رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

70 عامًا على ملحمة الصمود والفداء

582

دائمًا ما تختار الدول والمؤسسات يوم عيدها مواكبًا لحدث يعد رمزًا لها، أو كان بمثابة تحول كبير أحدثته فى تاريخها، ليصبح بمثابة علامة بارزة ومصدر فخر لأفرادها والمنتمين إليها.

فى الخامس والعشرين من يناير قبل 70 عامًا من الآن سطَّر أبطال الشرطة المصرية أقوى معركة فى مواجهة المحتل الإنجليزى بالإسماعيلية وكانت إحدى بشائر الخلاص من الاحتلال وبشائر ثورة التحرر فى 23 يوليو 1952.

خلال عام 1950 زاد عدد العمليات الفدائية فى منطقة القناة ضد الاحتلال الإنجليزي، وارتفعت حدة التوتر بين الحكومة المصرية برئاسة النحاس باشا والحكومة البريطانية.

وفى عام 1951 أعلنت الحكومة المصرية إلغاء اتفاقية 1936 كما أعلنت فتح مكاتب لتسجيل أسماء عمال المعسكرات الراغبين فى ترك عملهم مساهمة فى الكفاح الوطنى حيث سجل نحو 91,572 عاملًا أسماءهم خلال الفترة من 16 أكتوبر وحتى 30 نوفمبر 1951.

كما توقف المتعهدون عن توريد الخضراوات واللحوم والمستلزمات الأخرى الضرورية لإعاشة الضباط والجنود البريطانيين فى منطقة القناة.

لم تكن قوات البوليس (الشرطة) بعيدة عن تلك الأحداث، فقد كان عدد من ضباط البوليس يقومون بتدريب الفدائيين، بل وكانت الأسلحة تصل إليهم عن طريق رجال الشرطة، وهو ما جعل المحتل يستطير غضبًا ضد رجال البوليس.
(1)
مع ارتفاع وتيرة العمليات الفدائية ضد المحتل الإنجليزى ووقوع خسائر كبيرة فى معسكراته بمنطقة القناة، حاول القائد البريطانى «البريجادير أكسهام» القيام بعملية استفزازية بعد أن علم بالدور الذى يقوم به رجال البوليس بمنطقة القناة من دعم للفدائيين.

ظن « أكسهام» أنه قادر على مواجهة الأمر بالقوة وكسر هيبة رجال الشرطة وذلك يوم الجمعة 25 يناير 1952، لكنه لم يعلم أن هذا الوطن لا تنجب أرحام نسائه غير الرجال.. فسطَّر رجال الشرطة فى سجل الشرف والبطولة أعظم ملحمة جعلته (أكسهام) فى نهاية المعركة يطلب من رجاله أداء التحية لأبطال الشرطة المصرية.

استدعى أكسهام ضابط الاتصال المصرى المقدم شريف العبد وسلمه إنذارًا بأن تسلم قوات البوليس «الشرطة» المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وتجلو عن دار المحافظة والثكنات، وترحل عن منطقة القناة كلها، بل وتنسحب إلى القاهرة بدعوى أنها مركز اختفاء الفدائيين المصريين المكافحين ضد قواته فى منطقة القنال.

رفضت المحافظة الإنذار البريطانى وأبلغته إلى وزير الداخلية «فؤاد سراج الدين باشا» الذى أقر موقفها، وطلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام.

وفى لقاء لم يستمر سوى دقائق قبل المعركة جمع النقيب «مصطفى رفعت» بالجنرال الإنجليزى الأشهر «أكسهام» حيث طلب الجنرال من النقيب الرحيل عن المكان قائلًا: «شيل القماشة اللى فوق المبنى دا ـ يقصد العلم ـ واركب القطار أنت وجنودك وتحركوا من الإسماعيلية على القاهرة» فرد رفعت بصلابة: «القماشة دى علمنا، وهيفضل يرفرف هنا، أما القطار فممكن تركبه أنت وجنودك، لأننا لو حاربنا بعض 50 سنة مش هنسلم»، فاندهش الجنرال الإنجليزى، قائلًا: «أنت كدا بتحارب جيش بريطانيا العظمى!!».

ما جعل إكسهام وقواته يقوم بمحاصرة المدينة وتقسيمها إلى حى العرب وحى الإفرنج، ووضع سلكًا شائكًا بين المنطقتين بحيث لا يصل أحد من أبناء المحافظة إلى الحى الراقى مكان إقامة الأجانب.

دارت المعركة بين سبعة آلاف جندى بريطانى مزودين بالأسلحة، تدعمهم دباباتهم «السنتوريون» الثقيلة وعرباتهم المصفحة ومدافع الميدان، بينما كان عدد الجنود المصريين المحاصرين لا يزيد على ثمانمائة فى الثكنات وثمانين فى المحافظة، لا يحملون غير البنادق.

بدأت المعركة الساعة السابعة صباحًا عندما انطلقت مدافع الميدان من عيار ‏25‏ رطلًا ومدافع الدبابات ‏(السنتوريون‏)‏ الضخمة من عيار‏ 100‏ ملليمتر تدك بقنابلها مبنى المحافظة وثكنة بلوكات النظام.

وبعد أن تقوضت الجدران وسالت الدماء أنهارًا، أمر الجنرال إكسهام بوقف الضرب لمدة قصيرة لكى يعلن على رجال الشرطة المحاصرين فى الداخل إنذاره الأخير وهو التسليم والخروج رافعى الأيدى وبدون أسلحتهم وإلا فإن قواته ستستأنف الضرب بأقصى شدة‏.‏

وتملكت الدهشة القائد الإنجليزى حينما جاءه الرد من ضابط شاب صغير الرتبة لكنه متأجج الحماسة والوطنية، وهو النقيب مصطفى رفعت، فقد صرخ فى وجهه فى شجاعة وثبات‏: لن تتسلمونا إلا جثثًا هامدة.

استأنف البريطانيون المجزرة فانطلقت المدافع وقذائف الدبابات وأخذت القنابل تنهمر على المبانى حتى حولتها إلى أنقاض، بينما تبعثرت فى أركانها الأشلاء وتخضبت أرضها بالدماء‏ الطاهرة.

وبرغم ذلك الجحيم ظل أبطال الشرطة صامدين فى مواقعهم يقاومون ببنادقهم العتيقة من طراز ‏(لى إنفيلد‏)‏ ضد أقوى المدافع وأحدث الأسلحة البريطانية حتى نفدت ذخيرتهم، وسقط منهم فى المعركة ‏56‏ شهيدًا و‏80‏ جريحًا، ‏‏بينما سقط من الضباط البريطانيين ‏13‏ قتيلًا و‏12‏ جريحًا.

لم يستطع الجنرال إكسهام أن يخفى إعجابه بشجاعة المصريين، فقال للمقدم شريف العبد ضابط الاتصال‏ لقد قاتل رجال الشرطة المصريون بشرف، ولذا فإن من واجبنا احترامهم جميعًا ضباطًا وجنودًا؛ وقام جنود فصيلة بريطانية بأمر من الجنرال إكسهام بأداء التحية العسكرية لطابور رجال الشرطة المصريين عند خروجهم من دار المحافظة ومرورهم أمامهم تكريمًا لهم وتقديرًا لشجاعتهم‏.

فاستطاع رجال الشرطة المصرية أن يسطروا ملحمة ستظل مصدر عز وفخار لمصر وعيدًا لشرطتها، استطاعت أن تكسر أنف المحتل وكانت بمثابة نقطة الانطلاق نحو التحرر من الاحتلال وأعوانه لاسترداد الوطن.

(2)

لم يكن الأمر ليمر مرور الكرام على التاج البريطاني، لذا كانت هذه الهزيمة النكراء للتاج البريطانى فى منطقة القناة على يد رجال الشرطة البواسل سببًا فى وضع الشرطة هدفًا لمخططاته دائمًا؛ فاستهدفت بريطانيا النيل من الشرطة من خلال أعوانها من أبواق إعلام ومنظمات مشبوهة فى محاولة للنيل من تاريخ البطولة التى سطرها الأبطال بدمائهم.

فكانت الشرطة هدفًا للمنظمات الحقوقية المدعومة من بريطانيا أو من قوى الشر والجماعات الإرهابية المتخذة من لندن مقرًا لها.

استهدفت هذه المنظمات تقديم الأجهزة الأمنية فى مصر بصورة مكذوبة ومشوهة.. واستغلت فى ذلك عددًا من تلك المنظمات، واختارت يوم عيد الشرطة لتجعل منه حدثًا مختلفًا يختفى معه الحديث عن أكبر جريمة ارتكبتها بريطانيا على أرض مصر وأكبر ملحمة سطرها أبطال البوليس المصري، فأصبحت عيدًا للشرطة وعيدًا للمصريين.

لم يكن اختيار التاريخ عبثا فى أحداث يناير 2011 ولم يكن استهداف الشرطة (الأجهزة الأمنية) مجرد هدف لإسقاط إحدى مؤسسات الدولة المصرية فحسب، وإنما كان محاولة للثأر من الشرطة وإشعال الفوضى.

تم إدراك حجم المخطط واستعادت الشرطة قوتها سريعًا وقامت بمهمتها فى حماية الوطن وتأمين الجبهة الداخلية، ونجحت بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية فى أكبر عملية مواجهة أمنية للقضاء على الإرهاب؛ كما شهدت أجهزتها تطورًا كبيرًا مستهدفة الحفاظ على أمن المواطن واستقرار المجتمع.

(3)

لم تكن معركة الإسماعيلية فى 25 يناير 1952 حدثًا عاديًا صار يومه عيدًا للشرطة فحسب، بل أصبح مصدر إلهام لرجالها، يروى تفاصيل بطولة، ويقدم نموذجًا للتضحية والفداء من أجل هذا الوطن لتظل راياته عالية خفاقة فى عنان السماء.

إن ما شهدته وزارة الداخلية من تطوير وتحديث خلال السنوات السبع الماضية مستهدفة تحسين جودة الخدمات الشرطية المقدمة للمواطنين واستخدام أحدث التقنيات لمحاربة الجريمة وتطبيق الشعار الذى اتخذته عنوانًا لها (الشرطة فى خدمة الشعب) لهو أحد أهداف الشرطة المصرية فى الجمهورية الجديدة.

إن الشرطة المصرية التى قدمت خلال السنوات السابقة خيرة أبنائها.. الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن خلال معركة القضاء على الإرهاب ستظل هدفًا لقوى الشر لمحاولة النيل من دورها وصورتها من أجل ضرب الثقة بينها وبين المواطن.

الأمر الذى يستوجب علينا أن نكون أكثر فطنة لمواجهة تلك المحاولات بمزيد من الوعي، وعدم الانجراف وراء الشائعات أو المعلومات المضللة على السوشيال ميديا؛ إن ما تقوم به وزارة الداخلية ورجالها الأبطال لحفظ الأمن يجعلها هدفًا دائمًا لمن يريد ضرب استقرار الوطن؛ ولكن رجال الشرطة أكثر يقظة لتلك التحركات الشيطانية.

رسالة امتنان

ونحن نحتفل بالعيد السبعين للشرطة المصرية نوجه التحية لرجالها الأبطال الذين يسهرون على حفظ أمن الوطن واستقراره.
تحية لأسر الأبطال من شهداء الشرطة والمصابين، فقد قدموا لهذا الوطن خيرة أبنائهم.
تحية للمرابطين العاملين على حفظ الأمن ومواجهة الخارجين على القانون لحفظ أمن واستقرار الوطن لتظل القوات المسلحة والشرطة هما صمام الأمان لهذا الوطن الغالي.
تحية لرجال الظل الذين يعملون فى صمت، رجال المعلومات (الأمن الوطني) الذين كان لهم دور كبير فى توجيه ضربات استباقية للتنظيمات الإرهابية خلال السنوات الماضية.
تحية للأبطال فى يوم عيدهم ورسالة امتنان من الشعب تقديرًا للدور الإنسانى الذى تقوم به وزارة الداخلية لتخفيف العبء عن المواطنين من خلال عدد من المبادرات الإنسانية، والتى شملت (كلنا واحد، سجون بلا غارمات، منظومة أمان، قوافل طبية، التوعية بمخاطر المخدرات).