مصر تنتصر

الله يرحمها!

31

آخر كلمات قالها شهيد التذكرة: «القطار مفهوش رجالة ولا إيه يا جدعان»، رحمة الله عليه، والنخوة الله يرحمها، ويرحم الشهامة والأمانة وكل العادات الطيبة التى كانت فى جينات ولاد البلد المصريين، وكانوا زمان حين يصل إليهم مجرد إحساس بأن جار لهم أو ضيف يعانى من أزمة، يبادرون لنجدته بصورة جماعية وليست فرادى، وتقوم الدنيا ولا تقعد إذا شاهدوا اعتداء على مظلوم، واليوم يعتدى الشاب القاتل محمد راجح على محمود البنا شهيد المروءة، أو كما أطلقوا عليه فى وسائل التواصل الاجتماعى وفى الإعلام بـ «شهيد الجدعنة»، ولم نرقب فى الفيديوهات المتداولة انتفاضة من رجال الشارع لنجدة محمود، واقتصروا على الفرجة وتسجيل مشاهد طعنه.

يا له من عار انتشر بين العديد من المصريين كالوباء، والغريب أنهم فقدوا الشعور بتأنيب الضمير، وبمعنى آخر اعتراهم بلادة فى المشاعر، وفى حال أضعف الإيمان يمكن وصفهم بمن أصابه العجز وعدم القدرة على مواجهة المجرم أو القاتل، والسؤال: ألم يتصور هؤلاء من أموات الضمير والعاجزين إمكانية تعرضهم لمثل هذه المواقف أو تعترض شخص عزيز لديهم؟ ولا نستغرب أن أصحاب بلادة المشاعر قد يتحولون مع مرور الوقت إلى مثل هؤلاء القتلة الظالمين، التى تجردت قلوبهم من أدنى درجات الإنسانية، ولذا من الطبيعى أن نتابع بصورة شبه يومية تلك الوقائع فى كل زقاق وقرية، حتى وصل الأمر إلى تبادل وقائع توضح غلظة القلوب بين الآباء والأبناء.

ولزيادة الطين بلة نسمع من حين لآخر عن اغتصاب أب لابنته، أو قتل أم لطفلها، وهؤلاء كانوا فى بداية أعمارهم قلوبهم عامرة بالوفاء والنخوة، ومع استمرار تكرار تعرضهم لآفات المحيطين بهم من غش وخسة وخيانة وبذاءة فى القول، كان من الطبيعى أن يطفح عليهم أعراض المرض من سلوك وأقوال تتناقض تماما مع تقاليد المجتمع المصري، وما تلبث أن تصير مشاعرهم كحياة الأنعام بل وأضل سبيلا، وأصبح من المعتاد أن يتردد على آذان الجميع عبارات «أنت مالك» و«أبعد وشوف مصلحتك» و«يا عم كبّر دماغك أنت هتصلح الكون»، وبسبب إحلال هذه المصطلحات السلبية مكان معانى وسلوكيات النخوة والشهامة والصدق، كان من الضرورة أن ينتج عنها هذا المشهد السىء، الذى يظهر فيه عدد من المواطنين المصريين يشاهدون مشاجرة بسيطة بين اثنين، ويمرون عليها مرور الكرام، وفجأة تتطور المشاجرة ويسقط أحدهما قتيلا، وهؤلاء لابد أن يحاسبهم القانون كشركاء فى جريمة القتل.

وأحيانًا يخرج شعاع نور من وسط ظلام حالك السواد، ونجد بعض المواطنين يخالفون هذا الانحطاط الخلقى ويبعثون الأمل نحو مجتمع ناضج.
وفى الختام أود القول إن العديد من قلوب المصريين مسها الصدأ والغبار، ولكن إذا عزموا النية يستطيعون إزالتهما من على الصدور، وحتى تنجح جهودهم فى تحقيق هذا الهدف، بعد توافر عزيمة التغيير لديهم، لابد من أن تمد أيديهم إلى هؤلاء المغيبين لإيقاظ عقولهم، فلا يستقيم مثلا أن نترك عاملاً متقاعسًا عن أداء عمله دون تبصيره بمخاطر أفعاله على سلامة نفسه وعلى أفراد أسرته وعلى مجتمعه، وحينما يعم النضج بين غالبية أفراد المجتمع، فلا يمكن وقتها القول برحمة الله على شهامة ابن البلد، وهذا بالأمر الهين لأن مجتمعنا المصرى ليس مثل المجتمعات العنصرية التى ينتشر فيها الجريمة المنظمة من خلال مافيا السلاح والمخدرات والدعارة.

حسين خيري