مصر تنتصر

سكري.. يا دهب

101

رسالة مرسى علم

كتب : محمد نجم

 

قد لا يعلم الكثيرون أن منجم السكرى بمنطقة مرسى علم قد أنتج حتى الآن 170طنًا من الذهب النقى، وأن الحكومة حصلت على نصفه،  وباعت بعضه فى بورصة لندن، وأضافت البعض الآخر إلى احتياطى البلاد من الذهب لدى البنك المركزى، والذى ارتفع مؤخرًا إلى ما يزيد على 77 طنًا.

وقد لا يعلم البعض أيضا أن هذا المنجم – والذى يعد أحد أكبر عشر مناجم فى العالم – لايزال يحتوى على احتياطى ضخم من الذهب، بلغ المؤكد منه حتى الآن أكثر من خمسة آلاف و220 طنًا، ويتوقع أن تكشف عمليات البحث والاستكشاف الجارية عن مفاجآت جديدة.

.. فما حكاية السكرى، وأين الحقيقة من الخيال فيما قيل ويقال؟

لقد اكتشف أجدادنا الفراعنة وبأدواتهم البسيطة الذهب فى جبال البحر الأحمر، وخاصة المحاذى منها للساحل، وكانوا يستدلون عليه خلال فصل الشتاء، حيث تظهر مياه الأمطار الصخور بألوانها الطبيعية، وخاصة صخر الكوارتس (بلون السكر) التى تحتضن ذرات الذهب، ولذلك أطلقوا على الجبل اسم السكرى.

وبعد الفراعنة جاء الرومان، ولم يستمروا طويلا، تم منح حق الامتياز لاستخراج الذهب من جبل السكرى لرجل أعمال مصرى (الهوارى بك) فجاء بشركة إنجليزية لم تنجح فى استخراج الذهب بشكل تجارى، وبعد رحيلها، آل المنجم إلى الدولة وتقرر إغلاقه لعدم الجدوى الاقتصادية.

وفى عام 1968 جاء إلى مصر مهاجر مصرى من أستراليا، وهو رجل الأعمال الجيولوجى سامى الراجحى – من أصول صعيدية – للبحث عن الرملة السوداء والتى تنتشر فى محافظتى كفر الشيخ وسيناء.

وبعد أخذ عينات وتحليلها فى معامل الشركة بأستراليا وجد أنها تحتوى على سبعة معادن مختلفة وبنسبة تركيز تصل إلى 99%، وتم وقتها الاتفاق مع هيئة الثروة المعدنية على حق استغلال الرملة السوداء من أبو قير فى الإسكندرية إلى العريش فى سيناء.

ثم تصادف أن كان وزير الصناعة وقتها د.إبراهيم فوزى الذى رغب فى الاستفادة من خبرة هذا المصرى المغامر والذى يعمل أساسا فى مجال استخراج الذهب فى كل من أستراليا وبعض الدول الإفريقية، وطلب منه أن يحاول استكشاف الذهب فى جبال الصحراء الشرقية وخاصة بمنطقة مرسى علم التى تحتوى جبالها على أكثر من 200 موقع بها خام الذهب والتى اكتشفها الفراعنة – بأدواتهم البسيطة – من قبل.

وبالفعل أحضر سامى الراجحى «خريطة» بهذه المواقع من متحف مدينة تورنتو الإيطالية، وبدأ فى عملية استكشاف للمنطقة من خلال شركة «ستنامين» الأسترالية والمساهم الرئيسى فيها.

ولكن بعد اكتشافه للذهب بالمنطقة رفض مجلس إدارة الشركة العمل فى مصر بحجة عدم التأكد من وجود الذهب، وعدم وجود كوادر مدربة، وعدم وجود قانون لتنظيم عملية التعدين واستخراج الذهب، فضلا عن فشل شركة روسية وأخرى كندية وبعدما صرفوا حوالى 6 ملايين دولار على عمليات الاستكشاف!

ولكنه أصر على موقفه وأسس الشركة الفرعونية بمفرده وتم الاتفاق مع الحكومة المصرية للعمل بنظام شركات البترول وعرضت الاتفاقية – وقتها – على مجلس الشعب الذى أحالها إلى رئاسة الجمهورية، وصدرت بقانون رقم 2022 لعام 1994.

ونصت الاتفاقية على السماح للشركة الفرعونية بالبحث والاستكشاف واستغلال الذهب والمعادن المصاحبة فى ثلاثة مواقع (سفاجا، والبرامية، والسكرى) بمساحة 5600 كيلومتر.

وأن تنفق الشركة ما لا يقل عن مليون دولار على عمليات الاستكشاف وتودع مليون دولار فى البنك كتأمين، وإن لم تستخرج الذهب خلال 3 سنوات تتنازل عن 25% من أراضى حق الامتياز، وبعد 4 سنوات عن 50%، وبعد 7 سنوات تتنازل عن كامل المساحة المخصصة وتؤول جميع الأموال والمعدات للدولة.

وبعد 6 سنوات من العمل وتجهيز الموقع بالبنية الأساسية من محطات كهرباء وتحلية مياه، وجلب المعدات وتدريب العمالة، وبتكلفة أكثر من 35 مليون دولار، أعلن المرحوم د.مصطفى الرفاعى وكان وزير الصناعة وقتها عن اكتشاف الذهب بمنجم السكرى بشكل تجارى وبجدوى اقتصادية مرتفعة.

ولكنه سرعان ما غادر موقعه وحل محله وزير الكهرباء د. على الصعيدى كوزير للصناعة، وفوجئت الشركة بحرب ضارية ضدها ومنع العمال والمهندسين من الحصول على تصاريح الدخول إلى الموقع، بل وصل الأمر للقبض على بعض العاملين من الأجانب والمصريين.

واضطرت الشركة – وهى شركة مساهمة مصرية – مناصفة بين الحكومة والشركة الفرعونية، باسم شركة السكرى لاستخراج الذهب إلى التحكيم الدولى.

ثم تصادف أن نقلت تبعية هيئة الثروة المعدنية إلى وزارة البترول حيث سعى المهندس سامح فهمى وزير البترول إلى وقف عملية التحكيم، ونجح فى عقد اتفاق جديد تم بمقتضاه تخفيض المساحة الممنوحة إلى الشركة 160 كيلومترًا فقط، وكان ذلك عام 2007، وطلب من الشركة تسريع العمل وتوالت زياراته للموقع مصطحبًا معه وفودًا مختلفة من أعضاء مجلسى الشعب والشورى، وبالفعل أعلن فى بداية 2010 عن بدء الإنتاج التجارى للذهب.

وفى تلك الفترة حدثت واقعة طريفة استغلت بعد أحداث يناير 2011 للهجوم على الرئيس مبارك بشكل عنيف، حيث تصادف أن أنتج منجم (حمش) أكبر سبيكة ذهب فى العالم بوزن 28 كيلو (حيث الحجم العادى يتراوح من 20 إلى 21 ك فقط)، وأعلن سامح فهمى إهداءها للرئيس مبارك فى مؤتمر صحفى، وتصادف أن كان الأخير فى شرم الشيخ ووجه العاملين بالرئاسة لوضعها فى متحف قصر عابدين.. ومازالت موجودة حتى الآن.

الجدير بالذكر أن منجم حمش تديره شركة ماتز هولدنج القبرصية، وأنتج حوالى 200 كيلو ذهب حتى الآن.

ونعود لمنجم السكرى – بعد هذا الاستدراك – حيث نجح فى أول عام (2010) فى استخلاص وإنتاج 7 أطنان ذهب، ووصل الآن فى المتوسط إلى إنتاج حوالى 13 طنًا سنويًا، وبإجمالى حوالى 170 طنًا خلال 9 سنوات فقط، مع العلم أن الاحتياطى المؤكد حتى الآن يبلغ حوالى 5222 طنًا (16 مليون أوقية)، مع العلم أن الطن ألف كيلو، والكيلو 30 أوقية، والأوقية حوالى 31.12جم.

مع ملاحظة أن حق الامتياز للشركة على المنجم والأراضى المحيطة مدته 30 عامًا، أى تنتهى فى عام 2035، وبعدها قد يمتد الامتياز لسنوات أخرى، أو يتوقف المشروع وتؤول الشركة والموقع والمعدات إلى الدولة، وهو ما يتوقف على نتائج الاستكشافات الجارية حاليًا والتى تتم على جميع منطقة الامتياز.

مع العلم أن الذهب المستخرج المُصنَّع فى صورة سبائك يشحن إلى كندا حيث المعمل الدولى المعترف به عالميا، ليتم تحليله وتنقيته وتحديد عياره وختمه، ثم وضعه لحساب الشركة فى بورصة لندن انتظارًا لأوامر البيع طبقا للأسعار المتداولة.

ويقسم العائد مناصفة بين الشركة الفرعونية (المملوكة لآل الراجحى) والحكومة المصرية، بعد خصم تكاليف الإنتاج، وبعد حصول الحكومة على نسبة 3% من حجم الإنتاج كإتاوة استخراج.

وقد تم الاتفاق مع الحكومة المصرية – ومنذ 6 أشهر فقط – على أن تُحصِّل الحكومة جزءًا من نصيب الشركة الفرعونية ذهب وتدفع مقابله بالعُملة المصرية (أى حوالى من 60 إلى 70 كيلو شهريا)، بإجمالى حتى الآن حوالى طن ونصف الطن، وهو ما رفع احتياطى البلاد من الذهب إلى حوالى 78 طنًا حاليًا، مع العلم أن الرئيس مبارك كان حريصًا على شراء الذهب من الأسواق وتخزينه لدى البنك المركزى وقد بلغ بنهاية حُكمه حوالى 75.6 طن!

ومع العلم أيضًا أن الملك فاروق ترك البلاد وكان الاحتياطى من الذهب حوالى 40 طنًا، تم استهلاكها فى حرب اليمن وفترة الوحدة مع سوريا!

والآن.. كيف يتم استخراج الذهب.. هذا المعدن النفيس الذى يزغلل بريقه عيون البشر من كل الأجناس ومن كافة الطبقات – بداية من الاستكشاف، ثم التعدين (الاستخراج) ونهاية بالتصنيع (الصب فى صورة سبائك)؟

أولاً.. لابد من الإشارة إلى أن الذهب الموجود بمنجم السكرى لا يوجد فى صورة «كتلة» صخرية يتم التقطيع منها بمعدات الحفر والتقطيع، ولا يوجد أيضا فى صورة عروق ظاهرة ممتدة لعدة أمتار يتم فصلها عن باقى صخور الجبل، وإنما يتواجد فى شكل ذرات خفيفة ملتصقة فى بعض صخور الجبل، ومنها ما هو سطحى، ومنها ما هو موجود فى العمق أى لابد من حفر أنفاق عميقة للوصول إليها.

وتبدأ عملية استخلاص ذرات الذهب بتفجير الكتلة الصخرية وبطريقة معينة حتى لا تتحرك من مكانها، ثم تجمع الخامات بعد فرزها حسب نسبة تواجد الذهب فيها إلى مكان التشوين (ويتراوح تواجد الذهب فى الصخر من 1.5جم لكل طن إلى حوالى 16جم، ومن خلال سيارات نقل خاصة تسمى «دمبر» حمولة كل منها أكثر من 150 طنًا، ويقوم ونش خاص قدرته 70 طنًا برفع هذه الصخور إلى الكسارة، ويمتلك المنجم كسارتين لطحن الصخور.. الأولى للأحجام الكبيرة والتى يصل حجمها إلى متر ونصف المتر، والثانية للأحجام التى تبدأ بأربعة سنتى للأقل، والكسارتان تطحنان حوالى ألفين طن فى الساعة، ثم ينقل الصخر المطحون (والذى أصبح كالتراب) على سيور إلى الغلاية لإضافة المواد الكيماوية التى تساعد على فصل الذهب، ثم ينقل إلى تنكات خاصة للغسل وإزالة الشوائب، وبعدها يضخ إلى المصنع للصب فى صورة سبائك (قوالب).

أما الصخور التى تحتوى على أقل من نصف جرام ذهب فى الطن، فيتم تجميعها فى مكان خاص فى صورة «كومة» من التراب المطحون، وباستخدام طريقة معينة للرش من أعلى بالماء المخلوط بمواد كيماوية حيث يتم فصل الذهب عن التراب، ويتم سحبه مع الماء فى خراطيم خاصة مغروسة وسط الكومة إلى المصنع، حيث عمليات الفرز والغسيل والتجميع والصب.

والمنجم يعمل حاليًا طوال الـ 24 ساعة من خلال ورديتين، ونظرًا للنجاح فى استخراج الذهب بكثافة مؤخرًا، فقد تم بناء مصنع آخر للمعالجة النهائية والصب فى صورة قوالب (سبائك).

ويقول عصمت الراجحى مدير العلاقات العامة والأمن بشركة السكرى إن العمل يتركز حاليًا فى منطقة الجبل بطول 3ك م وبعرض 500م، وارتفاع حوالى 300م، وأن الشركة تستخدم تكنولوجيا حديثة ومعدات ضخمة بعضها صمم خصيصا للمنجم، وهو ما يمكنه من تكسير وطحن حوالى 250 ألف طن من الصخر يوميًا.

ويشير إلى أن الشركة التى تمتلك المنجم هى شركة مصرية يرأس مجلس إدارتها أحد قيادات هيئة التعدين، ويتولى شقيقه يوسف الراجحى منصب العضو المنتدب فيها، وأن الشركة أضافت للاقتصاد المصرى حوالى 5 مليارات دولار، منذ إنشائها وحتى الآن، منها حوالى مليار ونصف المليار صرفت على البنية التحتية للمنجم والتى تمثلت فى خط مياه بطول 28 كيلومترًا لنقل مياه البحر الأحمر إلى الموقع، ومحطتان لتحلية المياه، ومحطة كهرباء 85 ميجا، ومصنعين، ومئات المعدات من كباشات الحفر، وعربات نقل الخام، والكسارات، والمخازن وأماكن مبيت العاملين.. إلخ.

وأضاف أن مصاريف الإنتاج تكلف الشركة حوالى 2 مليون دولار شهريا، قيمة ما يتم استخدامه من مواد تفجير (حوالى 70 طنًا يوميا) وقيمة السولار والكهرباء وأجور العاملين وتكاليف الإقامة والتغذية وقطع الغيار.. إلخ، ومع ذلك فالشركة على استعداد للعمل فى 10 مناجم أخرى مثل السكرى، حيث أصبح لديها الكوادر المدربة والمعدات المطلوبة، واكتسب العاملون فيها خبرات كبيرة.

وأضاف أن المنجم يعمل طبقا لنظام محكم قد لا يوجد فى مكان آخر فى العالم، بدءًا من الاهتمام بسلامة العاملين فيه، مرورًا بالحفاظ على البيئة المحيطة، وانتهاء بالأسلوب العلمى المنضبط فى التعامل داخل الموقع ومع الموردين وشركات المقاولات التى استعانت بها، ويوجد بالموقع حوالى 1600 عامل ومهندس، لا يوجد بينهم أجانب سوى 50 عاملا فقط، هذا بخلاف العمالة غير المباشرة والتى يصل عددها إلى 3 آلاف عامل.

لقد تجولت فى جميع أرجاء المنجم وشاهدت عمليات التفجير والحفر والتكسير والطحن والتصنيع، ودخلت إلى الأنفاق المحفورة فى الجبل بسيارة خاصة ولمدة ثلث ساعة قطعنا فيها مسافة تمتد إلى عشرة كيلومترات، وشاهدت الشباب المصرى الجاد يعمل بكل جدية وبُحب وإخلاص وبعيدًا عن الأضواء و«هرى» وسائل التواصل الاجتماعى، ولم يلتفتوا إلى الشائعات السابقة والتى أثيرت حول المنجم والعاملين فيه فى بداياته، وخاصة حكاية النفق الذى تم حفره بطول 800 كيلومتر من المنجم لمطار القاهرة، وكذلك سيارة الدفع الرباعى التى كانت تحمل ليلا بحوالى 10 أطنان من الذهب، بغرض التهريب والبيع فى أسواق دولة خليجية!

وختامًا كل الشكر لجميع هؤلاء الشباب المخلص وخاصة المهندس هيثم مهندس تعدين المنجم السطحى، ومهندس محمد الروبى رئيس قسم البيئة، والمهندس هانى يحيى مهندس تعدين الأنفاق، والعقيد هشام النكلاوى مدير أمن الموقع.. على ما قدموه من مساعدات وتسهيلات لإنجاز زيارتى ومهمتى الصحفية التى استمتعت بها كثيرًا، ونأمل أن يكون لدينا أكثر من «سكرى» فى مصر.