رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

يحتدم بين أبناء التلمسانى وتلاميذ قطب بعد وفاة منير.. صراع على السلطة داخل «الإرهابية»

128

لا شك أن جماعة الإخوان على مدار الأيام الماضية تعيش على صفيح ساخن في ظل الصراع القائم حاليًا بين جيلين مختلفين على منصب «القائم بأعمال مرشد» في المكون الإخواني الممثل الرسمي لجبهة «لندن»، التي تزعمها إبراهيم منير، وحظيت بدعم كبير من رجالات التنظيم الدولي على مدار العام الماضي، واعتمادها لاستراتيجية جديدة في التعاطي مع الأوضاع الراهنة.

فمنذ الإعلان عن وفاة القائم بأعمال المرشد، والأمين العام للتنظيم الدولي، إبراهيم منير، عن عمر ناهز الـ 85 عاماً، والجماعة لم تستقر حتى هذه اللحظة على خليفته لتولي مهام قيادة سلطة الجبهة التنظيمية في العمق البريطاني، في ظل دخولها في صراع قوي مع جبهة «اسطنبول» التي يتزعمها محمود حسين، ويتقلد فيها منصب القائم بأعمال المرشد، مصطفى طلبة، فضلًا عن جبهة «التيار الثالث»، المعروف بـ «الكماليون».

عمرو فاروق

الواقع الفعلى يترجم حالة الانقسام التنظيمى بين ثلاثة جبهات كل منها يزعم تمثيله الشرعى للجماعة الأم، ويسعى بقوة للسيطرة على المؤسسات المالية والإعلامية والسياسية والدعوية للتنظيم الدولي، ما يبرز حجم الفضائح والخلافات المالية والأخلاقية بين القواعد والقيادات الإخوانية الهاربة إلى الخارج.

ثمة تغييرات استراتيجية تم تنفيذها فى عمق جماعة “الإخوان”، منذ صعود إبراهيم منير إلى قمة المشهد التنظيمى وسيطرته الكاملة على الملفات الدولية والمحلية على حد سواء، والتى تم تسريب بعض مضامينها من خلال ما عُرف بـ”وثيقة لندن”، أو “خريطة طريق التوافق الوطنى فى مصر”.

و تعتبر “وثيقة لندن” التى أُقرّت فى مايو 2021، المحرك الأساسى وراء اشتعال الخلافات بين جبهة إبراهيم منير المتحصنة فى الداخل البريطاني، وجبهة محمود حسين، المتمركزة فى العمق التركي، والتى تم تصديرها للرأى العام الإقليمى والدولى على أنها صراعات حول الأموال والسلطة، لكنها فى الحقيقة خلافات حول تمرير الاستراتيجيات الجديدة داخل التنظيم، إذ إن الخلافات الداخلية على الملفات المالية والإدارية حالة مستمرة وليست طارئة على الجماعة منذ تأسيسها على يد حسن البنا.

ويتمثل الصراع الحقيقى فى تمرير استراتيجية الانتقال من خانة “الهيكل التنظيمي” التى وضعها حسن البنا، إلى ساحة “التيار الفكري” الجارف، والتخلص نهائياً من عبء التنظيم الذى يعتبر حائلاً أمام التعاطى مع قضايا المجتمع وإشكالياته من دون بناء جدار تنظيمى عازل، على غرار التيارات السلفية التى تتحرك بحرية تامة من دون خسائر بشرية أو مادية.

وستشهد الأيام المقبلة حسم اختيار منصب القائم بأعمال المرشد، وكذلك منصب الأمين العام للتنظيم الدولي، بعد أن جمع إبراهيم منير بينهما، منذ سقوط محمود عزت فى قبضة الأجهزة الأمنية المصرية، فى أغسطس 2020.

إن الصراع الدائر وضع قيادات التنظيم فى حرج بالغ، واضطرها إلى الإعلان عن اعتماد محيى الدين الزايط، مسؤولًا إداريًا عن الجماعة، لحين اختيار  قائمًا بأعمال المرشد، بحكم توليه “الهيئة الإدارية” التى أسسها إبراهيم منير، بعد أن الغى فاعلية “مكتب الإرشاد”، بهدف الاحتفاظ بسلطة اتخاذ القرار داخل الجماعة بالكامل، وقطع الطريق أمام كل من  محمود حسين، ومدحت الحداد، وجمال حشمت وغيرهم.

فتأجيل قرار الإعلان الرسمى عن شخصية القائم بأعمال منصب الإخوان، يكشف حقيقة اشتعال الخلافات الداخلية، لا سيما أن التقرير المتلفز الذى ظهر خلاله محيى الدين الزايط، بدا فيه مرتبكًا ومتوترًا، فى ظل منافسة قوية بين مجموعة من قيادات المكون الإخوانى لجبهة “لندن”، أمثال حلمى الجزار، ومحى الدين الزايط، ومحمود الإبياري، ومحمد البحيري، ومحمد عبد المعطى الجزار.

ومن المتوقع إسناد مهمة منصب الأمين العام للتنظيم الدولي، إلى كل من محمود الإبياري، الأمين العام المساعد للتنظيم الدولي، أو إبراهيم الزيات (وزير مالية الإخوان، وأحد المشرفين على نشاط التنظيم فى ألمانيا)، لتمتعهما بعلاقات قوية مع مؤسسات التنظيم الدولي، وخبراتهما الطويلة فى هذا الصدد.

ويمثل كل من محمد البحيري، ومحمد عبد المعطى الجزار، جيل تنظيم (65) أو جيل تنظيم سيد قطب،والأكبر سنا داخل تلك الجبهة، وربما يتم توظيفهما كواجهة فى حال اختيار أحدهما للمنصب الشاغر حاليًا.

كان محمد البحيري، المنافس الأقوى أمام إبراهيم منير، إذ كونه مواليد عام 1943، والمتهم رقم (25) فى قضية تنظيم سيد قطب، وتلميذ مصطفى مشهور، ويحظى بتأييد واسع من قواعد الإخوان التنظيمية، ويعرف عنه بأنه قيادى حركي، وكان مسؤولًا عن الكثير من الملفات الخارجية بتكليف من مكتب الإرشاد،ولقب بالمرشد السرى للجماعة خلال المرحلة الماضية.

كذلك لا يمكن تجاهل محمد عبد المعطى الجزار، المولود فى محافظة الشرقية، عام 1937، والمتهم رقم (16)  فى قضية تنظيم (65)، والصادر ضده حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة (25) عامًا، المسؤول الإدارى لإخوان القليوبية سابقًا، وأحد العاملين السابقين بهيئة الطاقة الذرية بالقاهرة.

إن تمرير الاستراتيجية الجديدة للتنظيم الدولى من شأنها نقل الثقل السياسى والتاريخى للمشروع الإخوانى من القاهرة إلى لندن رسمياً، واعتبار “إخوان مصر” فرعاً من التنظيم الدولى لا العكس، الأمر الذى يلقى رفضاً قوياً من شيوخ الجماعة، لا سيما الموجودين داخل السجون، ولديهم تحفظات على تلك الخطوة، وفقاً لما سُرّب عبر “قسم الأخوات”، ودعمهن الملحوظ لجبهة محمود حسين.

ومن ضمن أولويات استراتيجية التنظيم الدولى الجديدة، تطبيق سياسة الاكتفاء والانكفاء التنظيمي، أو ما تُعرف بـ”سياسة غلق التنظيم”، وعدم التفكير مطلقاً فى التوسع فى ضم نماذج بشرية جديدة، فى ظل مرور الجماعة بنوع من تجفيف منابع الاستقطاب والتجنيد إجبارياً، والإبقاء على بقايا التنظيم تحت مسمى “جمع الشّمل”، تفادياً لحالة الانهزامية السياسية التى تحاصر قياداتها وقواعدها الشبابية، فضلاً عن حالة التفكك والتفلت التى انتابت كيانها الداخلي.

هناك مجموعة من السيناريوهات حول اختيار الشخصية المسئولة عن التنظيم فى تلك المرحلة الراهنة وما سيتبعها من توجهات حول التعامل مع الموقف المصري، أولها: الاتجاه لاختيار شخصية توافقية تمهد لضم جبهة “لندن” وجبهة “اسطنبول” وجبهة “التيار الثالث”، فى حال الوصول إلى صيغة احتوائية، مثل محمد عبدالمعطى الجزار، ومحمد البحيري، لا سيما أن شخصية إبراهيم منير كانت عائقًا أمام محاولات إنهاء الخصومة والصراع، والتى قادتها شخصيات من التنظيم الدولي، أمثال محمد أحمد الراشد، أحد قيادات الإخوان فى العراق، وقيادات من “الإتحاد العام لعلماء المسلمين” الذى أسسه يوسف القرضاوي، فى الدوحة عام 2004.

فى حين يدور السيناريو الثاني، فى نطاق اختيار حلمى الجزار، واستكمال مشروع العودة بالجماعة إلى مرحلة ما قبل 2011، والتركيز على إعادة هيكلة المؤسسات الداخلية، والتوقف عن ممارسة السياسة، والتراجع عن الدخول فى أى صدام أو تنافس مع النظام المصري، وفق استراتيجية غسل سمعة الجماعة من منهجية التكفير والعنف التى تروج لها جبهة “لندن” على مدار الأشهر الماضية.

بينما يدعم السيناريو الثالث، الاستقرار على تولى محيى الدين الزايط، منصب القائم بأعمال المرشد، والاتجاه بالجماعة إلى المزيد من الخلافات والصراعات الداخلية، فضلًا عن زيادة وتيرة الهجوم على الدولة المصرية، لا سيما أن شخصية محيى الزايط، تميل للعنف والصدام والتصلب فى وجهات النظر.

و قد تم اتهام محى الدين الزايط بالتحريض على الإرهاب وإهانة المؤسسة العسكرية المصرية، وإدرج على قوائم الإرهاب، بعد إدانته فى عدة قضايا جنائية، منها: القضية رقم 451 لسنة 2014م حصر أمن الدولة العليا، المعروفة بقضية “كتائب حلوان”، والمقيدة برقم 29 لسنة 2015م جنايات أمن الدولة العُليا، والمقيدة برقم 4459 لسنة 2015  جنايات حلوان، إضافة إلى القضية المقيدة برقم 321 لسنة 2015 ، والقضية المقيدة برقم 89 لـسنة 2015  جنايات شرق عسكرية، وسبق محاكمته مرتين فى محاكمات عسكرية حكم عليه فيهما بالسجن لـ6 سنوات.

و يعتبر محى الدين الزايط من جيل التأسيس الثانى فى التنتظيم خلال مرحلة المرشد الثالث، عمر التلمساني، ويدين بالولاء لخيرت الشاطر، وتولى من قبل مشؤولة النشاط الإخوانى داخل الجامعات، فضلا عن عضويته لمتب السشورى العام، بحكم مسؤوليته عن المكتب الإدارى لمحافظة الجيزة داخل الهيكل التنظيمي.

إن السينايوهات الثلاثة، تدفع إلى عملية التقرب بين الجبهات الثلاثة،مع اعتماد مصطفى طلبة (مسؤول جبهة اسطنبول)، نائبا للقائم بأعمال المرشد العام، فى حال اختياره من بين المجموعة السابقة.

فالصراع فى ذاته يضعنا أمام منافسة حقيقية بين أجيال مختلفة على مستوى الإطار الزمني، فى الداخل التنظيمى لجماعة الإخوان، أو ما يطلق عليهم ابناء جيل “التأسيس الأول” الذى تم فى عهد حسن البنا، وسيد قطب، وبين ابناء جيل “التأسيس الثاني”،الذى تم فى عهد المرشد الثالث عمر التلمساني، إبان التوافق بين جماعة الإخوان والرئيس السادات، وما نتج عنه من تغلغل التنظيم فى مؤسسات الدولة ومحاولة تطويعها لتحقيق مرحلة “المكين”،وفقا للوثائق التى ضبطتها الأجهزة الأمنية المصرية عام 1992، ضمن أحراز القضية المعروفة إعلاميًا بقضية “سلسبيل”.

وقد تحطمت الكثير من الأطر التنظيمية والفكرية أمام القواعد الإخوانية، فى ظل عاصفة الصراع على السلطة والمال بين القيادات التاريخية التى نسجت أوهام مشروع تطبيق الشريعة وإقامة دولة الخلافة، وسقط عنها قناع القداسة التى توارت خلفه سنوات طويلة، وبتبعية حتمية السمع والطاعة والثقة بالقيادة.

إن الفضائح المالية والأخلاقية التى تكشفت من داخل جدران المكون الإخوانى المغلف بالحيطة والحذر، كفيلة بكتابة خاتمة دراماتيكية لجماعة منحت نفسها الحقوق الحصرية للتفتيش فى ضمائر الآخرين والحكم على إيمانهم، وتقديم قياداتها كحراس للعقيدة وحماة للشريعة التى تاجروا بها وتغافلوا مقاصدها.

تمثل الخلافات السلطوية الأداة الأكثر فاعلية فى تفكيك وتصفية بنيان الجسد التنظيمى لجماعة الإخوان، وتحوله كياناً هلامياً فاقداً للتأثير المجتمعي، وفارغاً من المضمون الفكري، وعاجزاً عن تطبيق استراتيجيات الاستقطاب والتجنيد، التى اعتمد عليها فى تثمين هيكله الداخلى السرى منذ تأسيسه فى ثلاثينيات القرن الماضي.

فتاريخ الإخوان ساحة مليئة بالصراعات، ابتداءً من أزمة حسن البنا مع أحمد السكري، ثم حسن الهضيبى مع محمد عاكف والشيخ محمد الغزالي، مروراً بأزمة “بيعة المقابر”، التى مهدت الطريق لمصطفى مشهور للسيطرة على الجماعة عقب ترتيبات من إخوان الكويت ولبنان والأردن، بتقديم فيصل مولوي، بهدف إسقاط فكرة احتفاظ “إخوان القاهرة” بمنصب المرشد ورفض تداوله، انتهاءً بأزمة مجموعة “حزب الوسط”، وتجميد مهدى عاكف عضويته وتهديده بالاستقالة بسبب الخلاف حول تصعيد عصام العريان لمكتب الإرشاد، وكذلك أزمة كل من محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح وغيرهما.