مقال رئيس التحرير كاملاً “رسائل الرئيس في عيد العمال”

63

احتفال العالم أجمع في الأول من مايو بعيد العمال، سببه إحياء النضال من أجل الثماني ساعات في اليوم، ويكون اليوم عطلة رسمية في العديد من دول العالم، كما هو الحال في مصر. وكان أول احتفال رسمي بعيد العمال في الولايات المتحدة في الخامس من سبتمبر 1882 في مدينة نيويورك، في أعقاب وفاة عدد من العمال على أيدي الجيش الأمريكي خلال إضراب بولمان للمطالبة بألا تزيد ساعات العمل على 8 ساعات.

وفى مصر كان هناك تراث عمالى مستقل للاحتفال بعيد العمال، بدأ فى 1924، إذ نظم عمال الإسكندرية احتفالاً كبيرًا فى مقر الاتحاد العام لنقابات العمال، ثم ساروا فى مظاهرة ضخمة؛ ومع وصول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للسلطة والتأميم التدريجي للحركة العمالية، أخذت المناسبة شكلاً رسميًا وتم استيعابها.
وفى عام 1964 أصبح الأول من مايو عطلة رسمية، يلقى فيها رئيس الجمهورية خطابًا سياسيًا أمام النقابيين وقيادات العمال.

جاء الاحتفال هذا العام فى مدينة الإسكندرية، التى شهدت أول احتفال رسمى بعيد العمال يحضره رئيس الجمهورية.
وجاءت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى مؤكدة على قيمة وأهمية العمل فى مرحلة بناء الأوطان والدور المهم الذى قام به المصريون خلال المرحلة الماضية، ووجه الرئيس خلال كلمته مجموعة من الرسائل المهمة.

الرسالة الأولى:

الشعب المصرى هو صمام الأمان فى الحفاظ على الوطن؛ فهو مصدر السلطات وصاحب القرار وبإرادته ينهض الوطن وينمو وتتحرك سفينته فى الاتجاه الصحيح، وبدون الشعب المصرى وتكاتفه والتفافه حول بلده، لم يكن ليتحقق ما تم تحقيقه خلال السنوات الماضية، وما يستكمل تحقيقه حاليا وفى المستقبل.

الدول تبنيها الشعوب، والحضارات وليدة عمل واجتهاد وجد أبناء الأرض التى يسكنونها، ويسعون لبناء مستقبل أفضل لها. فلا بد للشعب المصرى أن يدرك حجم النجاح الذى حققه وألا يفرط فيما تم من إنجاز؛ بل عليه مواصلة استكمال مسيرة البناء مهما كلفه ذلك من تضحيات، فالكثير من الدول التى حققت تقدما فى العصر الحديث لم تحققه من خلال استعانتها بغير أبنائها؛ إنما اعتمدت اعتمادا كليا على ما قام به أبناؤها من أعمال وما قدموه من إنجازات وتضحيات.
الرسالة الثانية:

إعلاء قيمة العمل، أكد الرئيس على أهمية إعلاء قيمة العمل، فى ظل وجود تجارب لدول عديدة استطاعت أن تتقدم وتصبح قوى اقتصادية عالمية، من خلال إعلاء قيمة العمل، مثل الصين واليابان والكوريتين، وألمانيا، وسنغافورة، وفرنسا، وروسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من دول العالم، التى حققت نموا وتقدما اقتصاديا بعد كبوات كانت قد مرت بها، فزيادة الإنتاج ترفع من حجم نمو الناتج المحلى للدولة، مما يترتب عليه نمو اقتصادى وزيادة حجم الصادرات، وارتفاع مستوى معيشة الأفراد، وتوفير فرص عمل أكبر فى ظل حاجة سوق الإنتاج، فالعمل هو الطريق الصحيح نحو التنمية، والدولة المصرية كان لها العديد من النجاحات التى تحققت بالعمل. فقد استطاع العاملون فى قطاعات الغزل والنسيج، والمنتجات الغذائية، والإنتاج الحربي، بزيادة ساعات الإنتاج أثناء حرب أكتوبر لمدة ساعة لصالح المجهود الحربى؛ تحقيق عظيم الأثر فى توفير احتياجات القوات على جبهة القتال.

وهنا لابد أن نقف مع أنفسنا وقفة لنتساءل.. هل ساعات العمل والإنتاج حاليًا فى مواقع عدة هى نفس ساعات العمل الفعلى، ففى تقرير أصدره الاتحاد العربى للتنمية البشرية، أكد أن متوسط إنتاج العامل المصرى 30 دقيقة فى اليوم، والجزائرى 22 دقيقة، والسودانى 20 دقيقة. فى حين أن متوسط ساعات العمل الفعلى لدى العامل فى الدول المتقدمة صناعيا مثل اليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا يزيد على 7 ساعات.

وعلى الرغم من أن حكومة كوريا الجنوبية سارعت إلى خفض ساعات عمل موظفيها فى السنوات الأخيرة، إلا أن العامل العادى لديها مازال يعمل بمعدل عال، إذ إن متوسط عدد ساعات العمل فيها يصل إلى 2.113 ساعة فى السنة.

وتعد اليونان أكثر دولة أوروبية تعمل فى معظم الساعات السنوية، بمتوسط يصل إلى 2.042 ساعة فى العام.
وتشيلي، بمتوسط عدد ساعات عمل 1.988، بينما روسيا جاءت بمتوسط 1.978ساعة فى العام، يليها تركيا بمتوسط عدد ساعات عمل 1.832 فى العام. وفى الولايات المتحدة الأمريكية، تصل عدد ساعات العمل السنوية لكل عامل إلى 1.779، لتأتى إيطاليا بـ 1.725، ثم اليابان بـ 1.719، ثم كندا بـ 1.691. وتأتى إسبانيا بمتوسط عدد ساعات عمل 1.676، تليها المملكة المتحدة بـ 1.674، ثم أستراليا بـ 1.665، بينما يحصل العامل فى فرنسا على صفقة أفضل بكثير بـ 1.482 ساعة عمل فى السنة فى المتوسط، بينما تأتى ألمانيا بـ 1،371 ساعة فقط.

إن الأمم الناهضة تحتاج إلى العمل بجد وإتقان؛ فإذا قام 30 مليون عامل وموظف بإضافة ساعة واحدة من أجل بناء الدولة زيادة على وقت العمل، فى الوقت الذى يتقن فيه العمل خلال ساعات العمل المحددة، والتى تتراوح بين 7 و8 ساعات فى بعض مواقع العمل لتضاعف حجم الناتج المحلى لأكثر من 10 أضعاف.

كما أننى فى الوقت ذاته أشيد بحجم الجهد والعمل المتقن الذى يقوم به العاملون فى المشروعات القومية وحرصهم على إتقان العمل، ولكنى أتمنى أن يحدث ذلك فى كافة مواقع العمل والإنتاج.

الرسالة الثالثة:

ثمار الإصلاح التى تم الحديث عنها والتى شملت قرارات زيادة الحد الأدنى للأجور والعلاوة الاستثنائية وزيادة المعاشات؛ ليست هى النهاية وإنما هى البداية لخطوات كثيرة فى طريق رفع مستوى المعيشة، ومرتبطة بتحقيق النجاح فى خطة الإصلاح الاقتصادى وزيادة الناتج المحلى وزيادة الصادرات.
وهو ما أكده الرئيس قائلا: «ما حدث بالنسبة لثمار الإصلاح ليس كل شىء؛ إنما خطوة أولى، ويجب أن يقابلها زيادة إنتاج لأن العالم كله يتنافس، ولكى تتحقق النهضة يجب أن يعمل الجميع».
فكافة الحضارات الإنسانية قامت بسواعد العمال، فالعامل المصرى هو المحور الرئيسى فى الاقتصاد والتنمية.

الرسالة الرابعة:

الوعى.. فقد استطاع المصريون أن يواجهوا مخططات هدم مؤسسات الدولة بالوعى الذى ترسخ لديهم للحفاظ على دولتهم وتثبيت أركانها، عقب محاولات جرها باتجاه الفوضى.
فالعامل فى مصنعه من حقه أن يطالب بحقوقه، ولكن دون أن يوقف عجلة الإنتاج؛ لأن إيقاف عجلة الإنتاج تؤدى إلى تدمير الصناعة؛ وهو ما ليس فى مصلحة العامل أو المصنع. ولذلك كانت كلمة الرئيس «لما تزعل اشتغل أكثر، ولا تخاصم نفسك؛ ويقصد هنا العمل»، فالوعى يقف وراء نجاح أى دولة فى تنفيذ ما تصبو إليه من تقدم وازدهار.

إن وعى المصريين بحجم المخطط الذى يستهدف المنطقة ومدى خطورته وتأثيره على دولتهم حال تماما دون تنفيذه فى مصر، فقد خلفت الفوضى أشباه دول ودمارا خلف سكان مخيمات، وغرقى فى مياه البحار.

إن وعى المصريين كان وراء تنفيذ قراراتهم التى اتخذوها بالنزول أمام صناديق الانتخابات والمشاركة الإيجابية فى العملية السياسية، فكانت رسالتهم واضحة للعالم؛ نحن من يتخذ القرار، وما يجرى على أرض مصر، يسير وفق إرادة شعبية تامة، لا تنازعها شكوك.
كانت المشاركة فى الاستفتاء على الدستور بمثابة رسالة قوية إلى العالم كتبها المصريون بأنفسهم وسطروها بإرادتهم الحرة، وارتفع صوتهم بها ليسمعها العالم أجمع، ويقدم التحية للمصريين، وتسود وجوه قوى الشر.

الرسالة الخامسة:

قال الرئيس: «لكى تنجح مصر، وتغنى مصر، وتستغنى مصر لابد أن يكون بذراعها».
مصر تُبنى بأيادى الجميع، والمسئولية لا تقع على عاتق فرد، وإنما تقع على عاتق كل من يشارك فى العمل بدءا من أصغر عامل، وانتهاء بالمسئول، الذى يقف على رأس العمل. فكل له دوره، ولابد أن يقوم به على أكمل وجه، حتى تستطيع الدولة أن تحقق طموحاتها، وأهدافها الاستراتيجية.
إن الرقابة الذاتية تقضى على الفساد، والعمل المتواصل يزيد الإنتاج، ويرفع مستوى المعيشة، وينمو به اقتصاد الدولة.

إننا أمام تحد كبير يستوجب منا جميعا أن نعمل أكثر مما نتحدث؛ وأن نقدم للوطن ما يليق به من عمل، وأن نحافظ على الصناعة الوطنية ونحرص على تنميتها، وأن يكون للمنتج المحلى مكان الصدارة فى مشترياتنا، خاصة أننا نعد سوقا كبيرة يصل حجم المستهلكين فيها أكثر من 100 مليون مستهلك.

الرسالة السادسة:

ضرورة أن يتكاتف الجميع من أجل الحفاظ على الدولة وأن تسير كافة المؤسسات فى اتجاه واحد وهو البناء (الإنسان، البنية الأساسية، التنمية الشاملة، الاقتصاد).
فإذا كانت الدولة تسعى للنهوض بالتعليم والتعليم الفنى من خلال المشروع القومى للنهوض بالتعليم، من أجل منظومة تعليمية قادرة على المنافسة فى سوق العمل فى ظل ظهور ما يعرف بالتكنولوجيا البازغة والذكاء الاصطناعي، فلابد للجميع أن يتوافق مع ذلك بدءا من الأسرة والطالب والمدرس والمدرسة. بالإضافة إلى الدور المهم للإعلام فى ذلك من مقروء ومرئى ومسموع، ودراما وسينما ومسرح.

على الجانب الآخر، لابد من زيادة حجم المكون المحلى فى المنتجات ومستلزمات الإنتاج، لما يساعد فى توفير فرص عمل.

طالب الرئيس رجال الأعمال بعمل دراسات جدوى خاصة لتوفير مستلزمات الإنتاج، خاصة أن مصر لديها مقومات كثيرة؛ منها توافر الأيدى العاملة الرخيصة، بالإضافة إلى توافر الموارد والمواد الخام.