رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

لماذا ليبيا وإثيوبيا الآن؟ (4)

254

جاء تعريف الأمن القومي المصري على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال كلمته بمناسبة العيد السابع لثورة الثلاثين من يونيو قائلًا:«إن أمن مصر القومي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن محيطها الإقليمي فهو لا ينتهي عند حدود مصر السياسية بل يمتد إلى كل نقطة يمكن أن تؤثر سلبًا على حقوق مصر التاريخية».

خلال الفترة من 2014 وحتى كتابة هذه السطور تخوض مصر معركة قوية لحماية حقوقها التاريخية من مياه النيل، معركة تُدار بشرف (وهو المنهج الذي اتخذته الدولة المصرية)، واستطاعت توقيع اتفاق المبادئ في 2015، إلا أن الحكومة الإثيوبية سلكت طريقًا آخر، متدثرة بالمراوغة، ومحاولات استهلاك الوقت، ظنًا منها أنها بذلك قادرة على تمرير مخطط يستهدف أمن مصر المائي.

تواصل مصر معركتها بشرف فقد عرضت كافة نتائج المفاوضات واللجان الفنية واللقاءات الثلاثية، لتثبت للمجتمع الدولى شرعية منطقها، وأحقية مصر فى الدفاع عن أمنها المائى فى جولات دبلوماسية امتدت لأكثر من خمس سنوات لتؤكد أن مصر داعية للتنمية والاستقرار لكافة دول المنطقة، دون الاعتداء على حقوقها التاريخية، وأمنها المائى.

لكن الأحداث فى المحور الاستراتيجى الجنوبى لمصر لم تكن بدايتها بعد أحداث 2011 فقط، بل هو تاريخ متجذر بالتهديد، تديره القوى الاستعمارية، وقوى الشر للضغط على الدولة المصرية، الأمر جاء للولايات المتحدة الأمريكية على طبق من ذهب فى عام 1957، وتلقفته الإدارة الأمريكية بعد أن وجدت الدولة المصرية وقيادتها تتجه شرقًا نحو الاتحاد السوفيتي.

طلب الإمبراطور الإثيوبى «هيلا سيلاسي» من الولايات المتحدة الأمريكية المساعدة الفنية لإنشاء عدد من السدود على النيل الأزرق للاستفادة منها.

أُحيل طلب الإمبراطور الإثيوبى إلى مكتب الاستصلاح الأمريكى «USBR» (والذى تأسس بطلب من الخارجية الأمريكية فى عام 1902 واتُخذ له مقرًا فى واشنطن، وتم نقل تبعيته إلى وزارة الداخلية الأمريكية).

فى 9 أغسطس 1957 وافقت الحكومة الأمريكية على طلب الحكومة الإثيوبية لدراسة حوض النيل الأزرق تحت اسم «برنامج التعاون للولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق»، وكان التعاون ردًا على إسناد الرئيس جمال عبدالناصر مشروع إنشاء السد العالى للاتحاد السوفيتى.

انتهت الدراسة بتقديم تقرير شامل عن الهيدرولوجيا ونوعية المياه وشكل سطح الأرض والجيولوجيا والموارد المعدنية والمياه الجوفية واستخدام الأرض وأخيرًا الحالة الاجتماعية والاقتصادية لحوالى 25 حوضًا فرعيًا، وجاءت الدراسة فى 7 مجلدات مكونة من تقرير رئيسى بعنوان «الموارد الأرضية والمائية للنيل الأزرق» بالإضافة إلى 6 ملاحق عام 1964.

قام المكتب الأمريكى بتحديد 26 موقعًا لإنشاء السدود أهمها أربعة سدود على النيل الأزرق الرئيسي: كارادوبى، مابيل، مانديا، وسد الحدود (النهضة) بإجمالى قدرة تخزين 81 مليار متر مكعب، وهو ما يعادل جملة الإيراد السنوى للنيل الأزرق مرة ونصف تقريباً؛ اقترحت بعض الدراسات الحديثة زيادة السعة التخزينية لسد ماندايا من 15.9 مليار متر مكعب إلى 49.2 مليار متر مكعب، وسد النهضة من 11.1 مليار متر مكعب إلى 13.3 مليار متر مكعب، وألغت سد مابيل واقترحت سد باكو أبو بدلًا منه.

عقب إعلان انتهاء تلك الدراسات فى عام 1964، كانت الدولة المصرية قد أدركت خطورة التهديد القادم من الجنوب، فوطدت علاقاتها بإثيوبيا، وحضر «هيلا سيلاسى» وضع حجر الأساس للكاتدرائية المرقسية بالعباسية فى 24 يوليو 1965، خلال احتفالات العيد الثالث عشر للثورة، واستقبله الرئيس عبد الناصر وأُقيم له وقتها استقبال شعبى ورسمى وتم تكريمه من مجلس قيادة الثورة.

هدأ الوضع ولكن سرعان ما عاد مرة أخرى عندما تحركت إسرائيل باتجاه منابع النيل، بحثًا عن المياه، فدفعت بخبراء الرى والزراعة الإسرائيليين إلى كافة دول الحوض بما فيهم إثيوبيا.

لم تكن تلك التحركات من قبيل الصدفة، لكنها جاءت وفق خطة محددة الخطوط للتحرك، باتجاه تعطيش دول المصب وخاصة مصر، لتصبح إحدى أوراق الضغط على الدولة المصرية.

إن نهر النيل شريان الحياة فى مصر، فى ظل دولة صحراوية تفتقر إلى مياه الأمطار والمياه الجوفية، وتنحصر الحياة بها على ضفاف النهر، فقد صنع شعبها حضارته وتاريخه فى وادى النيل ودلتاه.

عقب 1967 ظنت إسرائيل أنها قد تستطيع التمدد لتنفيذ مشروعها المزعوم (من النيل إلى الفرات) ولكن سرعان ما استطاعت مصر بجيشها وشعبها الذى اصطف خلف قواته المسلحة تدمير الحُلم الإسرائيلى.

عقب توقيع اتفاقية السلام بين مصر، تحركت بعض القوى لتقويض علاقات مصر بإفريقيا، واستطاعت أن تصل إلى مبتغاها.

عمل أكثر من 800 خبير إسرائيلى فى منابع النيل، فى الوقت الذى تمددت فيه ذراع إسرائيل داخل القارة وداخل دول الحوض بالتحديد، خاصة بعد أن استطاع الرئيس الشهيد محمد أنور السادات أن يسترد كامل التراب الوطنى دون أن تحصل إسرائيل على قطرة ماء واحدة.

(يبلغ مدى انحدار النيل الأزرق خلال رحلته من بحيرة تانا إلى الحدود الإثيوبية – السودانية – البالغة 900 كيلو متر – 1350 مترًا، بنسبة انحدار تبلغ 500 متر فى المائة كيلو متر الأولى من مجراه؛ وقد اقترح التقرير بناء أربعة سدود كبيرة فى الجزء الأخير من المجرى).

لكن نتيجة الدراسة توصلت إلى أن تكلفة المشاريع المطلوبة كانت مرتفعة للغاية، لذلك اقترح المكتب الأمريكى أن تقوم إثيوبيا بالتركيز خلال سنوات القرن العشرين على بناء السدود الصغيرة.. أما مشروعات السدود الكبيرة على النيل الأزرق فقد اقترح تأجيل إقامتها إلى القرن الواحد والعشرين.

نفذت إثيوبيا التوصية الفنية الأمريكية بالفعل، حسبما جاء فى كتاب «نهر النيل» للدكتور رشدى سعيد 2001.

انطلقت إسرائيل باتجاه دول الحوض منذ 1977، وازداد توغلها فيه نهاية السبعينيات، وبحسب دراسة قدمتها «يهوديت روبين» الباحثة بمركز ديان قالت: إن إسرائيل لعبت دورًا فى تعميق الفجوة بين الأطراف المتصارعة من أجل بلوغ هدف تفتيت السودان لتجريد مصر من عمقها الاستراتيجى.

كما قامت إسرائيل بإنشاء سد تخزينى على نهر «فيشا» أحد روافد النيل الأزرق، وواصلت إسرائيل العمل داخل إثيوبيا من خلال شركتها «سوليل بونيه عبر البحار للتشييد» المتخصصة فى بناء السدود والتى تعد فرعًا لشركة «سوليل بونيه» فى أديس أبابا من أكبر فروع الشركة العاملة فى الخارج.

(سوليل بونيه – شركة اقتصادية من تأسيس الهستدروت العامة، ولعبت هذه الشركة دورًا كبيرًا فى بناء وترسيخ الاقتصاد الإسرائيلى ولها أذرع كثيرة فى الخارج منها «سوليل بونيه عبر البحار»).

كما قامت إسرائيل بدعم الجماعات العرقية والحركات الانفصالية بالأسلحة من أجل السيطرة على الوضع، وقدمت عددًا من المشروعات الخاصة بالرى والزراعة والمشروعات الاقتصادية.

علق بن جوريون على ذلك قائلًا: «إسرائيل لا تعطى دون مقابل، إن المساعدات التى تذهب إلى القارة الإفريقية ليست عملًا خيريًا، بل تقدم المصالح الإسرائيلية فيها، وهى سوق ضخمة محتملة وقوة سياسية يمكن أن تدعم إسرائيل فى المحافل الدولية، وهى إحدى أوراق الضغط على مصر، فمصر دولة مصب، وإثارة المشاكل لها مع دول المنبع يعنى انشغال مصر بمشكلة حيوية تسبب لها خطرًا ماثلًا على شريان حياتها».

بلغت حجم الاستثمارات الإسرائيلية فى إثيوبيا فى مجال الطاقة فقط 500 مليون دولار، بحسب تصريحات السفير الإسرائيلى فى أديس أبابا؛ ومنذ سبعينات القرن الماضى لا تتوقف محاولات استغلال المحور الاستراتيجى الجنوبى ومنابع النيل للضغط على مصر، فالحلم الإسرائيلى للحصول على المياه لا ينتهى.

وقال «ليفى أشكول» أن مستقبل الأجيال القادمة فى إسرائيل مرتبط بقدر كبير بنشاطنا فى القارة الإفريقية.

كما طالب «اليعازر رافتاى»، رئيس لجنة المياه فى الكنيست عام 1979، بتوصيل مياه النيل إلى إسرائيل.

ظلت محاولات استخدام ورقة مياه النيل للضغط على الدولة المصرية منذ الستينيات وحتى الآن هى إحدى أوراق الضغط والتهديد على الدولة المصرية والنفاذ منها لإشعال المحور الاستراتيجى الجنوبى الشرقي.

لكن الدولة المصرية ظلت تدافع عن حقوقها التاريخية فى مياه النيل متمسكة بالشرعية الدولية والاتفاقيات المبرمة بين دول الحوض.

منذ عام 2007 وحتى 2009، حاولت إثيوبيا وعدد من دول الحوض تعديل الاتفاقيات الخاصة بنهر النيل لإعادة تقسيم الحصص بين دول الحوض، ودفعت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وقطر والصين وفرنسا المزيد من استثماراتها فى دول الحوض، خاصة إثيوبيا.

قامت إسرائيل بزراعة ما يقرب من 400 ألف فدان فى إثيوبيا، وطلب رئيس الوزراء الإثيوبى الأسبق مليس زيناوى من الرئيس الأسبق حسنى مبارك الموافقة على إقامة سد النهضة الذى تم تعديل سعته التخزينية أكثر من مرة، لكن الأخير رفض الطلب الإثيوبى، مما دفع إثيوبيا للتحرك من أجل الضغط على مصر باتفاقية «عنتيبى» وكان «زيناوى» قبل توليه رئاسة الحكومة الإثيوبية يعمل لدى الشركة الإسرائيلية «سوليل بونيه عبر البحار للتشييد».

ظلت مصر متمسكة بموقفها دفاعًا عن حقوقها التاريخية فى ظل محاولات الضغط من القوى الدولية واستمرار المحاولات الإثيوبية، وطلب زيناوى تحديث الدراسات الخاصة بمشروعات السدود على النيل الأزرق.

لم يكن الهدف هو التنمية، كما تزعم إثيوبيا، فلو كان الأمر كذلك فمصر لا تعترض على بناء سد بسعة تخزينية 14 مليار متر مكعب وبإخطار مسبق وفق الاتفاقيات المبرمة بين دول الحوض وكذلك المواثيق والاتفاقيات الدولية.

لكن إثيوبيا لم تكن تستهدف ذلك ولكنها مدفوعة بقوى أخرى دولية وإقليمية تستهدف الضغط على الدولة المصرية.

بدأ العمل فى المشروع عقب أحداث يناير 2011 مستغلة الوضع الذى كانت تشهده مصر، وخلال فترة تولى الجماعة الإرهابية الحكم واصلت إثيوبيا تحركها الأحادى بتحويل مجرى النيل الأزرق.

كان الاجتماع (السرى / المعلن) الشهير بين مرسى وجماعته والذى حول المشهد فى اتجاه منح إثيوبيا الفرصة لاستغلال الموقف لاستكمال السد دون موافقة دولتي المصب.

لكن هل الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي والجنوبي الشرقي يتحرك بشكل طبيعي أم أن ثمة أياد تسعى للضغط على الدولة المصرية لتعطيل مسيرة النجاح التي حققتها خلال السنوات الست الماضية؟ .. هذا ما سنكشفه في العدد القادم.