً دراميًا منفصلاً.
لقد قدم «الاختيار» نموذجًا للدراما التى نحتاج إليها خلال المرحلة الحالية فى مواجهة حرب الشائعات وتغييب العقول.
عندما كشف حجم المعارك التى تصدى لها أبطال القوات المسلحة خلال السنوات الثمانى الأخيرة، ومنذ مذبحة رفح الأولى.
أظهر «الاختيار» التحول الكبير فى الشخصية لشباب التجنيد، عقب انضمامهم للقوات المسلحة، وكيف تصنع حياة الجندية الرجال، وكانت الأمثلة كثيرة.
كما عرض المسلسل جزءًا من بطولات الأبطال مثل المجند أيمن شويقة، وعلى على، الذى أصبح اسمه جزءًا من أغنى البطولة (العسكرى على من الشجعان.. مات راجل وسط الفرسان) وهناك أبطال كُثر من المجندين.. لم يتعرض لهم المسلسل لكنه تعرض لنماذج منهم.
بطولات أبطال الكتيبة 103 صاعقة ممتدة، منذ تأسيس القائد الشهيد البطل العميد إبراهيم الرفاعى المجموعة 39 قتال والذى اختار سرية من الكتيبة 103 من الصاعقة البرية، لتنضم للمجموعة التى سطرت البطولات على أرض سيناء، وكبدت العدو الإسرائيلى خسائر فادحة على مدار 6 سنوات وخلال حرب أكتوبر 1973.
بطولات أبطال ( 103 صاعقة) فى مواجهة الإرهاب لم تنته، وهناك بطولات سطرها أبطال الكتيبة 101 حرس حدود، وكذا أبطال قوات التدخل السريع وبطولات سطرها أبطال القوات الجوية، والقوات البحرية، وأبطال المهندسين العسكريين.
بطولات يصعب حصرها، ولكل منهم حكاية تكفى أن تكون عملا فنيا يلتف حوله الجمهور.
(3)
الاختيار – جاء كاشفا للفارق بين اختيار الحق كما فعل أمير الشهداء العقيد أحمد منسى (الدفاع عن الوطن) واختيار الباطل والشيطان كما فعل عشماوى الذى انحرف عن الطريق الصحيح، فخان العهد والقسم وكان الجزاء من جنس العمل (الإعدام).
الاختيار – أثبت أن النص المنضبط الذى يقدم هدفًا، ويدافع عن قضية وطن يلقى دعمًا من كل مؤسسات الدولة الوطنية، بل يلقى دعما جماهيريًا، وهو ما شهدناه خلال شهر رمضان.
لقد أثر المسلسل وأحداثه فى حياة المصريين، وسيطرت جُمل ومقولات وأحاديث الأبطال على السوشيال ميديا طوال الشهر الكريم ولا تزال.
لقد استطاع «الاختيار» أن يحقق نصرا كبيرا ويمنى التنظيمات الإرهابية بهزيمة منكرة فى معركة الوعى، فرسخ مفهوم الفداء، ومعنى الحفاظ على الوطن والتضحية، وتحولت شخصيات الأبطال إلى قدوة، يمنى الشباب والأطفال أنفسهم بأن يكونوا مثل هؤلاء.
وهو ما جعل الطفل «إسلام محمد أسامة» يكتب خطابا يطلب فيه من الله أن يكون مثل الضابط «منسى».
فكما استطاع «منسى» ورفاقه من الأبطال الانتصار على العناصر التكفيرية المسلحة فى سيناء، خلال معركة مكافحة الإرهاب.
استطاع أبطال مسلسل «الاختيار» الانتصار فى معركة الوعى وتغييب العقول، فأناروا الطريق، أمام الشباب، وقدموا جزءًا مما يقدمه الأبطال الحقيقيين فى أرض المعركة.
النجاح الذى حققه «الاختيار» أكد مجموعة من الثوابت التى يجب أن يلتفت إليها منتجو الدراما سواء الباحثين عن مكسب مادى أو المتخندقين فى خندق الدفاع عن الوطن منها:
– الجمهور يبحث عن العمل الهادف والوطنى والذى يناقش قضية حقيقية.
– الابتذال والإسفاف لم يعد مبررا لمن يتحدثون عن أن تلك النوعية هى التى تجذب الجمهور فقط .
– الحديث الدائم عن أن الأعمال الفنية التى تبنى الوعى لابد للدولة أن تنتجها.. لم يعد واقعيًا، فالدولة تدعم الأعمال الهادفة، وعلى القطاع الخاص أيضًا أن يتحمل مسئوليته ويقوم بدوره لأنه شريك فى بناء الوطن.
– على الجميع أن يتحمل مسئوليته، بدءًا من كاتب النص ومرورا بالممثلين وانتهاءً بإخراج العمل والنقاد. فلم يعد من اللائق أن يكون هناك أبطال يدافعون عن أمن وسلامة الوطن، فى الوقت الذى يواصل فيه البعض تسطيح العقول.
(4)
لقد نجح مسلسل الاختيار فى كشف زيف التنظيمات الإرهابية، وسلط الضوء على حجم المعركة التى يواجهها أبطالنا فى سيناء، وعقيدة الأبطال التى لم تتزعزع فى مواجهة العناصر التكفيرية وقوى الشر التى تمولهم.
فخلال معركة «البرث» واصل الأبطال المواجهة مع العناصر التكفيرية، رغم نفاد ذخيرتهم.
لقد أبدع المخرج عندما أظهر أصحاب العصابات الحمراء من العناصر التكفيرية، ممن غابت عقولهم واعتقدوا بعد جلسات غسيل العقول التى يمارسها معهم قيادات خفافيش الظلام، أنهم ذاهبون إلى الحور العين.
فظنوا أنهم أحفاد «أبو دجانة» وهم فى الحقيقة ليسوا سوى كلاب النار.
(5)
إن الطريق من «الممر» إلى «الاختيار» لا يزال فيه الكثير، وقد استطاعت إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة أن تقوم بدور كبير فى معركة الوعى، بعد أن غابت المؤسسات التى كان من الواجب عليها أن تقوم بهذا الدور، فقامت إدارة الشئون المعنوية بسد تلك الثغرة، فى إطار حرصها على الحفاظ على الأمن القومى المصرى.

شكرا لإدارة الشئون المعنوية على دعمها «للممر» ومن بعده «الاختيار» وقريبا أعمال أخرى، سيكون لها دور فى بناء الشخصية المصرية.
شكرا لكل من ساهم وشارك في «الاختيار» ليكشف ما يقوم به الأبطال في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وحجم المعركة التي تواجهها مصر ولا تزال على مدار ثماني سنوات.
إنها معركة الوعي التي انتصر فيها الممر ومن بعده الاختيار.