عاجل

المشربيات حجاب الحسناوات

73

محمود درغام

ما أن تمر بمنطقة الأزهر، وتزور البيوت الآثرية مثل بيت السحيمي وزينب خاتون، وتشاهد الزوار يلتقطون الصور وهم يخرجون رؤوسهم من المشربيات، فإنك وبدون سابق إنذار تتخيل السكان الأصليين لتلك البيوت، حيث تقبع سيدة المنزل الحسناء خلف حجاب المشربيـة مختبئة حتــى لا تخدشها العيون .
وقد جسدت المشربية جزئية هامة من فلسفة العمارة الإسلامية وهي الجمال، وقد نشأت لعدة أسباب أولها الدينية مثل حفظ حرمة أهل البيت مع السماح لهم في الوقت ذاته بالنظر من خلالها إلي الخارج، وثانيها المناخية مثل السماح بمرور الهواء والضوء للبيت، وقد أضاف المعماري الراحل حسن فتحي وظيفتان للمشربيه هما ضبط درجة الحرارة صيفا وشتاء وترطيب الهواء وذلك من خلال وضع جرار فخارية فيها ممتلئة بالمياه، عندما يمر تيار الهواء فوقها تتبخر كميات من الماء الموجود علي سطحها فيبرد تيار الهواء، الأمر الذي يؤدي إلي ضبط درجة الحرارة، ويقول د. حسام إسماعيل أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الأداب جامعة عين شمس أن فكرة المشربيات بدأت كفكرة إجتماعية فهي تحجب ما بداخل المنزل عن خارجه، وقد اشترط الفقهاء أن تكون المشربية أعلي من شخص جالس علي جمل حتي لا يستطيع النظر من خلالها، وقد ظهرت فكرتها أثناء الحروب الصليبية حيث أنه لم يكن في استطاعة مصر استيراد الأخشاب من الخارج، فكان يتم استخدام أجزاء الخشب بطريقة فنية لتنظيم الهواء في الحجرات.
وتضم المشربيات ثقوب ضيقة تسمح بدخول بصيص ضوء حتي لا تتأذي عيون السكان، وفي نفس الوقت تمنع أي شخص من أن يكشف ما خلف المشربية، كما يوجد في أعلاها ثقوب أوسع تسمح بدخول كمية من الهواء والضوء مما لا يضر بصحة الإنسان، إلي جانب فتحات تمكن السكان من معرفة من يطرق باب الدار دون أن يخدش خصوصيتهم أحد، وقد ظلت المشربية طور الاستخدام فـي العصور المختلفة حتي جاءت الحملة الفرنسية تحمل معها أفكار جديدة علي المصريين مثل النوافذ الكبيرة والشيش بداعي الاشتراطات الصحية، وقد بدأ محمد علي باشا وأبنائه في تطبيقها بعد ذلك، مضيفا أن هناك أشكالًا متعددة للمشربيات وذلك علي حسب استعمالها، فهناك من يستخدمها كشباك فوق باب أو مشربية لغرفة استقبال أو نوم، والفنون الإسلامية وظيفية تماما مع إضافة لمسة جمالية من منطلق أن الله جميل يحب الجمال، فهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه مفردات العمارة الإسلامية وأساسياتها، وقاعدتها أن كل سنتيمتر فيها له هدف محدد و مقدار دقيق، منهيا حديثه أن فكرة المشربية وردت إلي مصر من البلاد الحارة، نتيجة أنها قلب العالم الإسلامي النابض، وعند سقوط بغداد في يد المغول عام 656 هجرية الموافق القرن الثالث عشر الميلادي أصبحت القاهرة عاصمة العالم الإسلامي فجاءها العلماء والفنانين وتجار من كل الجنسيات معهم شتي أنواع البضائع كالتوابل والمنسوجات وغيرها، لأنها كانت المحطة الأخير علي طريق الحرير الذي ينقل المنتجات الصينية إلي أوروبا والمنتجات الأوروبية إلي إفريقيا وأسيا.
كما يقول إبراهيم قاسم مفتش آثار ببيت السحيمي أنه في العصر العثماني و من قبله المملوكي كان هناك اهتمام بكل ما له طابع إسلامي مثل المشربيات، وهناك فرق بين المشربية و المشرفية، فالأولي بارزة للخارج ويوضع داخلها قلل المياه لتبريدها، أما المشرفية فكانت تستخدمها سيدة المنزل للإشراف علي الخدم في البيت والتحكم فيهم من خلالها، وهي تصنع بطريقة العاشق والمعشوق، وتعمل علي حجب من بالداخل عن من بالخارج، كذلك حجب التراب والسماح بدخول أشعة الشمس بمقدار خافت مما يساعد على استرخاء السكان.
مؤكدا علي وجود بيوت آثرية تتميز بوجود المشربيات مثل بيت السحيمي وبيت زينب خاتون والست وسيلة وبيت الهراوي وبيت الكريتلية وبيت السناري وبيت جمال الدين الذهبي، منهيا حديثه بوجود علاقة بين المشربيات وأغنية ” ميل و حدف منديله “للعندليـــــب الأسمـــر” عبد الحليم حافظ ” حيث أنه عندما كان يتقدم شخص لخطبة إبنة صاحب البيت فكان يجلس في الدور الأرضي وهو مكان استراحة للضيوف، أما الإبنة فتقف خلف المشربية تشاهده ولا يشاهدها، فإذا ألقت بمنديل منها عرف والدها أنها موافقة علي الارتباط بهذا الرجل، أما إذا فتحت المشربية وأغلقتها مرتين بصوت مسموع علم والدها أنها ترفض هذا الإنسان.
وإذا كانت المشربيات تستخدم و بكثرة في البيوت، فقد استخدمت أيضا في الخانات والوكالات، فمثلا خان الزراكشة بجوار مسجد محمد أبو الدهب يعد من أهم الخانات الباقية حتي الآن، ويعود لعهد السلطان الغــــوري وفقا لما ورد في حجة أبو الدهب، أما وكالة الغوري فقد أقامها السلطان عام 1504 م، وتتكون من فناء مكشوف تحيطه قاعات علي خمسة طوابق، وهي جزء من مجموعة آثرية تضم مدرسة وخانقاة و كتاب وسبيل.