رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

«الصندوق الأسود» لمنظمات حقوق الإنسان «المشبوهة»

446

محمد ربيع

تناولت «أكتوبر» في العدد الماضي، المؤامرة الحقوقية على مصر، والتي سلط الضوء عليها مسلسل «هجمة مرتدة» والمأخوذ عن قصة حقيقية من ملفات المخابرات العامة المصرية.
وفى هذه الحلقة تواصل «أكتوبر» استعراض ما تضمنه «الصندوق الأسود» للمنظمات الحقوقية ودورها في تصعيد تنظيم الإخوان الإرهابي لصدارة المشهد السياسي بالبلاد قبل وخلال وعقب أحداث 25 يناير 2011، وانهيار النظام السياسي للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.

 

كانت الحلقة الأولى قد تضمنت دور «العراب الأكبر» للصفقات المشبوهة ضد مصر د. سعد الدين إبراهيم، مؤسس ومدير مركز «ابن خلدون» الحقوقى، رجل أمريكا الأول فى المجتمع المدنى المصرى والمنفذ لسياساتها ومؤامراتها على مصر.
ونتناول فى الأسطر التالية دور اثنين من أخطر «الحقوقيين» مساهمة فى هذا الملف المشبوه، وهما بهى الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ود. عبدالمنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسى السابق وعضو مكتب الإرشاد بتنظيم الإخوان الإرهابى.
مقدم النجوم
والبداية مع «بهى الدين حسن»، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والذى لم يكن ناشطا حقوقيًا عاديًا، فهو أحد الآباء المؤسسين للحركة فى مصر وهو من قدم كل نجوم أحداث 25 يناير قبلها بسنوات عن طريق مركزه الغامض الموجود فى جاردن سيتى على بعد أمتار من السفارة الأمريكية.

لمع المركز عام 2004 بعد اختيار «حسن» ضمن التشكيل الأول للمجلس القومى لحقوق الإنسان، وترأس حسن لجنة حرية التعبير، ومن هنا بدأ الاهتمام بما يطرحه من أنشطة، وكان من الطبيعى أن تجد المقر مشغولًا بالنشطاء الأجانب أو مسئولى السفارة الأمريكية أو البريطانية، وكان هناك اهتمام خاص بصالون المركز الفكرى والذى كان يُعقد تحت عنوان «ابن رشد»، وفيه قدم حسن قيادات الإخوان مثل عصام العريان، وعبد المنعم أبو الفتوح، وعصام سلطان، وكان «سلطان» يلعب وقتها دور المعارض للجماعة بعد تأسيس حزب الوسط، الذى رفض أكثر من مرة، بسبب تبعيته للجماعة سرًا، وهو ما تأكد بعد ذلك بتحالف الحزب مع حزب الإخوان سواء فى البرلمان وإعداد دستور الإخوان ثم التمركز فى رابعة بعد عزل الرئيس الإخوانى محمد مرسى، وثبت قطعيًا أنه كان ذراعًا سياسية للجماعة الإرهابية.
بالمنطقة الدافئة
كان «حسن» حريصًا على تواجدهم بصورة دائمة فى أنشطة المركز، ولقاء الصحفيين والنشطاء الأجانب بشكل طبيعى، ومن هنا برز اسم أبو الفتوح فى أروقة المنظمات الدولية، خصوصًا من خلال ما يطرحه من رؤى تقدمية على أفكار الإخوان تشابهت فى ذلك الوقت مع رؤى راشد الغنوشى، القيادى الإخوانى التونسى، وعلى هذا الأساس اعتبرت المنظمات أبو الفتوح نموذجًا إصلاحيًا فى الجماعة المتطرفة، وكان لا يزال يشغل منصب عضو مكتب الإرشاد، وكثيرًا ما أثار الجدل بما يطرحه فى الصالون من رؤى متحررة عما تطرحه الجماعة وهو نفس ما كان يقدمه سلطان وغيره.

كان الإعلام مشغولاً عن الدور الخطير الذى يمارسه بهى الدين حسن، فقد كان فى منطقة دافئة فى علاقته بالدولة على ضوء وجوده فى تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان وهو ما فُسِّر على أنه تقارب بين حسن وبين أجهزة الدولة إلى أن أعلن استقالته بعد ذلك، وكان التركيز منصبًا على الدور الذى يلعبه د. سعد الدين إبراهيم فى تأسيس علاقة علنية بين الجماعة المحظورة، وبين الإدارة الأمريكية باعتبارها بديلًا محتملًا لنظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، بينما كان دور حسن أخطر من إبراهيم، فقد فضل لعب دور «عراب» الظل للجماعة لدى مراكز التأثير على القرار الأمريكى وإقامة علاقة طويلة الأمد بين الجماعة، وهذه المنظمات.
مؤامرة على سيناء
والحقيقة أن «حسن» مارس دور العراب لعدد كبير من النشطاء والحقوقيين الذين سيطروا على المشهد السياسى قبل وبعد 25 يناير، بل كان محطة مهمة لأنشطة مركز «الكرامة» القطرى فى مصر عقب يناير، وهو الذى قدم للمنظمات الدولية أسماءً مثل حسام بهجت، وأحمد ماهر، وزياد عبد التواب، ومعتز الفجيرى، كما كان هو المكان الذى استقبل أيمن نور عقب خروجه من السجن، ونظم له لقاءات فى البرلمان الأوروبى والمركز الأورومتوسطى، بالإضافة إلى اختراق صفوف القضاة، وقدم للرأى العام المصرى والعالمى تيار استقلال القضاء، وعلى رأسهم هشام جنينة، ومحمود الخضيرى، وأحمد مكى، ومحمود مكى، نائب مرسى بعد ذلك وحسام الغريانى الذى صاغ دستور الإخوان.

سخّر بهى الدين مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لخدمة م، ومازال يمارس الدور نفسه بعد هروبه من مصر وإقامته فى تونس، حتى إنه شارك فى مؤامرة متكاملة على سيناء مع مركز هيومان رايتس، لغل يد الجيش عن مكافحة الإرهاب، وحاول أكثر من مرة إصدار قرارات دولية بمنع توريد السلاح للجيش المصرى، وكان هو صاحب أطروحة أن ملاحقة الدولة لتنظيم الإخوان الإرهابى والتيارات المتأسلمة هى السبب وراء الإرهاب، وهو الطرح نفسه الذى تروج له أبواق الجماعة فى الإعلام الغربى، وقناة الجزيرة القطرية.
الكرامة القطري
تتشابه شخصيتا «حسن» و«أبو الفتوح» فى أمور كثيرة فـ «حسن» يعتبر نفسه الأب المؤسس لحقوق الإنسان فى مصر، بينما يرى «أبو الفتوح» نفسه الأحق برئاسة مصر وقيادة تنظيم الإخوان، فهو أحد عناصر إحياء الجماعة فى السبعينيات، والأقرب للتيارات الليبرالية واليسارية و6 أبريل.
قبل 25 يناير قام بهى ذو الخلفية اليسارية بتأسيس ملتقى المنظمات المستقلة المكون من 5 منظمات أبرزها مركز القاهرة وشبكة معلومات حقوق الإنسان، بهدف السيطرة على المجتمع الحقوقى فى مصر، وكان واضحًا منذ اليوم الأول أن هذه المنظمات تجمعها مرجعية سياسية واحدة وممول واحد وأهداف استراتيجية واحدة وهى، أولًا: الإيحاء للغرب أن هذا الملتقى وحده هو المستقل وما عداه هى منظمات حقوقية غير مستقلة أو حكومية على حد تعبيرهم، وثانيًا: إن ملتقى المنظمات مستقل أيضًا عن الدولة المصرية وهى البضاعة التى تبحث عنها السفارات الأجنبية فى مصر ومنظمات التمويل بالخارج، حيث إن هذا النوع من المنظمات كفيل بالاعتماد عليه كأحد أهم مصادر المعلومات فى مصر عن الأوضاع السياسية وأوضاع حقوق الإنسان، وثالثًا: أن هذا الملتقى كلف الناشط جمال عيد بشن هجوم على باقى المنظمات والنشطاء فى مصر واتهامهم بأنهم حكوميون وأن الأمن هو الذى أنشأ تلك المنظمات، وأخيرًا قام ملتقى المنظمات بشن هجوم غير مبرر على المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت فى الوقت الذى فتح الملتقى أبوابه لقطر ومنظمة الكرامة القطرية للعمل المشترك، ووصل الحال بملتقى المنظمات المستقلة إلى إصدار بيانات تخص الشأن الحقوقى تحمل توقيع منظمة الكرامة القطرية المشبوهة بجانب توقيع المنظمات المصرية فى سابقة لم يشهدها العمل الحقوقى فى مصر.
بحث عن الزعامة
ومع اندلاع أحداث 25 يناير قام ملتقى المنظمات بإصدار بيان له فى اليوم الثانى لتخلى الرئيس حسنى مبارك عن السلطة عنوانه «عاشت الثورة الشعبية المصرية سقط الديكتاتور.. المطلوب إسقاط نظام الدولة البوليسية»، فى محاولة لإيهام الغرب أن تلك المنظمات هى التى ساهمت فى إنجاح الثورة وسعيا للبحث عن زعامة العمل الأهلى فى مصر واختزلت تلك المنظمات كل العاملين والمناضلين فى العمل الحقوقى فى مصر، وذيلت البيان المترجم بالطبع بتوقيع منظماتهم فقط، وأضافت إليه توقيع كيان وهمى يسمى «ائتلاف شباب ثورة الغضب»! وقدمت تلك المنظمات مطالبها التى تجاوزت الأربعين مطلبًا وكأنها حركة ثورية تعلن مطالبها، على الرغم من أن القوى الثورية كانت مطالبها لا تتعدى الثلاثة، ولكنه جنون العظمة الذى صوّر لهم أنهم يتولون إدارة مصر عقب تخلى الرئيس الأسبق مبارك عن السلطة.
لم يقف الأمر عند هذا الحد بل قام الناشط جمال عيد بوضع قائمة أسماها «قائمة العار» ووضع فيها أسماء لشخصيات حقوقية وسياسية بهدف تحريض الجماهير فى الشارع على تلك الشخصيات، وهو يعلم بالتأكيد أن هذا التصرف، فضلًا عن كونه تصرفا يتسم بالكراهية أو التحريض إلا أن ما اسماه بقوائم العار كان من الممكن أن يتسبب فى تعرض الأمن الشخصى لهذه الأسماء للخطر.
وعقب ثورة 30 يونيو2013، وبدء اعتصام «رابعة»، كانت مؤسسة الكرامة والمبادرة المصرية ومركز القاهرة أهم المنظمات التى تتابع عن قرب اعتصام جماعة الإخوان، وأصدر الملتقى أيضًا بياناً أدان فيه السلطات المصرية أثناء فضها الاعتصام وهى المحاولة المكشوفة من قبل تلك المنظمات المستقلة الممولة من مؤسسة الكرامة القطرية لتوفير غطاء حقوقى لممارسات الإخوان أثناء اعتصامهم فى رابعة والتغطية على الجرائم التى ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين أثناء اعتصامهم.
عبد المنعم أبو الفتوح
أما عبد المنعم أبو الفتوح فكانت 25 يناير بالنسبة له أكبر من مجرد تحرك ضد الرئيس مبارك، فهى تاريخ نجاحه فى طرح اسمه قائدًا لمصر بعيدًا عن جماعة الإخوان، والتى فشل فى اعتلاء قمتها بسبب صراعه القديم مع خيرت الشاطر ورجاله.
لم يكن مستغربًا أن تتضمن حملة أبو الفتوح للرئاسة أسماءً مثل وائل غنيم «قائد الثورة»، وبلال فضل «إعلامى الثورة»، والحقوقى حسام بهجت، وكلهم كانوا نجومًا فى ميدان التحرير، وأيدوا مرسى بعد فشل أبو الفتوح، ووجودهم فى حملة أبو الفتوح يؤكد الرضا الشبابى الكامل عنه فى البداية رئيسًا للجمهورية.
وكان من بين مؤيدى أبو الفتوح قيادى لاحق فى تنظيم داعش وهو أحمد الدروى، ضابط الشرطة السابق والذى قتل خلال معارك التنظيم الإرهابى فى العراق.
و«الدروى» كان أحد أفراد حملة أبو الفتوح المقربين قبل أن ينزوى أبو الفتوح سياسيًا، عقب فشله فى انتخابات الرئاسة. وكان «الدروى» قد شارك لفترة قصيرة فى رابعة، ثم سافر إلى تركيا عقب انهيار حكم الإخوان، والتحق هناك بتنظيم داعش عبر وسطاء أتراك.
لم يتحدث أبو الفتوح عبر حسابه الرسمى على «تويتر» عن داعش إلا بعد بدء الهجمات الأمريكية عليها، فيما عدا ذلك لم يقترب منها رغم الجرائم التى قامت بها فى حق الأقباط المصريين فى ليبيا، وحينما اشتد الخناق عليه كتب تويتة قال فيها إنها امتداد للصهيونية العالمية، وهو أمر يجيده أبو الفتوح حتى إن كثيرًا من الباحثين وصف انتقاده لأشياء كثيرة من بينها إسرائيل بأنه نقد «الولا حاجة» أو الهجوم بلا معنى.
معارك وهمية
اتهم أبو الفتوح الإعلام المصرى بأنه يتجاهله عمدًا، وهو امتداد لأسلوب اختلاق المعارك الوهمية من «الولا حاجة» حتى يعطى للناس مبررًا لظهوره فى الـ «بى بى سى»، وبحسب مقال للزميل الكاتب الصحفى «طارق رضوان»، وكان تحت عنوان «عودة عبد المنعم أبو الفتوح»، قال الكاتب، إن هناك اجتماعات تمت واتصالات داخلية وخارجية ما بين أبو الفتوح وقيادات التنظيم الدولى بالخارج، ورجال بالدولة طلب أبو الفتوح مقابلتهم للوصول إلى حل سلمى مع جماعة الإخوان، وتوسط كثيرون ما بين ممثلى الإخوان ومنهم أبو الفتوح، وبعض الشباب الإخوانى وما بين وسطاء كأحمد كمال أبو المجد، والمطلوب هو معاهدة صلح ما بين الدولة والإخوان تحت أى مسمى وبأى شروط تقبلها الدولة.
تلك الاتصالات لم تبدأ إلا بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على الإدارة المصرية بإعطاء فرصة للإخوان للعودة إلى الحياة السياسية والحفاظ على جيل الشباب، حيث قالت منظمة «المصريين الأمريكيين للديمقراطية وحقوق الإنسان»، والتى أسسها فى أمريكا، عبدالموجود الدرديرى، القيادى الإخوانى، إن السلطة المصرية تقمع المعارضة، لذلك فإن الوضع السياسى الحالى لن يستمر طويلًا، وطالبت فى بيان المنظمات الحقوقية العالمية، وإخوان الخارج، بالضغط على مصر، ولقاء أعضاء بالكونجرس للضغط على الإدارة الأمريكية، لوقف الدعم المالى والمعنوى للحكومة المصرية.
رجل أمريكا
وأكد «رضوان»، أن إدارة أوباما لم تأتمن أحدًا على هذه التحركات سوى رجلها القديم عبد المنعم أبو الفتوح، صاحب الاتصالات الدائمة السرية والعلنية والقديمة مع المخابرات الأمريكية، منذ كان مسئولًا عن تسفير الشباب المصرى لأفغانستان لمحاربة السوفيت فى أواخر السبعينيات تحت مظلة لجنة الإغاثة، ومسئوليته عن لجنة الإغاثة فى البوسنة، والهرسك والصومال والسودان.
وذكر المقال أن أبو الفتوح صديق شخصى للقنصل الأمريكى السابق بالإسكندرية «كانديس باتنم»، وبينهما اتفاق على مشروع تبادل الأراضى لتحل القضية الفلسطينية إلى الأبد بإنشاء دولة فلسطين فى الضفة، وغزة، ورام الله، وتكون عاصمتها رام الله، وهو المشروع الذى كان فى طريقه إلى التنفيذ ما بين إسرائيل، ومصر، وفلسطين، لإعطاء 350 كيلو مترًا من سيناء، وبعمق 7.5 متر لتكون أرضاً بديلة للغزاويين.
الاتفاق الأخطر
لكن الاتفاق الأخطر الذى تم ما بين «كانديس» و«أبو الفتوح» هو إعادة هيكلة الشرطة المصرية لتفريغها من دورها تمامًا والتمهيد لميليشيات الإخوان للسيطرة على كل الأمور الأمنية فى مصر، وتفكك الشرطة من مركزيتها ودخول أكبر قدر ممكن من شباب الإخوان أكاديمية الشرطة لتكوين جيل جديد من ضباط الشرطة من عناصر الجماعة.
لا يخفى أبو الفتوح حنينه إلى لحيته الطويلة، للمعارك وجنازير الجامعة، ولا يستطيع إنكار علاقته بالمجاهدين الأفغان الآباء المؤسسين للقاعدة وداعش، فهو الأب المؤسس أمريكى الهوى لكل تنظيمات العنف المسلح باسم الدين.
أبو الفتوح يدعم أى تحرك باسم الثورة، باسم الحرية، باسم التخلص من الديكتاتورية، ومهما كانت درجة العنف القادمة سيبررها.. المهم أن يتحقق الحلم فى كرسى مصر، ولو على جثث المصريين سواء قتلهم قصف طائرات التحالف، أو غرقوا فى مياه المتوسط.
وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة