مصر تنتصر

هذا ما قدمته مصر للقضية الفلسطينية.. فماذا قدمتم؟

184

منذ عام 1948 وهجرة المجموعات اليهودية إلى فلسطين.. والقضية الفلسطينية تشبه كرة الثلج التي يزداد حجمها وتزيد قوتها التدميرية فتعود آثارها السلبية على الشعب الفلسطيني فقط، في الوقت الذي يجني فيه الطرف الآخر مزيدًا من المكاسب، وهو ما تشهده القضية حاليًا، عقب الإعلان الأمريكي عن خطة الرئيس ترامب للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تباين كبير بين رد فعل الجانبين على خطة السلام الأمريكية التي جاءت في 181 ورقة، ولم تكشف الإدارة الأمريكية كافة تفاصيلها إعلاميًا بعد، ولكن نقاط قليلة تُعد بمثابة خطوط عريضة.

لم تكن تلك التحركات هى الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة لحلحلة الأزمة، لكنها ستكون محطة ضمن محطات كرة الثلج الضخمة التى صنعتها أحداث القضية.

فقد أعلنت القيادة الفلسطينية رفضها الكامل للخطة الأمريكية المطروحة، وفى المقابل طلبت واشنطن من أبو مازن تقديم مقترح فلسطينى لعودة عملية السلام، بحسب تصريحات أطلقها «مايكل بومبيو» وزير الخارجية الأمريكى نهاية الأسبوع الماضى.

أحداث كثيرة تشهدها القضية الفلسطينية منذ بداية الأزمة عام 48 وعلى مدار 72 عامًا، وخلال تلك الفترة والدولة المصرية لديها مواقف ثابتة، لم تتغير، فهى تضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها، وقدمت الدماء والشهداء للدفاع عنها، حيث دخل العرب وفى مقدمتهم مصر حرب 48 فى مواجهة العصابات الإسرائيلية.

ظلت الدولة المصرية تضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها، ودعا الرئيس عبدالناصر لعقد قمة عربية فى الخرطوم رفعت شعار «لا اعتراف، لا صلح، لا تفاوض مع إسرائيل» وعُرِف المؤتمر بقمة (اللاءات الثلاث).

اقترح الرئيس جمال عبدالناصر إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، واستمر دفاع مصر عن القضية ودعمها الكامل لمنظمة التحرير، وعقب 5 يونيو 1967 تغير شكل المنطقة، بعد احتلال إسرائيل لسيناء واجتياح كامل الأراضى الفلسطينية والضفة الغربية لنهر الأردن والجولان السورية وجنوب لبنان.

اتسعت مساحة الأراضى المحتلة من جانب العدو الإسرائيلى فى خمس دول عربية بعد أن كانت تحتل جزءًا من الأراضى الفلسطينية، كان ذلك بدعم من القوى الدولية وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

واصلت مصر دفاعها ومساندتها للقضية الفلسطينية، فعندما قبلت مصر مبادرة روجرز 1970 تضمنت المبادرة ضرورة إحلال السلام فى المنطقة، وإجراء مفاوضات تحت إشراف مبعوث الأمم المتحدة للتوصل إلى اتفاق نهائى، وكيفية تنفيذ القرار 242 بما فى ذلك انسحاب إسرائيل من الأراضى التى احتلتها عام 1967، وإيجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين مع تقرير وضع القدس والرتيبات المتعلقة بها؛ كما أصدرت الجمعية العامة نتيجة لمبادرة مصرية أول قرار ينص على حق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير، ونجحت فى التوصل إلى تنفيذ اقتراحها الخاص بتشكيل لجان للتحقيق فى الأوضاع بالأراضى المحتلة، فأنشأت كل من منظمة العمل الدولية واليونسكو ومنظمة الصحة العالمية ولجنة حقوق الإنسان، وهى لجان تحقيق ساعدت على تكوين رأى عام عالمى مؤيد لوجهة النظر العربية ومناهض لممارسات إسرائيل فى الأراضى المحتلة.

كان الرئيس السادات أول من اقترح فكرة إقامة حكومة فلسطين مؤقتة ردًا على ادعاءات «جولدا مائير» رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك بعدم وجود شعب فلسطين فى 28 سبتمبر 1972.

عقب حرب أكتوبر 1973، وتحديدًا خلال الفترة من 26 إلى 28 شهر نوفمبر أثناء القمة العربية السادسة بالجزائر، ساندت مصر بقوة جهود منظمة التحرير الفلسطينية حتى تمكنت من الحصول على اعتراف كامل من الدول العربية باعتبارها الممثل الشرعى الوحيد للشعب الفلسطيني.

وفى أكتوبر 1975 وبناءً على مقترح مصرى، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3375 ( الدورة 30) بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك فى كافة الجهود والمناقشات والمؤتمرات المتعلقة بالشرق الأوسط.

كما تقدمت مصر فى يناير 1976 بطلب رسمى لوزيرى خارجية الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى بوصفهما رئيسى المؤتمر الدولى للسلام لدعوة منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك فى المؤتمر عند استئناف نشاطه، كما طلبت مصر مرتين (خلال شهرى مايو وأكتوبر) عام 1976من مجلس الأمن النظر بصفة عاجلة فى الأوضاع السائدة فى الأراضى المحتلة، وأصدر المجلس بيانين تم التوصل إليهما بتوافق الآراء بإدانة سياسات وممارسات إسرائيل واعتبارها إجراءات باطلة وعقبة فى طريق السلام؛ وفى سبتمبر تمت الموافقة بإجماع الأصوات على اقتراح تقدمت به مصر بمنح منظمة التحرير الفلسطينية العضوية الكاملة فى جامعة الدول العربية وبذلك أصبح للمنظمة حق المشاركة فى المناقشات وفى صياغة واتخاذ القرارات المتعلقة بالأمة العربية بعد أن كان يقتصر دورها على الاشتراك فى المناقشات حول القضية الفلسطينية فحسب.

رفع الرئيس السادات شعار «النصر والسلام» عقب نصر أكتوبر، وتم التحرك فى هذا الاتجاه لاسترداد كافة الأراضى المصرية والعربية وعلى رأسها الأراضى الفلسطينية المحتلة، وطلب الرئيس السادات من القيادتين الفلسطينية والسورية المشاركة فى المفاوضات، إلا أن الجانب الفلسطينى والسورى – بمساندة من العراق وعدد من الدول العربية – اتهموا الرئيس السادات بالخيانة، وقاموا بدعم أبواقهم الإعلامية للنيل من الرئيس السادات، إلا أنه أصر وواصل المسيرة، وكما قاد مصر للنصر فى أكتوبر 1973، قادها فى أكبر معركة لاسترداد كامل التراب الوطنى.

فى نوفمبر 1977، ونظرًا للجمود الذى أصاب من جديد المساعى الدولية للسلام بعد تحريكها بالمواجهة العسكرية فى أكتوبر 1973 والذى أصبح يهدد بتفجر الأوضاع فى المنطقة، استشعرت مصر مسئولياتها الكبرى وأعلن الرئيس السادات مبادرته التاريخية وقام بزيارة إسرائيل، حيث أكد أمام الكنيست الإسرائيلى مصداقية التوجه المصرى نحو السلام الشامل، وتحدث بقوة عن الحقوق العربية والفلسطينية العادلة والمشروعة، وطرح خطة مفصلة لتسوية النزاع فى المنطقة شكلت مرتكزًا ثابتًا لتحرك الدبلوماسية المصرية خلال المباحثات اللاحقة وضرورة الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى بما فى ذلك حقه فى تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، بالإضافة إلى الرجوع إلى حدود ما قبل عام 1967.

نجحت مصر فى استرداد أراضيها وفق الرؤية التى طرحها الرئيس السادات، وظلت القضية الفلسطينية تكبر ككرة الثلج حبيسة الشعارات التى أطلقها عدد من القادة العرب والقيادة الفلسطينية وبعض الحنجوريين فى الشارع العربى.

فى فبراير 1981 دعا الرئيس السادات الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الاعتراف المتبادل، وهو أول من نادى بهذه الفكرة خلال جولته الأوروبية التى دعا خلالها إلى إقامة حكومة فلسطينية مؤقتة تتبادل الاعتراف مع إسرائيل.

استشهد الرئيس السادات وتولى الرئيس مبارك الذى طرح فى يوليو عام 1988 خطته للسلام والتى تضمنت ضرورة حل القضية الفلسطينية طبقاً لقرارى مجلس الأمن 242 و 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام وإقرار الحقوق السياسية للفلسطينيين مع وقف جميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، وفى 25 أكتوبر من نفس العام أبدت مصر ترحيبها بمبادرة جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق ذات النقاط الخمس والتى أكدت ضرورة إجراء حوار فلسطينى ـ إسرائيلى كخطوة أولى باتجاه السلام فى المنطقة.

ظلت مصر تواصل مساندتها الدائمة للقضية الفلسطينية مرورًا باتفاق «أسلو» وإقرار خارطة الطريق التى تبنتها اللجنة الرباعية عام 2002، والتى سبقها اقتراح الرئيس الأسبق مبارك فى يونيو من نفس العام إعلان إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة فى عام 2003، ومناقشة القضايا الشائكة مثل القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود والمياه، مع مراعاة قرار الأمم المتحدة رقم 1397، والذى دعا لأول مرة إلى ضرورة قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل.

واصلت مصر دعمها للقضية الفلسطينية ومسار السلام العادل والشامل، حيث قادت مصر حوارًا بين الفصائل الفلسطينية لتوحيد الصف الفلسطينى الذى ضربته الانقسامات عقب اتفاق (غزة – أريحا)؛ وعقب انتفاضة الأقصى عام 2000 استطاعت مصر توحيد الفصائل وتم توقيع اتفاق فى عام 2005 قبيل التحرك نحو إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006 والتى كانت بمثابة بداية لمرحلة جديدة من الانقسام الفلسطينى بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، وظلت الهوة تتزايد بين الفصائل الفلسطينية فى الوقت الذى تقوم فيه إسرائيل ببناء مزيد من المستوطنات الإسرائيلية على الأراضى المحتلة.

بذلت مصر جهودًا كبيرة فى إتمام المصالحة بين الفصائل الفلسطينية – حماس وفتح – وفتحت معبر رفح وفقًا لترتيبات أمنية جديدة بالتنسيق مع فتح وحماس تجنبًا لاتهام مصر بتعزيز الانقسام، وجاء الإعلان عن هذه الترتيبات الجديدة لإدارة معبر رفح عقب توقيع اتفاق المصالحة فى نهاية إبريل عام 2011.

بعد تولى الرئيس السيسى الحكم 2014، ظلت القضية الفلسطينية قضية مركزية بالنسبة لمصر وبذلت مصر العديد من الجهود لوقف إطلاق النار لتجنب المزيد من العنف وحقن دماء المدنيين الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطينى الذين يدفعون ثمن مواجهات عسكرية لا ذنب لهم فيها، فضلًا عن الجهود الإنسانية التى قدمتها مصر من خلال فتح معبر رفح لاستقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين والمساعدات الغذائية والدوائية للشعب الفلسطينى.

ظلت مصر تؤكد فى كافة المحافل الدولية أن المنطقة لن تنعم بالاستقرار دون إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وإعلان دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.

جاء بيان الخارجية المصرية عقب إعلان الخطة الأمريكية للسلام ليؤكد على ضرورة التوصل لتسوية تعيد للشعب الفلسطينى حقوقه، وكان نص البيان «تقدّر جمهورية مصر العربية الجهود المتواصِلة التى تبذلها الإدارة الأمريكية من أجل التوصُل إلى سلام شامل وعادل للقضية الفلسطينية، بما يُسهم فى دعم الاستقرار والأمن بالشرق الأوسط، وينهى الصراع الفلسطينى – الإسرائيلى».

هذا، وترى مصر أهمية النظر لمبادرة الإدارة الأمريكية من منطلق أهمية التوصُل لتسوية القضية الفلسطينية بما يعيد للشعب الفلسطينى كامل حقوقه المشروعة من خلال إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على الأراضى الفلسطينية المحتلة، وفقًا للشرعية الدولية ومقرراتها.

ومن ثم، تدعو مصر الطرفين المعنييّن بدراسة الرؤية الأمريكية لتحقيق السلام دراسة متأنية، والوقوف على كافة أبعادها، وفتح قنوات الحوار لاستئناف المفاوضات برعاية أمريكية، لطرح رؤية الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى إزاءها، من أجل التوصل إلى اتفاق يلبى تطلعات وآمال الشعبين فى تحقيق السلام الشامل والعادل فيما بينهما، ويؤدى إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وما زالت مصر تحرص على أن تكون القضية الفلسطينية أحد أهم مرتكزات سياستها الخارجية، وضرورة التوصل لتسوية تعيد كافة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

لكن على الجانب الآخر ما زالت الفصائل الفلسطينية لم تستطع توحيد صفوفها، رغم أن قضيتهم واحدة، ولم تستطع قيادات الفصائل أن تصل إلى حل لتوحيد جبهتها ضد الاحتلال الإسرائيلى الذى يواصل ليل نهار الاعتداء على الأراضى الفلسطينية فى الوقت الذى تتناحر فيه الفصائل مع بعضها البعض.

إن رؤية السلام الأمريكية تعد بمثابة إلقاء حجر في بركة المياه الراكدة، يستوجب على الجانب الفلسطينى أن يستجمع قواه ويوحد صفه ويطرح رؤية لاسترداد حقوقه،

لا أن نتوقف عند رفض أى مقترح في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل احتلال الأرض.

وعلى القيادة الفلسطينية ألا تُعيد سيناريو 1977، خاصة بعد أن كانت نتيجته استمرار احتلال الأراضى الفلسطينية والتهام المزيد منها.