رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

ويسألونك عن الروح (1)

546

كتب : ماجد بدران

الروح من الألفاظ، التى خاض الناس فى تعريفها وبيان طبيعتها، وتخبط الفلاسفة فى تحديد ماهيتها والوقوف على حقيقتها، وهى فى النهاية من المعانى، التى استأثر الله بعلمها، ولم يجعل للإنسان سبيلاً إلى معرفتها، عرف ذلك من عرف، وجهله من جهل.

وقد ورد لفظ «الروح» فى القرآن الكريم فى ثلاثة وعشرين موضعًا، وردت جميعها بصيغة الاسم..

وقد أتت على عدة أوجه ومعان، كل منها يبعث نوعًا من أنواع الحياة، ومن بينها القرآن نفسه، لأنه يحيى موات القلوب، وجبريل عليه السلام لأنه هو الذى ينفخ – بأمر الله – الأرواح فى الأرحام، والوحى لأنه نزل بالقرآن، والإسلام لأنه به تحيا الأمم، ونبى الله عيسى عليه السلام لأنه كان يحيى الموتى بإذن الله.

فالمعنى الأول: القرآن فى قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». (الشورى 52).

والمعنى الثانى: الوحى فى قوله تعالى: « رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ» (غافر 15).

والمعنى الثالث: جبريل فى قوله تعالى: « فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً» (مريم 17).

وقوله تعالى: « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ» (الشعراء 193).

والمعنى الرابع: القوة والثبات والنصرى، التى يؤيد الله بها من شاء من عباده المؤمنين فى قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» (المجادلة 22).

والمعنى الخامس: المسيح ابن مريم لقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» (النساء 171).

والمعنى السادس: حياة الإنسان لقوله تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً» (الإسراء 85).

وقد نزلت هذه الآية حينما سألت اليهود الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح، فلم يجبهم، فأنزل الله هذه الآية من سورة الإسراء، والمقصود بالروح فى الآية الكريمة أرواح بنى آدم.

كما وردت بنفس المعنى فى موضعين من القرآن، فى قوله تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ» (الأنعام 93).

وفى وقوله عز وجل: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» (الزمر 42).

والروح بهذا المعنى جوهر لا يعلم كنهه إلا الله.



هذه أهم المعانى، التى ورد عليها لفظ «الروح» فى القرآن الكريم، ويجب أن ندرك أن معرفة حقيقة «الروح» ليس لأحد من سبيل إليها، بل هى مما اختص الله سبحانه بعلمها، ولعل الحكمة من إخفاء علمها عن المخلوقات أن يتأمل الإنسان ويتحقق أن الروح، التى جعل الله بها الحياة والراحة والقوة والقدرة والحس والحركة والفهم والفكر والسمع والبصر.. هى من أمر الله، وهو يباشرها ويعايشها طوال عمره، ومع ذلك لا يصل علمه إلى شىء من كنه حقيقتها وإدراك معرفتها، فكيف يطمع فى الوصول إلى حقيقة خالقها وبارئها «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (الأنعام 103).

و»الروح» فى اللغة كلمة فضفاضة يمكن أن تأخذ معنى الصفة وأن تطلق مجازًا على كل ما يبعث الحياة فى شىء، وكلمة الحياة بدورها أيضًا كلمة فضفاضة واسعة المعنى، فهناك أنواع كثيرة من الحياة منها ما هو حقيقى ومنها ما هو مجازى، كما تعنى الروح فى اللغة الأحياء من الأموات.



إن الروح أمر يصعب على البشر أن يفهموه لأنه أكبر من علمهم وعقولهم، ومهما أوتى الإنسان من العلم فلن يفهم حقيقة الروح، وهذا هو السر فى هذا الرد المقتضب حتى لا يقع الناس فى البلبلة والظنون.

فالروح تعبر عن القوة، التى هى مصدر الحياة، التى يزوالها عن البدن تتوقف الحياة تمامًا، وبالتالى فهى تدل على معانى الحركة والتعقل، والتدبير والإرادة وكل ما يقوم به الإنسان فى الحياة.

وفى أكثر من آية من القرآن الكريم يؤكد المولى عز وجل أن الروح هى نفخ من روح الله، وقد ذكر ذلك عن نفخ الروح فى جسد آدم عليه السلام بعد إتمام خلقه، فيقول فى كتابه العزيز: « فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (الحجر 29).

ويقول عن الجنين، حيث تدب فى جسده الروح « ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» (السجدة 9).

فالروح فى الإنسان هى نفخ من روح الله، وهى لا تُرى بالعين البشرية، والله تعالى يحفظ الروح داخل الجسد فلا تفارقه إلا بأمره وفى الموعد المحدد، وفى ذلك يقول تعالى: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ
لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ» (الطارق 4).

وقوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ» (الأنعام 98).

وقد ذكر المفسرون أن المستقر هنا هو جسم الإنسان، الذى تستقر فيه الروح فى الحياة الدنيا منذ أن تدخل فى جسم الجنين وحتى وفاة الإنسان، أما المستودع فهو حياة البرزخ، التى تنتقل إليها الأرواح كلها إلى أن يأتى يوم البعث، فتبقى فيها الروح وديعة مع غيرها من الأرواح إلى أن تقوم الساعة.

والروح مخلوقة باتفاق العلماء وسائر أهل السُنّة والأدلة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» (الرعد 16).

وقوله تعالى: «وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» (مريم 9).

وقوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى» (الأعراف 172).

ولو لم تكن الروح مخلوقة لما أقرت بالربوبية.



إن الروح خلق من أعظم مخلوقات الله شرّفها وكرّمها غاية التشريف والتكريم فنسبها لذاته العلية فى كتابه العزيز، قال تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (الحجر 29).

ومن عظمة هذا التشريف للروح أن الله اختص بالعلم الكامل بالروح، فلا يمكن لأى كائن من كان أن يعلم كل العلم عن هذا المخلوق إلا ما أخبر الله تعالى، فالله هو الذى خلق الروح، وهو الذى يعلمها ولا يُعلمها أحد من الخلق، فهى سر من الأسرار وستظل.