رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

«الإنس والنمس».. من المحاكاة الساخرة إلى الهزار الساذج

205

تثير تجارب شريف عرفة الأخيرة كثيرا من الاهتمام، لأنه يحاول أن يقدم في كل مرة نوعا مختلفا من الأفلام: فمن هذا المزيج التاريخي الرسمي والشعبي في فيلم «الكنز» بجزءيه، ومن الفيلم الحربي «الممر»، انتقل عرفة في فيلمه الجديد «الإنس والنمس»، الذي قام أيضا بكتابته وإخراجه، وأسند بطولته الى محمد هنيدي»، إلى شكل أقرب إلى المحاكاة الساخرة (البارودي) لأفلام الرعب والعفاريت، ولكن التجربة جاءت مضطربة ومشوشة، فأحيانا نجد أجزاء من هذه المحاكاة، ولكن بصورة أقرب الى الهزار الساذج، وأحيانا نقترب من شكل الفانتازيا، ولكن تقتحم الفيلم مشاهد كوميديا اجتماعية معاصرة، وهناك مشاهد أخرى تذكرنا بعالم أفلام ديزني، خليط عجيب متنافر يبتعد عن الانسجام، من مخرج يعرف تماما طبيعة أنواع الدراما، وأنواع الأفلام، يضاف إلى ذلك أن أسلحة عرفة في الفيلم وهي الخيال والإضحاك والإبهار، كانت تقليدية تماما، وزاد من المشاكل بعض الثغرات في السيناريو، الذي اشترك عرفة أيضا في كتابته مع كريم حسن بشير.

قدمت السينما المصرية عالم الجن والعفاريت فى أفلام كثيرة من «عفريتة هانم»، وهو كوميديا غنائية، الى «الإنس والجن»، الذي قدم معالجة جادة لعالم الجن من الناحية الإجتماعية والدينية، وصولا الى فيلم «التعويذة»، الذي استخدم الشكل الغرائبي والشعبي لعالم الجن للإسقاط السياسي، أما «الإنس والنمس» فلا أعتقد أنه يريد ان يقول أي شيء سوى البحث عن إمكانيات الهزار، ولا أقول الكوميديا، فى علاقة الإنسان بالجان، وهو يفتتح أحداثه بكلام مباشرة يقوله هنيدي للجمهور، بأن يطلب منهم الإستعداد للمغامرة، ثم يغلق الباب خلفه، فيسود الظلام.

لابأس أبدا فى السخرية من دراما العفاريت، ولكن الخلطة لم تكن متقنة: البداية عادية بظهور تحسين الشبراوي (هنيدي) فى عمله فى بيت الأشباح فى مدينة الملاهي، التي يحاولون الحصول على ترخيص لها، ثم نقترب من كوميديا الواقع  أكثر فى منزله وأسرته الكبيرة، التي تتزاحم على الحمام، ويظهر اهتمام تحسين بالبحث عن ترخيص لمتجر خاص بالأسرة، بخلاف البحث عن ترخيص للماهي (!!) وفجأة تنقلب أجواء الفيلم بحادثة مفتعلة فى الشوارع يقوم فيها تحسين بإنقاذ الفتاة الجميلة نارمين (منة شلبي) من سيارة، وهو لا يعرف أنها عفريتة من عائلة النمس العفاريتية!

المدهش فعلا أن أجواء الفانتازيا الكاملة فى قصر العفاريت حيث عائلة نارمين المكونة من خالها (عمرو عبد الجليل)، وأمها (صابرين) وابن خالها الطفل، لن تستمر على طول الفيلم، لأن تحسين سيعود أكثر من مرة الى بيته، ثم يرجع فى كل مرة إلى القصر، وكأنه فى نزهة، لا دهشة ولا غرابة، أما الخيال فى القصر فهو عادي، وخدع الجرافيك لا تعدنا بشيء استثنائي، ورغم أننا نسخر من عالم الجان بالأساس، ولكن لا مانع من أن يظهر زومبي فى القصر الملعون، أما الأكثر غرابة فهو غموض سبب إصرار الجان على أن تحمل ناريمان من الإنسي تحسين، ثم تصر على قتله، لقد اعتقد عرفة أن الفانتازيا لا تحتاج الى منطق على الإطلاق، وإنما تعتمد على فكرة «أهو كدة وخلاص»، وبسبب هذا الاعتقاد حدثت فوضى حقيقية فى تحديد أسباب اتصال العفاريت بالبشر، أصبح السؤال الذي لا إجابة له هو : لماذا تنجب العفاريت أصلا من البشر وهي كائنات خارقة القدرات؟ ثم لماذا تقتل الناس بعد الإنجاب؟

لا جـــــــدوى من أي سؤال، المهم الهزار، والمهم أن نضحك مع معركة بين زعيم العفاريت، وغريمه (بيومي فؤاد)، الذي يحبسونه فى زجاجة، والمهم أن يظهر فجأة والد تحسين ( شريف دسوقي) ليحرض ابنه على الانتقام من الجان، ثم يظهر صلاح عبد الله فى دور جعفر، أو الشيخ الذي يمنح تحسين تعويذة الانتقام من الجان، والأغرب أن يتعاطف الطفل العفريت  مع تحسين فى تدمير عالم العفاريت، أليست فانتازيا بقى وكل سنة وأنت طيب؟

هنا مشكلة حقيقية، سواء فى فهم طبيعة الفانتازيا، التي تعني خلق منطق مواز وليس إلغاء المنطق تماما، أو سواء فى مزج أشكال مختلفة فى عالم الرعب، فالجان يختلف عن الزومبي، وكوميديا الرعب تختلف عن كوميديا ديزني، والمحاكاة الساخرة ليست هي الهزار ، والتريقة على  الفبركة فى أفلام العفاريت، لا تعني أن تقوم أنت شخصيا بالفبركة، فكأنك تقوم بما سخرت منه من قبل.

أعتقد أن ما شاهدناه لا يعادل طموح عرفة، حتى أداء الممثلين، وعلى رأسهم هنيدي، بدا فاترا وعاديا، رغم أن هيندي هو أفضلهم جميعا، أما عودة عرفة للتعاون بعد غياب مع مودي الإمام كمؤلف للموسيقى التصويرية، وعاطف عوض كمصمم للرقصات، فلم تكن أيضا على مستوى التوقعات، وإن حاول مودي خلق إيفيهات موسيقية ضاحكة كما فى رقصة الحب.

ربما كان ديكور باسل حسام هو العنصر الأكثر تميزا، بينما ذكرتنا الملابس والباروكات والذقون المفتعلة، بعالم حلقات «ألف ليلة وليلة» التقليدي فى التليفزيون المصري، فى سنوات الثمانينيات البائسة.

«الإنس والنمس» ضربة طائشة رغم بعض الضحك، والقليل من الخيال، ولكن الفيلم بدا مثل نكتة تقول إن الجن لن يهزم الإنس حتى لو كان ممثل البشر فى الحكاية هو أهبلهم، ولعل الفيلم نفسه يشارك بطله  أيضا هذه الصفة الساخرة.