رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

حوارات القرآن..الجن والملائكة

754

شهر رمضان شهر الصيام والمغفرة والتوبة والعبادات الخالصة لله.. وأعتقد أن الكثيرين مثلى لا تكتمل متعة الصيام لديهم إلا بالإكثار من قراءة القرآن، وقد اعتدت كل عام كتابة مجموعة من المقالات تعبر عن متعة القراءة المتأنية لبعض آيات القرآن الكريم وما ورد فيها من أخبار الأمم السابقة، والأوامر والنواهى الإلهية، كذلك الحوارات القرآنية البليغة وما تحتويه من حكمة وإرشاد وتوجيه.

روحانيات يكتبها: محمد نجم

 

فالقرآن يخاطب العقل، ويجعله مناط الإيمان والتكليف، ومن ثم كان الحوار أحد أساليب الخطاب القرآنى للشرح والتوضيح، أو النهى والتوبيخ، والوصول إلى الهدف المنشود منه وهو تصحيح الأفكار الخاطئة وتبيان الحقيقة.

لذلك نلاحظ «التنوع» فيما ورد من حوارات فى القرآن سواء فى أطرافها أو موضوعها وتوضيح الغرض منها.

فهناك حوارات بين الله عز وجل وبين مخلوقاته الأوائل، خاصة الملائكة والجن، وحوارات بين الله تعالى وبين أنبيائه، وكذلك حوارات بين الأنبياء وأقوامهم، ثم حوارات بين المخاطبين بالقرآن من بشر وطير وحيوانات وجماد.

وقد قرأنا جميعًا أول محاورة فى القرآن الكريم بين الله سبحانه وتعالى وبين الملائكة وهو بغرض العلم فقط.

وكذلك حوار بين الله وإبليس غرضه العتاب والإنذار بالعقاب.

وحوارات الإرشاد والنصح والتوجيه بين الله ورسوله ونبيه نوح وقومه.

وحوارات الاطمئنان والوصول إلى الحقيقة بين إبراهيم ونفسه وبينه وبين ربه.

وحوارات «التعليم والصبر » بين موسى والخضر.

وحوارات القوة والقدرة.. التى وردت فى سورة النمل بين الهدد وسليمان، وبين الملكة بلقيس وقومها وبين سليمان والجن الذى عنده علم من الكتاب!

وكل تلك الحوارات ممتعة قى قراءتها والتوقف عند أهدافها وما تضمنته من حكمة بالغة سواء كانت ظاهرة أبو باطنة.

ونبدأ بإخبار الله سبحانه وتعالى للملائكة بما ينوى فعله، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، فالله أراد أن يخبر الملائكة بخلقه لآدم (أبو البشر) وخلافته فى الأرض وهو لا ينتظر موافقتهم وبالطبع لا يقبل اعتراضهم، وهو ما اتضح من قولهم (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، وإشارتهم إلى ما يمكن أن يحدث من فساد فى الأرض وسفك الدماء.

ولكن الله يوضح لهم أنه يعلم ما لا يعلمون، حيث يعلم ما بين السماء والأرض وما تخفى الصدور، فهو خالق كل شىء وهو العليم الحكيم.

ولكن الله أراد منهم «الاقتناع» ومن ثم ساق لهم الحجة والبرهان بأن خلق آدم من تراب وعلمه الأسماء (جميع المخلوقات) وطلب من الملائكة أن ينبئوه بأسماءهم.. فكان الرد بتأكيد الطاعة وعدم القدرة وأن الله سبحانه وتعالى هو العليم الحكيم.

(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) «البقرة».

ونتوقف أيضًا عند حوار الله عز وجل مع الجان – بعد الملائكة – إذ أمر الملائكة أن تسجد لآدم اعترافا وتقديرا لما خلقه الله، ولكن إبليس رفض السجود متكبرًا ومتعللا بأن آدم خلق من طين بينما خلقه الله من النار!

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ).

لأن إبليس عندما سأله الله لماذا لم تسجد لمن خلقت بيدى حين أمرتك بذلك، فكان الاستكبار (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).

فكانت لعنة الله عليه والطرد من جنته والعذاب، وأنظره الله إلى يوم يبعثون وأنه لا سلطان له على عباد الله المؤمنين، ولكن إبليس حاول إثبات قوته بأن أدعى أنه قادر على إغواء بعضهم.



ثم أمر الله آدم – بعد أن خلق له زوجته – أن يسكن فى الجنة ويعيشا فيها عيشة رغدة، وحذرهما أن يقربا إحدى الشجرات ولكنهما لم يستطيعا على ذلك صبرا، واستمعا إلى وسوسة الشيطان فكان مصيرهما الطرد منها والهبوط إلى الأرض، ولعل ذلك هى الحكمة البالغة بغرض إعمار الأرض من ذرية آدم.

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) أى بانتهاء الأجل أو لقيام الساعة، وتلقى آدم الأمر من ربه وأناب وتاب، مع علمه وذريته أنهم سيحاسبون على أعمالهم ومنهم من لا خوف عليهم وسوف يدخل الجنة، ومنهم من يعصى ربه ويخالف السلوك القويم والطريق السليم، ومن ثم سيكون الجزاء الخلود فى النار والعياذ بالله.

(وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) «البقرة».

وسبحان الله الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، سبحان الذى يقول للشىء كن فيكون، سبحان الله.