مصر تنتصر

مخطط تفكيك الدول (3)

78

بنهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين واصلت أجهزة مخابرات الدول الأربع (الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، بريطانيا، ألمانيا) التحرك في اتجاه تنفيذ مخطط تفكيك الدول، في ظل مناخ بات مواتيًا لتفكيك دول المنطقة العربية لصالح إسرائيل.

بدأت عمليات دعم موسعة وموجهة لمنظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى المراكز البحثية والثقافية، وبدأت معها عمليات انتقاء عناصر التحرك والاستقطاب.

 

 

وكان العمل على ثلاثة محاور..
المحور الأول: الثقافي والتنويري.
المحور الثانى: العمل الأهلى ومنظمات المجتمع المدنى.
المحور الثالث: المراكز البحثية ومراكز الدراسات الاجتماعية، بالإضافة إلى المنح الخارجية التى تقوم بانتقاء المجموعات للتدريب فى الخارج.
ومع أحداث الحادى عشر من سبتمبر أنشأت وكالة الأمن القومى الأمريكى قسم الأنشطة الخاصة (SAD) لتصبح المسؤولة عن العمليات السرية، وبدأ العمل من عام 2001، فأنشأت مجموعتين منفصلتين داخلها: SOG للعمليات شبه العسكرية التكتيكية وPAG للعمل السياسى السري؛ وجاء دور الأخيرة أكثر عمقًا وتأثيرًا فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

تعمل مجموعة العمل السياسى (PAG) داخل (SAD) على التخطيط والتنفيذ للحروب النفسية والمعروفة باسم الدعاية السوداء، وكذلك «التأثير السرى» لإحداث التغيير السياسى فى البلدان الأخرى التى تستهدفها الولايات المتحدة كجزء من سياستها الخارجية.

 

كما تشمل عمليات المجموعة التدخل السرى فى الانتخابات الخارجية، وهو الشكل الأكثر أهمية للعمل السياسى أو الحزبى؛ ويتضمن الدعم المالى للمرشحين المفضلين والإرشاد والدعاية الإعلامية والإعلانية والدعم الفنى للعلاقات العامة وجهود التنظيم السياسى والخبرة القانونية والمساعدة فى مراقبة الانتخابات وغيرها من وسائل العمل المباشرة؛ وتتأثر قرارات السياسة بالوكلاء، كالمسئولين المدمرين لبلدانهم، لاتخاذ القرارات بصفتهم الرسمية التى تعزز أهداف السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى آليات تشكيل وتطوير الآراء والتى تنطوى على الاستخدام السرى للدعاية الموجهة من جانب تلك المجموعات.

كما عملت مجموعات (PAG) فى قسم الأنشطة الخاصة بالمخابرات الأمريكية (CIA) على التركيز فى المنطقة العربية، وذلك وفق اتفاق تعاون يستهدف تقسيم المنطقة العربية لحساب دولة إسرائيل، وتم الدفع ببعض حركات المعارضة، مثل حركة كفاية و6 أبريل وغيرها فى مصر بالإضافة إلى دعم تنظيم الإخوان الإرهابى فى المنطقة العربية بالكامل وليس فى مصر فقط وعدد من حركات وبعض أحزاب المعارضة فى دول شمال إفريقيا، تحت دعوى الديمقراطية والتغيير.

كما استُخدِمت دعاية ومنشورات وصحف ومجلات وكتب وراديو وتليفزيون، وكلها موجهة لنقل رسالة الولايات المتحدة المناسبة إلى المنطقة المستهدفة.

هذه التقنيات توسعت لتشمل الإنترنت كذلك، بل قامت تلك المجموعة بالدفع بضباطها للعمل كصحفيين فى المناطق المستهدفة، أو تجنيد عملاء للتأثير على المجتمعات أو تشغيل منصات إعلامية أو نشر قصص أو معلومات معينة فى أماكن يؤمَّل أن تصل إلى اهتمام الرأى العام، أو تسعى لتشويه المعلومات التى تمثل معارف عامة، من خلال كل هذه الجهود الدعائية.

نجحت تلك المجموعات والخطط خلال عامين من العمل داخل العراق كأحد أول الأهداف فى المنطقة العربية فى تكوين عناصر قوة تم استخدامها خلال الغزو الأمريكى للعراق، فاستطاعت أن تجعل منها كتابًا مفتوحًا أمام قوات الغزو، بل واستطاعت «الجزيرة» إحدى الأدوات الفاعلة فى المعركة أن تقوم بأكبر عملية حشد للمعارضة ضد النظام كما كانت بمثابة كلمة السر فى سقوط بغداد.

عقب سقوط العراق عام 2003 بدأ التحرك باتجاه القاهرة.. ولأن الوضع فى مصر يختلف كثيرًا عن الوضع فى العراق سواء من حيث مؤسسات الدولة، ففى الوقت الذى تعد المذهبية إحدى نقاط الضعف المهمة داخل الجيش العراقى خاصة فى قيادات الصف الأول، كان الجيش المصرى أكثر قوة، فهو جيش وطنى ليست به أية عناصر غير مصرية، كما أنه يحرص على القيام بمهمته على أكمل وجه بعيدًا عن التيارات السياسية أو الحزبية، عقيدته النصر أو الشهادة، وهدفه الحفاظ على الأمن القومى المصرى.

لذا وقع الاختيار على مؤسسة الأمن، لتكون هدف المجموعات المتعاونة مع عناصر الـ (PAG) تم عقد اجتماع فى لندن أوائل عام 2004 وكان يستهدف العمل على تفكيك الدول العربية بالكامل واعتبر مصر هى نقطة التحول ومفتاح التغيير، وفق الخرائط التى طرحها «برنارد لويس» وتضمنت الخطة عدة بنود:

أولًا: ضرورة تدمير العلاقة بين الدول العربية بعضها البعض كى لا يتكرر مرة أخرى سيناريو 6 أكتوبر 1973، وتم استهداف دول بعينها، فتم إشعال التوتر بين كلٍ من المملكة العربية السعودية وسوريا وليبيا.

ثانيًا: زيادة حجم الدعم المقدم إلى منظمات المجتمع المدنى فى كلٍ من مصر وسوريا، وتسليط الضوء بشكل كبير على أخطاء النظام المصرى والنيل منه فى المقابل منح تنظيم الإخوان مساحة أكبر من الدعم والتشاور، خاصة أنه فصيل لديه القدرة على التواصل مع المناطق الفقيرة، وهو ما يوفر أرضًا خصبة لغرس المفاهيم المعلَّبة.

بالفعل زاد حجم التعاون وتبادل الزيارات بين مسئولين أمريكيين ومكتب الإرشاد وارتفع حجم الدعم لمنظمات المجتمع المدنى التى كان يديرها عدد من عناصر الجماعة.

ثالثًا: استهداف المؤسسات الأمنية فى الدول العربية وخاصة مصر باستغلال حالة التذمر والصورة الذهنية الراسخة تجاه تجاوزات رجال الشرطة، ومن هنا يمكن خلق الحالة المستهدف الوصول إليها، الفوضى.
رابعًا: يقوم عدد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين بالنشر فى الصحف والمجلات والدوريات، وكذا إطلاق حملات موسعة للحديث عن الديمقراطية الأمريكية، وتقديمها كنموذج.

خامسًا: استمرار العمل على تحطيم صور الرموز والقيام بعمل منظَّم ذى حبكة مُحكَّمة للنيل من الأحداث الوطنية، وهنا فى ذلك البند تحديدًا تم الإيضاح أن يكون الهدف دائمًا هو المناسبات والأعياد الوطنية التى هى بمثابة نقطة انطلاق للشعوب، وإحدى نقاط القوة فى تاريخها (ولذلك كان اختيار 25 يناير فى مصر والآن يستهدفون انتصارات أكتوبر).

سادسًا: استغلال طموح بعض دول المنطقة فى ضمان استمرار وجود توتر فى العلاقات العربية (اُختيرت قطر لتكون الوكيل لتنفيذ هذا البند).

سابعًا: دعم العلاقة بين أجهزة المخابرات وإحدى الوسائل الإعلامية العربية لتكون أكثر تأثيرًا وتوفيرا للمعلومات فى حينه حتى تكون قادرة على التأثير فى العقل الجمعى للشعوب المستهدفة (تم اختيار “الجزيرة” لأداء هذا الدور).
ثامنًا: صناعة عدد من المراكز التدريبية والمنظمات لتدريب الكوادر لإحداث الفوضى وتدمير المنطقة، وإذكاء النعرات الطائفية والقبلية داخل الشعوب؛ وتم رصد أكثر من 60 مليون دولار لبدء تنفيذ بنود المشروع.

وفى عام 2006 تم تأسيس ما عرف بأكاديمية التغيير فى لندن، لتكون بمثابة نواة لإطلاق البرامج التى تستهدف التأثير وتنفيذ المخطط.
وتحت زعم أنها مؤسسة علمية بحثية عربية الهوى عالمية النشاط، تهتم بتزويد العقل بأدوات الفعل الاجتماعى والسياسى ليكون قادرًا على ممارسة التغيير والتحول الحضارى.. بدأت العمل لتنفيذ المخطط فى المنطقة العربية.

فأقامت مجموعة من المشاريع التدريبية للعناصر المستهدفة فيما أسمته بـ «حرب اللاعنف» وكيفية صناعة الثورات والحشد.
كما لعبت أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية دورًا كبيرًا فى تدريب العناصر، وكان الإعلاميون والصحفيون الأمريكيون هم المسئولين عن برنامج التدريب بالإضافة إلى بعض العناصر العربية (ضباط قسم الأنشطة الخاصة فى المخابرات الأمريكية).

تم استهداف مصر بشكل أكثر تركيزًا من خلال تقارير ما يسمى بالتقارير الحقوقية حول تجاوزات رجال الأمن، وعملت بعض منظمات المجتمع المدنى فى مصر على تلك التقارير.

تم تحريك الجيوش الخفية من أجل تحقيق الهدف وهو زعزعة الثقة بين المواطن والحكومة، وتم التلاعب بالمفاهيم حتى بات من الأخطاء الشائعة فى الشارع اعتبار الحكومة هى الدولة، ليسهل بذلك تمرير مشروع سقوط الدولة من خلال إسقاط الحكومات؛ وذلك لخلق حالة من الفراغ والفوضى.

كانت الساحة المصرية مواتية للعمل خاصة مع ظهور حركات مثل كفاية و6 أبريل وانضمام أعضاء من تنظيم الإخوان إلى حركة 6 أبريل وتدريب عناصر منها فى الخارج (صربيا)، لتبدأ عملية الإعداد لتنفيذ سيناريو الفوضى واستهداف مؤسسات الدولة الوطنية وتدمير الهوية.
فى الحلقة القادمة نكشف كيف اُستخدمت مواقع التواصل الاجتماعى والمنظمات الأهلية وألعاب الفيديو جيم لتمرير المشروع خلال عام 2011.