رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

قراءة مقارنة للتجربتين المصرية واليابانية

636

نجاح تجربة تحديث وتطوير اليابان التي بدأت تحت قيادة الإمبراطور «ميجي» عام 1868 أثار ومازال يثير في أذهان المصريين تساؤلات منسوجة بخيوط من الأسى والحزن الدفين عن أسباب هذا النجاح في حين فشلت التجربة المصرية التي بدأت مع السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1805 تحت قيادة محمد علي باشا.. أى قبل ثورة «ميجي» بـ 63 عامًا.

وإذا كان للمصريين الحق فى التساؤل، فإن نسبة محدودة هى التى حاولت أن تتفهم الأسباب الخاصة لنجاح التجربة اليابانية، فهناك عوامل وظروف خاصة لم تتوفر لمصر وتوفرت لليابان مما مكنها من مواصلة الطريق، فى حين تعثرت التجربة المصرية وانتكست.
وإذا كانت هناك ظروف وعوامل خاصة، فإن هناك أيضًا ظروف وعوامل متشابهة جمعت بين التجربتين والبلدين والحاكمين.
فكل من محمد على وميجى كان ذكيًا وصاحب رؤية خاصة وطموحات هائلة لإعلاء شأن بلده وإحلالها المكان الذى هى جديرة به، وإرادة فذة قادرة على قهر العقبات وقدرات قيادية نموذجية.
وكلا الرجلين، أدرك أن استيعاب علوم العالم الغربى المتقدم هو حجر الزاوية لبناء دولة عصرية، فأوفدا البعثات إلى أوروبا لتحقيق هذا الهدف.
والفضل هنا لمحمد على لأن تجربته كانت رائدة فى هذا المجال.
ويمكننا القول إن الحملة الفرنسية بكل ما أعطته من فرص للاطلاع على حجم التقدم مقارنة بالأوضاع سواء فى داخل الإمبراطورية العثمانية أو فى مصر، كانت من عوامل تشكيل فكر محمد على.
كما أن حملة فريزر على مصر عام 1807 كانت من العوامل التى جعلت محمد على يدرك من أين يبدأ، لا لمقاومة الأخطار الخارجية، بل لبناء دولة قوية وعصرية قادرة على مد حدودها إلى أبعد ما تستطيع.
وإذا كان محمد على قد أوفد البعثة الأولى عام 1825 إلى فرنسا ومن بين أعضائها الشيخ رفاعة الطهطاوى كإمام وشيخ لها، إلا أنه لجأ لاستقدام الخبراء الأجانب قبل ذلك للمساعدة فى تحقيق طموحاته، وشاركت هذه الخبرات فى بناء المصانع والترسانات البحرية والقناطر.
وعلينا أن نتذكر أن سليمان باشا الفرنساوى كان واحدًا من صُناع الانتصارات العسكرية المصرية الهائلة، بل يمكن القول إنه وإبراهيم باشا هما أهم العناصر فى بناء هذا المجد.
وعندما عادت البعثة الأولى من فرنسا عام 1831، كان مقدرًا أن يلعب رفاعة الطهطاوى دوره المتميز فى عصرنة مصر، خاصة نظامها التعليمى، وفى فتح أبواب عصر من التنوير مازال مستمرًا.
وكان منطقيًا أن يستفيد محمد على من هؤلاء المبعوثين العائدين، ولم يجد طريقة أفضل من الاحتفاظ بهم فى القلعة بعد عودتهم حتى يضعوا مؤلفاتهم عما تعلموه ودرسوه وعرفوه.
ولم يكتف بذلك، بل كان يمضى معهم الساعات الطوال محدثًا ومستمعًا ومشجعًا، حتى يتعلم أولًا، ومن أجل أن يحثهم على الإنجاز بصورة أفضل.
وأثمرت هذه العلاقة، وهذه الخطة، قاعدة علمية وفنية وعملية ومعلوماتية متميزة دفعت بالمسيرة إلى الأمام.
وما فعله محمد على مع المبعوثين، فعله الميجى حرفيًا.. فقد أوفد البعثات إلى دول العالم الغربى، وبعد عودتهم كان يجالسهم ويتحدث معهم ويحاورهم طويلًا.. ولم يتركهم يغادرون القلاع التى اختارها كأماكن لإقامتهم منعزلين إلا بعد أن يضعوا مؤلفاتهم وتجاربهم وتسجيل كل ما تعلموه.
وأسهمت هذه البعثات، سواء فى مصر أو اليابان فى بناء جسور انتقلت عليها علوم وتكنولوجيا معاصرة وقتذاك إلى البلدين.
وعمل الحاكمان العظيمان على دعم هذه الجسور لكى تزداد اتساعا باستمرار.
وبدا وقتذاك أنهما فى سباق مع الزمن وتحول المبعوثون إلى قوة فعالة لإدارة عجلة التطوير علميًا واقتصاديًا وصناعيًا وزراعيًا واجتماعيًا.
والمثير للدهشة.. أن مصر التى كانت تنام فى أحضان التخلف فى ظل الاحتلال العثمانى الذى بدأ عام 1517، والسيطرة المملوكية، قد استطاعت تحت راية محمد على أن تنهض وتنفض عنها آثار التخلف، وتحقق واحدة من المعجزات فى التاريخ المصرى.
وإذا قلنا إن راية محمد على ارتفعت منذ تولى السلطة عام 1805 فإن السنوات حتى 1840 تاريخ توقيع معاهدة لندن، قد شهدت أعلام مصر وهى ترتفع فوق جزر البحر المتوسط حتى جزيرة تكريت غربا، وفوق أراضى آسيا حتى البحرين شرقًا، وفى أوروبا حتى حدود اليونان غربًا، بل إن مصر التى كانت اسما ولاية عثمانية، قد طرقت أبواب الأستانة، العاصمة السلطانية بعد أن ألحقت بجيوشها عددا من الهزائم العسكرية البرية والبحرية الفادحة.
وكانت الانتصارات العسكرية على قوات الثورة فى اليونان أمرًا لم تتوقعه القوى الأوروبية، وصاحبة الانتصارات العسكرية نهضة صناعية عسكرية غير مسبوقة، مصانع للسلاح، وأخرى للذخيرة، وثلاث ترسانات بحرية لبناء قطع الأسطول فى الإسكندرية والسويس والبحرين، وعشرات المصانع الأخرى التى تلبى احتياجات هذه المصانع، ومئات المصانع التى تنتج إنتاجا مدنيا، وعشرات القناطر على النيل، بالإضافة إلى شق مئات الكيلومترات من الرياحات والترع، وتعبيد عشرات الطرق.. ولم يكتف محمد على بذلك، بل أنشأ عشرات المطابع من بينها وياللدهشة مطبعة الموسيقى.
أما النهضة التعليمية فأمر يتوقف أمامه المراقب بالانبهار.. مدارس للبنين وأخرى للبنات ومدارس عليا (أى كليات) تغطى احتياجات مصر من المهندسين والأطباء والضباط وتخصصات أخرى.. وبدأت رياح الثقافة تملأ الشارع المصرى بكل قوة.
والأهم توحدت مصر خلف محمد على بعد كسر شوكة المماليك، واجتثاث وجودهم من صفحات التاريخ، وإنهاء السيطرة العثمانية فعلا وإن استمرت اسما وواقعا.
مثل هذه النتائج حققتها ثورة الميجى، وإن كانت أبرز فى الميدان القومى، فقد استطاع أن يبنى دولة قومية على أنقاض عشرات من الحكام العسكريين (الشوجن) بالأقاليم والمقاطعات.
ومن الضرورى الإشارة هنا إلى أن بناء الدولة القومية باليابان كان ضرورة لبناء دولة عصرية.
أما محمد على فقد تعامل مع دولة متجانسة فكريا واجتماعيا، وموحدة منذ عصر مينا 5614 قبل الميلاد، دولة لم تعرف الانقسامات القبلية أو العرقية أو الدينية أو الفكرية – أى لم تعرف دول الطوائف.
وبعد معاهدة لندن 1840 وتدمير الأسطول المصرى فى نافارين 1827، والهزائم التى ألحقها التحالف الأوروبى بالجيش المصرى فى شرق آسيا والشام.. بدأت الانتكاسة المصرية، فقد فرض الأوروبيون على مصر تخفيض حجم القوات المسلحة وإغلاق المصانع والترسانات.. وبدأت عجلة التطور تتوقف وتصدأ بعد ذلك.
أما ثورة الميجى، فقد واصلت الاندفاع إلى الأمام.
وهنا نتساءل: لماذا تدخلت أوروبا لقهر الإرادة المصرية، فى حين سمحت لليابان بمواصلة الطريق بالرغم من تضخم حجم الجيش اليابانى، وامتداد عملياته إلى أراضى الصين وشبه الجزيرة الكورية، وتمكنه من احتلال أجزاء من الأراضى الصينية عام 1895 وكل كوريا وتمكنه من إلحاق هزيمة مخيفة بالأسطول الروسى عام 1904؟!
والإجابة عن هذا السؤال قد تحمل لنا توضحيًا لتباين الموقف الأوروبى من التجربتين، وكمقدمة للإجابة عن هذا التساؤل نوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية بعثت برسالة تهديد واضحة وسافرة عام 1853 حملها الادميرال بيرى، وإزاء التفوق العسكرى الأمريكى، وقعت اليابان معاهدة مع أمريكا عام 1854 بمقتضاها استجابت للطلبات الأمريكية، ومنها منح امتيازات خاصة فوق الأراضى اليابانية، ولم يمض وقت طويل حتى وقعت اليابان معاهدات مماثلة مع كل من انجلترا وهولندا وروسيا.
ويكشف لنا ذلك أن اليابان كانت فى دائرة الاهتمام الأمريكى، ولكن هذا الاهتمام لا يتضمن تحويل اليابان إلى مستعمرة، فالرأسمالية الأمريكية كانت تسعى إلى الأسواق لا المستعمرات، فى حين أن الرأسمالية البريطانية كانت تسعى وراء المستعمرات لتفتح أبواب الأسواق، وما هو أكثر ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.
وقد وقعت مصر فى دائرة الاهتمام البريطانى بعد الحملة الفرنسية، حيث تنبهت إلى حجم الأخطار التى تتعرض له مستعمراتها الآسيوية خاصة الهند، إذا ما وقعت مصر فى قبضة قوة أخرى، خاصة القوة المناوئة لها فرنسا.
بعد هذا التوضيح، علينا أن نتذكر أن مصر فى نهضتها وانتصاراتها العسكرية كانت تتحرك وتصنع تيارا يصطدم بمصالح العالم الغربى، فالطموحات المصرية بالرغم من خدمتها لأهداف الامبراطورية العثمانية فى شبه الجزيرة العربية واليونان، بدت شديدة الخطورة عندما تحولت القوات المصرية للاصطدام العسكرى مع قوات الامبراطورية العثمانية.
فالامبراطورية العجوز التى بدأت عام 1299 كانت تعد رجل أوروبا المريض، ولم يحفظ لها إمكانية الاستمرار سوى الصراع بين القوى الأوروبية على وراثتها، وإن لم تسمح الظروف بالتوصل إلى اتفاق يرضى الجميع.
فى حين كان التوسع اليابانى، والانتصارات العسكرية كانت تخدم المصالح الغربية.
فالصين.. هذا الامتداد الجغرافى والكتلة السكانية الهائلة كانت تشكل هاجسا مفزعا للقوى الغربية فيما لو نهضت وما حروب الأفيون، والنهش المتواصل فى الجسد الصينى إلا محاولات لدفع التنين لمواصلة النوم.
أى أن الانتصارات اليابانية وما أدت إليه من احتلال أجزاء من الصين وشبه الجزيرة الكورية، وهزيمة روسيا بحرا سوى إنجازات تخدم المصالح الغربية.
وهذا ما دفع الولايات المتحدة إلى مساندة اليابان وشمولها بالرعاية، خاصة فى مواجهة الدب الروسى الذى وقعت معه اليابان عام 1905 معاهدة تمنحها كثيرًا من الامتيازات.
ونتيجة لتصادم طموحات مصر مع المصالح الغربية، تم وأد التجربة النهضوية المصرية، والعكس أدى إلى خدمة التجربة اليابانية.
وعلينا أن نتذكر أن المنتصرين فى الحرب العالمية الثانية قرروا تقسيم ألمانيا، وعندما بدأوا مناقشة تقسيم اليابان.. تصدت أمريكا لمثل هذا التوجه بقوة إلى أن تراجع الجميع عن مناقشة هذه القضية.
وعادت الولايات المتحدة لمساندة مشروع التحديث اليابانى المعاصر، فى حين ظلت القوى الغربية تحاصر مصر خاصة بعد زرع إسرائيل فى المنطقة.
وبدأت خطة امتصاص حيوية للمنطقة ككل والاحتفاظ بها فى حالة سيولة.