عاجل

مصر تنتصر

«القيم» والسياسة

33

«القيم» عند السلفيين مثل «المرشد» عند الإخوان كلاهما لديه هيكل تنظيمى وله نائبان أول وثان ولديه مجلس شورى يماثل مكتب الإرشاد الإخوانى تماما، ولكى نقف على تكوين الجماعات السلفية وكيف تغلغلت فى المجتمع المصرى، علينا بتتبع نشوء الحركات المتأسلمة بكل أنواعها، نتأمل التاريخ الحركى لهم لنجدها عنقودية تولدت من رحم بعضها البعض، وحتى القوى الاستعمارية التى ساعدت بل دربت ومولت ودعمت تلك الجماعات كانت تقوم بانتزاع عناصر منهم مشتاقين للسلطة والزعامة وتدعم انشقاقهم حتى يكونوا جماعة أخرى تناطح الجماعة التى خرجوا من رحمها وتربوا وتعافوا فى حجرها، فلم يكن الإخوان أرباب الاستعمار الإنجليزى إلا جماعة تريدها بريطانيا مناطحة للوهابية فى شبة الجزيرة العربية بل وعدتهم بأن تكون الخلافة الأممية المزعومة التى يريدونها مركزها فى مهد الديانة الإسلامية وإنها الأنسب لهم، حتى أن خيال (حسن البنّا) شطح واستبدل شعار الجماعة من (البندقية والمصحف) إلى (السيف والمصحف) ليناسب البيئة التى وعد بها، ولكن خدعه الإنجليز لأنهم كانوا يريدون موالاة الأمراء فى شبه الجزيرة لعلمهم بأهل البداوة هناك التى كانت تريد ألمانيا استمالتهم لها وقت الحرب العالمية الثانية..

من هنا نقف على الارتباط الوثيق بين الجماعات الدينية والقوى الخارجية من ناحية ومع بعضهم من ناحية أخرى، كانت التجربة المصرية مع حكم الإخوان فى يوليو ٢٠١٢: يونيو ٢٠١٣ التى رمت بظلالها حتى وقتنا هذا ولا نعلم متى وأين ستنتهى؟ لأن الحراك المتأسلم متشابك ويسلم بعضه الأدوار دون ملل أو كلل فبينهم عهود عليهم الوفاء بها حتى لو اختصموا أو تخلوا عن الترابط فى أوقات السقوط لأحدهم، حيث يرى الإخوان والسلفيين أن (قدرهم مشترك) ولا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر فهم جناحين لطائر لا يستطيع الطيران بدونهما كذلك العمل الإسلامى لا يمكن أن يتقدم دون تعاونهما كما يقولون، والسلفيين الذين تسلموا الراية من الإخوان معلنين المهادنة مع الدولة مستخدمين نفس النهج (التقية) فى التعامل ليتواجدوا فى البرلمان الحالى..

بدأت مسيرتهم عام ١٩١٢ بإنشاء الجمعية الشرعية تلاها عام ١٩٢٦ جماعة أنصار السنة المحمدية وهم أقدم جماعتين فى الاتجاه السلفى وسبقوا الإخوان فى التواجد ، لكنهم مارسوا السياسة عندما بدأ الإخوان عام ١٩٢٨ فى الظهور، وجميعًا قدموا أنفسهم مقاومين للاحتلال البريطانى مع باقى القوى التحررية، مما جعل الشعب يثق فيهم وينتمى إليهم ثم بدأت أهدافهم ومصالحهم تطفو فى تناحرهم مع الحكومات المتعاقبة، والمطالبة بجزء من كعكة السلطة ممثلة فى عضوية البرلمان وفى بعض الأحيان حقائب وزارية، وفى عام ١٩٦٩ أدمجت الحكومة المصرية جماعة أنصار السُنّة المحمدية فى الجمعية الشرعية لتجميد نشاطها وإلغاء مجلتها (الهدى النبوى) وكان رئيس تحريرها (عبد الرحمن الوكيل) الذى قام بكتابة سلسلة من الأبحاث بعنوان (الطواغيت) وكانت (نعمة صدقى) صاحبة كتاب (التبرج) هى التى رشحته للمجلة لأنها كانت تمولها، ويرى أنصار السنة أن النظام الديمقراطى كافر لأنه يعطى الإنسان حق التشريع الذى هو حق خالص لله فقط وأن للإسلام خصوصيته ولا يستعير من الغرب، ومع هذا لا يجدوا ضررًا من الترشح وفق النظم الديمقراطية الحديثة، وأن مزاحمة أهل الديمقراطية لتقليل شرهم فى الانتخابات العامة وغيرها أمر جائز مع مراعاة الضوابط الشرعية إذا ترجحت المصالح على المفاسد..

والسلفية الحديثة تضم الآن معظم جماعات التيار ويضاف إليها فى بعض الأحيان الإخوان وقت أزماتهم، وتمثلهم جماعة (الدعوة السلفية) وجناحها السياسى (حزب النور) وهذه الجماعة تعتبر فرع من (الصحوة السعودية) والذى يختلف إلى حد ما عن التيار (الوهابى) الذى كان منتسب إليه بداية، لكن الحقيقة أنه متأثر بالإخوان المسلمين ويرجع هذا لجذور (الصحوة) التى بدأت عام ١٩٦٠ عندما فتحت السعودية حدودها أمام آلاف من الإخوان الهاربين من مصر وسوريا والعراق وفلسطين، وتبنتهم فيما أطلق عليه سياسة (الأبواب المفتوحة) لتستخدم هؤلاء ضد الناصريين والبعثيين، وكان أغلب الهاربين من (القطبيين) الذين اتبعوا أفكار (سيد قطب) وتزامن هذا مع تبنى السعودية برامج لتحديث المؤسسات التعليمية فتم انتشار الإخوان فى العملية التعليمية هناك، ووسع تيار الصحوة نفوذه من خلال خطاب يجمع بين الوهابية والأيديولوجية الإخوانية..

هكذا بعد انفراد الوهابية بالمشهد الدينى فى السعودية جاءت (الصحوة) تناطحها بعد أن استفادت من الإخوان فى التأكيد على أن (الدين هو السياسة) ليس هذا وحسب لكنها انتقدت (الولاء والبراء) عند الوهابيين والذى يقول بحرمة الاعتماد على الكفار وضرورة طردهم من شبة الجزيرة العربية، فى حين استغلت الصحوة وجود القوات الأمريكية بالسعودية فى التسعينيات أثناء الغزو العراقى للكويت لتضحد أراء الوهابية واتهمتهم بالابتعاد عن الوقائع الحالية حيث اعتبرت الصحوة أن قرار السعودية السماح لأمريكا باستخدام الأراضى ضد العراق هو حق للأمة فى أن تكون وصية على نفسها لأنها ولى أمر المسلمين معتمدة فى ذلك على مفاهيم الإخوان..

من هنا يمكننا الوقوف على (الدعوة السلفية) فى مصر والذى يحاكى الصحوة السعودى ويتلقى منه تمويلا ولذلك مسيرتهم متشابهة إن لم تكن واحدة، وضم تكوينه فى السبعينيات كل رموز (الجماعة الإسلامية) الذين يروا أن الحاكم لا يطبق شرع الله ووفقا لرؤيتهم فهو كافر وكانوا يجهرون بذلك علانية فى خطابهم الدعوى، ويؤيدون (أسامة بن لادن) وتولوا الدفاع عنه بعد ١١ سبتمبر وبرروا هجمات القاعدة باعتبارها جهادا فى سبيل الله، الغريب فى الأمر تلك العلاقة المعقدة بينهم وبين الإخوان فهم متنافسون متنافرون، متعاطفون متعاونون فى موضع آخر..

وتتمركز (الدعوة السلفية) فى الإسكندرية المدينة الأكبر بعد القاهرة، ولقد أسسها (محمد إسماعيل المقدم) عام ٧٢ وكان فى كلية الطب وقتذاك وعملوا تحت مسمى جماعة (الدراسات الإسلامية) فى الجامعة ثم فى عام ٧٤ سموا أنفسهم (الجماعة الدينية) ووقتها انضم إليهم (عصام العريان) فصاروا (الجماعة الإسلامية) ورفضوا الانضمام للإخوان لأنهم رفضوا مبايعة (عمر التلمسانى) لأنه من وجهة نظرهم مجهول وليس معروف، ومن هنا تنافسوا فى الجامعات لضم الطلاب ووصل الصدام لذروته عام ١٩٨٠ على إثره قرر السلفيون العمل بطريقة منظمة فكونوا (اتحاد الدعاة) ثم (المدرسة السلفية) ويترأس الدعوة الآن (محمد عبدالفتاح أبو إدريس) الذى ولد فى الإسكندرية عام ١٩٥٤ وكانت بدايته مع أنصار السنة ثم أميرا للجماعة الإسلامية فى كلية الهندسة، ولكنه لا يميل للظهور الإعلامي، وبعد ٢٥ يناير ٢٠١١ قاموا بإعادة هيكلة الدعوة ووضعوا لائحة مجلس شورى جماعتهم وتم فيها انتخاب الرئيس ونوابه فكان النائب الأول (محمد إسماعيل المقدم) والنائب الثانى (ياسر حسين محمود برهامى) والمتحدث الرسمى (عبد المنعم الشحات) ويبقى السؤال: السلفيون إلى أين؟