رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

يؤسس لاقتصاد قائم على المشاركة.. «قانون التخطيط» يصل إلى المحطة الأخير

255

بعد سنوات من الحوار المجتمعي الجاد، وافق مجلس الشيوخ على مشروع قانون التخطيط العام، الذي تم طرحه للمرة الأولى قبل 5 سنوات، وتحديدا في مارس 2016، عندما كشف د. أشرف العربي، وزير التخطيط آنذاك، عن انتهاء الوزارة من مسودة مشروع قانون التخطيط، الذي وصفه –في حينه- بأنه بمثابة «كتالوج» يوضح الأساسيات لاستراتيجية التنمية المستدامة، وبالتالى وضع إطار حاكم لعملية التخطيط فى مصر.

يؤسس مشروع القانون الذي حاز موافقة مجلس الشيوخ، مؤخرًا، لفلسفة جديدة للتخطيط فى  مصر، حيث ينقل منظومة التخطيط من نظم التخطيط التأشيرى القائم على وضع الحكومة لمؤشرات تسير عليها جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، إلى نظام التخطيط بالمشاركة، الذي يقوم على التعاون بين كل الجهات الحكومية وغير الحكومية، فى وضع الخطط التنموية، وبلغة يفهمها جميع المواطنين، لتمكين المواطنين من متابعة العمل فى المشروعات الحكومية.

 

رمضان أبو إسماعيل

يمثل مشروع القانون، وفقا لتقرير اللجنة المشتركة المشكلة من قبل مجلس الشيوخ، أهمية كبيرة فى ما يتعلق بتحقيق اللامركزية، ونقل السلطات والمسئوليات بين المستويات المحلية، وأنه يتسق وتوجهات الدولة للإصلاح التشريعي والقضاء على تقادم بعض التشريعات، حيث يحل المشروع المقترح محل القانون رقم 30 لسنة 1973 بشأن إعداد الخطة العامة، الذي تم صياغته فى  وقت كانت مصر تتبنى الفكر الاشتراكي القائم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج المختلفة.

وتتوافق الفلسفة التشاركية للتخطيط، مع استراتيجية التنمية المستدامة – مصر 2030 – والتي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي فى  فبراير 2016، حيث أوجدت واقعا جديدا للتخطيط يتطلب التنسيق بين الوزارات والهيئات والمحافظات من ناحية، وبين وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية من ناحية أخرى، الذى

لم يحققه القانون الحالي، علاوة على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة.

يأتي مشروع قانون التخطيط العام، بحسب د. هاني سري الدين، رئيس لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس الشيوخ مقرر اللجنة المشتركة، متسقا مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الحالي للدولة المصرية والتغيرات المختلفة، حيث يضع مجموعة من المبادئ التخطيطية التي تعكس الاستحقاقات الدستورية، التي جاء بها دستور ٢٠١٤ كالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، والتحول نحو اللامركزية، والأدوار الممنوحة لمؤسسات المجتمع المدني والتطورات التي شهدها علم التخطيط الاستدامة والتنوع والمرونة والتنمية المتوازنة والانفتاح على المجتمع وتشجيع الابتكار.

يهدف مشروع القانون، والكلام لـ «سري الدين»، رسم المنظومة المتكاملة للتخطيط التنموي المتوازن ومتابعة تنفيذها وتقييم نتائجها على المستوى القومي والإقليمي والمحلي والقطاعي، وتحديد أدوار الجهات المعنية بالتخطيط ومتطلبات الشراكة بينها لرفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين كفاءة استخدام كل موارد الدولة ومعدلات النمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية وتحسين جودة الحياة وكفاءة تقديم الخدمات والمرافق وسد الفجوات التنموية قطعيًا، وتعزيز مشاركة الأطراف الفاعلة فى وجغرافيا عملية التنمية وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وصولاً إلى تنمية مستدامة متوازنة جغرافيًا، وذلك فى  إطار السياسة العامة للدولة.

الأعلى للتخطيط

تتمثل أهم مميزات القانون المقترح، فى  رأى

د. هالة السعيد، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أنه يؤسس لإنشاء مجلس أعلى للتخطيط والتنمية المستدامة برئاسة رئيس الجمهورية؛ يتولى التنسيق والتعاون بين الجهات المعنية بالتخطيط والتنمية بما يمكن من تنفيذ استحقاقات استراتيجية التنمية المستدامة مصر 2030، ويعظم من كفاءة وفاعلية العملية التخطيطية، إلى جانب تحديد الوثائق التخطيطية على المستوي القومي والإقليمي والمحلي، وتوضيح العلاقة التكاملية بين المخططات العمرانية وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإحكام التناسق بين التنمية القطاعية والتنمية المكانية.

ويُلزم القانون المقترح كل الوزارات والجهات التخطيطية على المستويات المحلية بتقديم تقارير المتابعة للمشروعات بشكل منتظم يضمن تعزيز الكفاءة والفاعلية، بالإضافة إلى أنه يتسق مع مواد الدستور ذات العلاقة بنظام الإدارة المحلية واللامركزية، لكونه يمكن الوحدات المحلية من إعداد خطتها التنموية على المستويات المختلفة، ويعطيها الحرية والمرونة اللازمتين لتنفيذ هذه الخطط، ويشجعها كذلك على تعبئة المزيد من الموارد المالية وتوجيهها للمشروعات الاستثمارية التنموية.

المشروعات المتعثرة

اجتهد القائمون على صياغة مشروع القانون، وفقا لـ «د. السعيد»، أن يقدموا سبل العلاج لتعثر المشروعات الممولة من الخزانة العامة، وذلك بالنص على عدم إدراج أي مشروعات دون التأكد من توافر الأراضي اللازمة لتنفيذها وخلوها من أي نزاعات قضائية، وضرورة توافق وتكامل المشروعات الممولة أجنبيًا من قروض أو منح مع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فضلا عن إتاحة قدر من المرونة اللازمة للوزارات والهيئات ووحدات الإدارة المحلية للمناقلة المالية بين المشروعات الاستثمارية، بما يترتب عليه سرعة الانتهاء منها وزيادة كفاءة الإنفاق العام.

يتوازى العمل على إصدار قانون التخطيط، والكلام لـ«وزيرة التخطيط»، مع سعي وجهود حثيثة من قبل الدولة لتطوير شامل لمنظومة التخطيط التنموي، تقوده الوزارة بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية، وترتكز عملية تطوير منظومة التخطيط على عدد من المبادئ والأسس الرئيسية أهمها: الحرص على النهج التشاركي فى  عملية التخطيط (الحكومة – القطاع الخاص – المجتمع المدني)، التخطيط من أسفل إلى أعلى بما يسهم فى  التحديد الدقيق لاحتياجات المواطنين.

يحسب لمشروع قانون التخطيط العام حرصه على وضع صيغة أو معادلة تمويلية عادلة لتوزيع الاستثمارات، التي تم إعدادها بالتنسيق والتعاون مع الوزارات المعنية وشركاء التنمية المحليين والدوليين، ويتم من خلالها توزيع برامج التنمية المحلية والاستثمارات بالاعتماد على عدد من المؤشرات مثل: الكثافة السكانية – مؤشرات الفقر- مؤشرات البطالة – والفجوات التنموية، مشيرة إلى تنويع مصادر التمويل بتشجيع مشاركة القطاع الخاص فى  مشروعات التنمية والاهتمام بقياس الجدوى الاقتصادية للمشروعات التنموية المنفذة، بإنشاء وحدة دراسات الجدوى والشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني فى  وزارة التخطيط.

الحاجة إلى التشريع

كانت مصر، فى  رأي د. سالي فريد، أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة القاهرة، فى  أمس الحاجة إلى تشريع جديد ينظم عملية التخطيط، خاصة أن التشريع الحاكم لعملية التخطيط الآن يرجع إلى عقود عديدة مضت كانت الدولة تتبع فى ها فلسفة الاقتصاد الاشتراكي، الذي تمتلك فيه الدولة كل عوامل الإنتاج، بالتالي تحرص على تنفيذ آليات التخطيط المركزي، وأن التطور الحاصل فى  الاقتصاد المصري وتحوله إلى اقتصاد السوق، استوجب معه التحول إلى فلسفة التخطيط بالمشاركة، التي يتبناها مشروع قانون التخطيط العام.

يسعى مشروع القانون، الذي وافق عليه مجلس الشيوخ تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب، إلى وضع آليات التحول نحو اللامركزية ونقل السلطات والمسئوليات بين المستويات المحلية المختلفة، والعمل على تحقيق المستحقات الدستورية المتعلقة بالإدارة المحلية، مع التركيز على قضايا المتابعة والتقييم، التشجيع على التخطيط التشاركي والمشاركة المجتمعية وإشراك المواطن فى  جهود تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

ويعد من أهم حسنات القانون المرتقب، بحسب د. سالي فريد، النص على إنشاء مجلس أعلى للتخطيط والتنمية المستدامة، برئاسة رئيس الجمهورية، الذي يوكل التنسيق بين الجهات المعنية بالتخطيط والتنمية، بما يؤدي إلى القضاء على فكرة عدم الاتساق والتضارب، والسعي لتحقيق مجموعة من المبادئ التخطيطية، التي تعكس الاستحقاقات الدستورية التي جاء بها دستور 2014.

ويحدد مشروع القانون المنهجية التخطيطية المفصلة لإعداد الخطط على المستوى القومي والإقليمي والمحلى والقطاعى وتحديد كل الأدوار لجميع الأطراف ذات العلاقة بشكل واضح ومنضبط، فضلا عن إيلاء المزيد من الاهتمام إلي أسباب تعثر المشروعات الممولة من الخزانة العامة، وينص على عدم إدراج أي مشروعات دون التأكد من توافر الأراضي اللازمة لتنفيذها مما يعزز من كفاءة المشروعات الممولة من الخزانة العامة للدولة، مع الحرص على إدراج البعد البيئي فى  كل مشروعات خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.