رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

“السرب”.. إضافة جيدة للأفلام الحربية

292

جاء فيلم “السرب” كتابة عمر عبد الحليم وإخراج أحمد جلال، كدليل جديد على قدرة السينما المصرية على صنع الأفلام الحربية، والتى عادت من جديد، وبعد سنوات طويلة جدا، من خلال فيلم “الممر”، ورغم بعض الملاحظات الدرامية على هذا الفيلم، إلا أن عودة النوع، وبدرجة عالية من الإتقان الحرفى على أيدى شريف عرفة، ثم نجاح “الممر” التجارى الكبير، كل ذلك فتح الباب لتجربة “السرب”، والتى لا تخلو أيضا من بعض الملاحظات الدرامية، ولكنه فى المجمل إضافة جيدة للفيلم الحربى المصري، ليس فقط لأن فى الفيلم ثلاث معارك كبيرة، قدمت بكثير من الإجادة والتميز، ولكن بالأساس لأن حبكة الفيلم كلها قائمة على دور القوات المسلحة، ممثلة فى القوات الجوية، فى الرد على جريمة ذبح الإرهابيين المنتمين لتنظيم داعش لـ 21 مصريا مسيحيا، كانوا يعملون فى ليبيا، ولا شك أن تقدم المؤثرات البصرية والصوتية لعب دورا كبيرا فى تقديم معارك “السرب” مثلما حدث مع “الممر”، والجميل أنها مؤثرات من إبداع وتنفيذ شركات مصرية، ومن عمل فنانين مصريين.

محمود عبد الشكور

يلفت النظر أيضا فى تجربة “السرب” أن سيناريو عمر عبد الحليم، الذى يقدم لأول مرة فيلما روائيا طويلا، لم يعتمد فقط على المعارك والإمكانيات، ولكنه أدرك أن عليه أن يصنع دراما متكاملة الأركان من شخصيات وصراع وبناء ينتهى إلى ذروة وحل، وأن الحكاية الواقعية فى الفيلم، لا يجب أن تدور فقط فى غرف العمليات، وفى الأجواء والطائرات، ولكنها أيضا حكاية هؤلاء المصريين الذين تعرضوا للذبح، وحكاية الإرهابيين وتنظيماتهم، وحكاية عمل كثير دار وراء الكواليس على أرض مضطربة ومليئة بالألغام.
الفيلم يقدم كل ذلك من خلال خطين متداخلين: غرف العمليات وصنع القرار السياسى والعسكرى فى القاهرة، وخط الصراع على الأرض، وبالأساس فى مدينة درنة الليبية، ومن خلال عدد كبير من الشخصيات والتفاصيل والأحداث تشكل حبكة الفيلم، ويمتزج الخيال بالواقع.
فى القاهرة يمكن أن نرى إدارة العمليات ومراقبتها من خلال المخابرات الحربية والقوات الجوية، وفى درنة يدور الصراع بين على المصرى (أحمد السقا) ، وهو أصلا ضابط عمليات خاصة، يستخدم عمله فى مجال شركة خدمات بترولية لتقديم المعلومات للجيش المصري، وللقيام بعمليات نوعية، فى مواجهة أبو أسعد الحمراوى (محمد ممدوح)، زعيم الدواعش فى ليبيا، ومعاونه المصرى العقرب (دياب)، ولكن على المصرى ليس وحده، حيث ينضم له مصرى آخر كان سببا فى تسفير الضحايا هو محمد (عمرو عبد الجليل)، وصحفية ليبية شجاعة (صبا مبارك)، كما أن هند (نيللى كريم) زوجة أبو أسعد الغيورة، ستقف أيضا فى مواجهة زوجها فى النهاية لأسبابها الشخصية.
هذا هو البناء العام للصراع فى الفيلم، الذى يبدأ بعملية ناجحة للقوات الجوية داخل الحدود المصرية، بتدمير عربات دواعش، تسللت إلينا محملة بالأسلحة، وخصوصا صواريخ ستريلا، وستؤدى هذه العملية إلى تدمير كل العربات، واستشهاد طيار مصري، هذه العملية ليست غريبة على الأحداث، لأنها فى إطار الصراع مع دواعش ليبيا، وسيؤدى تدمير العربات إلى عملية استفزازية جديدة هى اعتقال 21 مصريا مسيحيا، وذبحهم فى فيديو شهير لا يمكن نسيانه.
أحداث ليبيا فى الفيلم هى الأساس، مع العودة للقاهرة فى مشاهد قليلة، ثم صارت الأحداث بين القاهرة وليبيا، عندما صدر الأمر بعملية عسكرية لضرب مواقع داعش، فى عملية هى الأولى للقوات الجوية منذ 40 عاما كما يذكر الفيلم، ويعتمد الفيلم، سواء فى مشاهد القاهرة أو ليبيا على التشويق والإثارة، وصولا إلى المعركة النهائية، التى يلعب فيها على المصرى دورا محوريا فى درنة، بينما يلعب دورا محوريا فى القاهرة اثنان من القادة الكبار يلعب دوريهما شريف منير ومصطفى فهمي.
من أفضل تفصيلات الدراما الإشارات إلى شخصيات الضحايا المسيحيين، والتركيز على الجوانب الإنسانية لهم، ورسائلهم الى ذويهم، وبينما نسمع صوت أحدهم يطمئن أمه على حاله، وهى تقرأ رسالته، نرى الدواعش وهم يقبضون عليه وعلى زملائه، ويعرضونهم للإهانات، ثم يتم تقديم مشهد ذبحهم بإشارة رمزية ذكية، حيث يصطبغ ماء البحر الأزرق باللون الأحمر القاني.
هذا الخط عموما من أفضل خطوط الدراما، وخصوصا فى العلاقة المرحة بين العمال المصريين المسيحيين، والرجل المصرى الذى أحضرهم إلى ليبيا، والذى يشعر بالذنب بعد ذبحهم، ويحاول الانتقام لهم.
أبرز الملاحظات على الكتابة تتعلق بشخصية الإرهابى الداعشى التى جسدها محمد ممدوح بكثير من الإتقان، كنا فى حاجة إلى معرفة المزيد عنه، وخصوصا فى علاقته القديمة الغامضة مع الصحفية الليبية، وما حدث له فى العراق فى سجون الأمريكيين، ولو فى فلاشات خاطفة، كما أن علاقته مع زوجته هند كانت فى حاجة إلى مزيد من التفصيل، إذ تبدو مدمنة وغير مؤمنة بالخلافة، ومع ذلك احتفظ بها زوجها، والحقيقة أننا لم نعرف بالضبط جنسية أبو أسعد رغم أنه يتحدث العامية المصرية، ويبدو على الأرجح أنه عراقي.
لكن الفيلم عرف فى النهاية كيف يصنع ذروة مشوقة للغاية، وأن يحتفظ بمفاجأة أخيرة، تبرز جبن زعيم الدواعش، فى مقابل تضحية وشجاعة على المصري، وبالمناسبة فإن الإسراف فى تسمية الشخصيات بلقب “المصري” صار علامة واضحة وتقليدية يجب الابتعاد عنها، إلا أن أحمد السقا وملاءمة الدور له، ونجاحه فيه، سواء فى مرحلة ما قبل أن نعرف علاقته بالجيش المصري، أو بعد أن نعرف، كل ذلك كان من أبرز عوامل النجاح، هنا نستعيد السقا فى ملعبه تماما، وفى أفضل حالاته، بالإضافة إلى نجاح وبراعة نيللى كريم وصبا مبارك (وإن كانت لهجتها أقرب إلى التوانسة والله أعلم) وعمرو عبد الجليل ودياب، والأداء الجيد لشريف منير، ولكل ضيوف الشرف من النجوم (أبرزهم أحمد صلاح حسنى فى دور الطيار الشهيد)، مع تميز خاص لمصطفى فهمي، رغم أن مشاهد الفيلم محدودة، ولكنه أحد أطراف إدارة اللعبة الأساسيين.
على المستوى التقني، نجح المخرج أحمد جلال فى منح فيلمه ذلك التشويق والتماسك، ومعه عناصر فنية ممتازة: تصوير أحمد يوسف، وموسيقى عمرو إسماعيل، سواء فى مشاهد الحرب أو فى المشاهد المؤثرة، ومونتاج محسن عبد الوهاب، وديكور وإشراف فنى باسل حسام، وصوت حسن أبو جبل، وملابس الفيلم المتنوعة لملك ذو القفار، وكل فريق المؤثرات البصرية والجرافيك، ودورهم أساسى فى الفيلم، كل هذه العناصر ستنافس على جوائز الأفضل فى الموسم السينمائى الحالي.
لدينا بطولات كثيرة حقيقية فى كل الحروب، وأتمنى أن يفتح “السرب” الباب لتقديمها فى أفلام حربية ضخمة.
يستحق شهداؤنا ذلك، ونستطيع أيضا، بما نمتلك من مواهب، أن نقدم أفلاما مهمة وكبيرة، وكلما كان الإتقان الفنى فى الكتابة أفضل، وأبعد عن المباشرة، كلما كانت النتائج أفضل، وكلما أصبحت الأفلام أكثر حضورا وبقاء فى ذاكرة السينما.