مصر تنتصر

بطل الحرب.. شهيد السلام

50

ما بين فرحة الاحتفال بنصر أكتوبر وذكرى استشهاد قائدها يظل محمد أنور السادات زعيمًا وقائدًا مصريًا لن ينساه التاريخ.. فتأتى احتفالات كل عام لتؤكد بقاء ذكرى صانع النصر الذى اغتالته يد الإرهاب، فكان الاحتفال بيوم نصره هو يوم استشهاده، لتنتهى رحلة كفاح عامرة بحب مصر ومدرسة وطنية سيحفظها التاريخ لبطل الحرب وصانع السلام.
ورغم مرور أكثر من مائة عام على مولده ستظل الحقيقة الباقية أن أنور السادات من أكثر الشخصيات مدعاة للإعجاب والحيرة والجدل.. كما أن ذكاءه الخارق كان وسيظل محل تقدير الجميع، وكان كاريزما استثنائية أذهلت كل مؤيديه ومعارضيه على السواء، فالزعيم أفنى حياته من أجل مصر، وكان أحد المشاركين فى صناعة أهم حدثين فى تاريخ مصر الحديث، ثورة يوليو 52 وحرب أكتوبر 73.
ولم يكن السادات عضوًا تقليديًا فى مجلس قيادة الثورة، فرغم ابتعاده عن العمل التنفيذى معظم سنوات حُكم جمال عبد الناصر، فإنه كان يراقب ويعى ويستوعب كل ما يجرى بحُكم تجاربه الحياتية والسياسية، وبحُكم أنه تعرض للاعتقال والسجن مرات وسنوات عديدة، ولذلك كان عبد الناصر يطلق عليه اسم «الثعلب» وكان فعلاً ثعلب مجلس قيادة الثورة.
إن اختلاف السادات تاريخًا ومضمونًا عن بقية الضباط الأحرار، هو حقيقة تاريخية وموثقة، فقط السادات كان مناضلاً دائمًا، مدنيًا وسط الجماهير، عرف السجون والمعتقلات فى كفاحه ضد الوجود العسكرى البريطانى فى مصر، وناضل فقيرًا، وهو ما لم يعرفه بقية الضباط الأحرار، وقام عبد الناصر بتعيين السادات نائبًا لرئيس الجمهورية فى ديسمبر 69 وسط دهشة الجميـــع، وفـــى 28 سبتمبـر 1970 رحل جمــال عبد الناصر، وأصبح السادات رئيسًا لمصر.
وكان الرصيد السياسى والحياتى لدى السادات قد منحه القدرة والقوة على ضرب كل مراكز القوى بعد رحيل عبدالناصر، رغم أن أعداؤه كانوا يتحكمون فى كل مفاتيح الحكم والسلطة، فكان منهم قائد الجيش ورئيس البرلمان ووزير الداخلية ووزير الإعلام، ولكنه نجح فى الإطاحة بهم جميعًا، فأى عبقرية كانت لدى السادات؟!
qqq
كانت أولى خطوات السادات بعد توليه الرئاسة هو استعادة اسم مصر الذى اختفى تحت مسمى «الجمهورية العربية المتحدة» فأعاد اسم «مصر» أعرق وأقدم أمة فى التاريخ، ورفع خوف الدولة البوليسية عن المصريين البسطاء، فزحف عشرات الآلاف من أحفاد رمسيس وأحمس يعبرون القناة ويقهرون المستحيل لاستعادة كل حبة رمل مصرية، فكان النصر على أرض سيناء بعودة الروح وعودة الوعى إلى الأمة المصرية، فكانت حرب أكتوبر المجيدة أعظم إنجاز أكد عظمة السادات وفراسته وتعدد قدراته، وفى مقدمتها قدرته على خداع العدو، وتحقيق المفاجأة التكتيكية والاستراتيجية وتحقيق النصر.
إن الانتصار التاريخى الذى تحقق لم يكن ليحدث لولا عبقرية السادات الذى قام بأكبر عملية خداع استراتيجى فى الشرق الأوسط، فلم تتوقع أكبر أجهزة المخابرات فى العالم قراره بالحرب فى ذلك الوقت، بل إنها اعتبرت أن دخوله الحرب «حماقة كبرى» و«انتحار سياسى» بكل المقاييس، وتجلت عبقرية السادات فى عدة قرارات أبرزها قيامه بمناورتين للجيش، وإعلان التعبئة العامة قبل الموعد المحدد للحرب، مما كلّف إسرائيل أموالاً طائلة، وعندما بدأت المناورة الثالثة تجاهلتها إسرائيل فكانت الحرب.
كما تجلت عبقرية السادات فى إدارته للحرب بنفسه، وأوقفها بعد صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، لأنه وجد أن الحرب حققت أهدافها بتحريك عملية السلام، وأنه لن يستطيع محاربة أمريكا والغرب بمفرده.
وتوقف القتال فى 28 أكتوبر بوصول قوات الطوارئ الدولية إلى أرض سيناء بعدما أدركت إسرائيل أنها خسرت المعركة، ووافقت على الدخول فى مباحثات الفصل بين القوات فى الكيلو 101 حيث تم الاتفاق على الالتزام بوقف إطلاق النار.
وبعد نهاية حرب أكتوبر بأقل من عامين اختار الرئيس السادات يوم 5 يونيو ليكون يوم إعادة افتتاح قناة السويس للملاحة، وليكون يوم النصر فى القناة بعد أن كان ذكرى الهزيمة وإغلاق القناة، وصعد الرئيس السادات على ظهر المدمرة «6 أكتوبر» ليبدأ بها أول رحلة بحرية تعبر القناة بعد إعادة فتحها للملاحة.
وفى سبتمبر 1975 تم التوقيع على فض الاشتباك الثانى والذى بموجبه تقدمت مصر إلى خطوط جديدة واستردت حوالى 4500 كم من أرض سيناء، وأصبح الخط الأمامى للقوات الإسرائيلية على الساحل الشرقى لخليج السويس لمسافة 180 كم من السويس وحتى بلاعيم، ومن أهم ما تضمنه الاتفاق أن النزاع فى الشرق الأوسط لن يحسم بالقوة العسكرية ولكن بالوسائل السلمية.
وفى عام 1977 قام السادات بمبادرة شجاعة من أجل إحلال السلام فى الشرق الأوسط وأعلن فى مجلس الشعب أنه على استعداد للسفر إلى إسرائيل وإلقاء خطاب فى الكنيست الإسرائيلى، فكانت زيارة القدس.
وفى عام 1978 نال الرئيس السادات جائزة نوبل للسلام بحضور الرئيس الأمريكى جيمى كارتر ورئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجين.
qqq
لقد كان السادات صاحب نظرة مستقبلية، فقد نجح فى استرداد أرضه وجنب مصر ويلات الحروب، وما حققته مصر من خلال السلام يعد إنجازًا كبيرًا من حيث مضمونه الذى أعاد سيناء كاملة لمصر، ومن حيث استمراره واستمرار طرفيه فى الالتزام بما وقعا عليه.
إن رؤية السادات المستقبلية سبقت عصره بكثير، فنجح فى تصحيح كثير من الخطوط العريضة لثورة يوليو، عندما أخرج مصر من دائرة الاستقطاب السوفيتية، وإعادة الرأسمالية الوطنية لتسهم فى التنمية بدلاً من الاقتصار على القطاع العم فقط، وقد أنهى مشهد اغتيال السادات أثناء الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر عام 1981 فترة حكمه بعد 11 عامًا قاد فيها مصر بكل حكمة وإخلاص.. سقط شهيدًا بعد أن سعى بكل طاقته إلى رفعة شأن مصر ووضعها فى مكانتها بين دول العالم.
ففى السادس من أكتوبر دخل السادات التاريخ منتصرًا.. وفى السادس من أكتوبر خرج السادات من الدنيا شهيدًا.

ماجد بدران