30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

الفريضة الغائبة !

176

أعرف موظفًا كبيرًا.. كان عندما يسأله أحد عن مرتبه.. يسارع بالقول: «أنا ورئيسى بناخد 12 ألف جنيه».. الطريف فى الموضوع.. أن كل من كان يعرفه يعلم أنه لا يتقاضى سوى ألفين جنيه فقط، بينما كان رئيسه يتقاضى عشرة آلاف.
وهذا هو حال الكثير من أهلنا الطيبين الذين يرفعون شعار «القناعة كنز لايفنى».. يحمدون الله على ما آتاهم ويسألونه دوام الصحة والستر، فطموحاتهم قليلة.. ورضاهم تام عن أحوالهم المستورة.
ولكن هل هذا «الوضع» طبيعى؟ هل هذا الدخل المنخفض نسبيًا يمكن صاحبه من مواجهة متطلبات الحياة الكريمة؟ وهل يجوز أن يستمر هذا التفاوت الكبير بين الدخول؟
ما أقصده.. هو التعبير الأشهر الذى رفعه المتظاهرون فى ثورتى يناير ويونيو «العدالة الاجتماعية» والذى وصفه البعض بالفريضة الغائبة فى المجتمع المصرى.. وهو ما تضمنه وأشار إليه الدستور فى أكثر من 18 مادة، وهو أيضًا ما يشير إليه الرئيس السيسى فى أغلب لقاءاته الجماهيرية، باعتباره ضرورة سياسية واجتماعية واقتصادية.
طيب.. يعنى أيه عدالة اجتماعية؟
يعنى أن تكون هناك فرص متكافئة أمام الجميع طالما توافرت شروط الوصول إليها أو الحصول عليها.. الخبراء والمتخصصون.. يقولون إن عمودها الأساسى هو «التمكين» أى أن يتمكن الفقير من التعليم، والمريض من العلاج، والعاطل من العمل.. الخ..، وبصرف النظر عن النوع أو السن أو العقيدة.. إن اعتمادًا على مبدأ «المواطنة» حيث كلنا مصريون أبناء وطن واحد، ومن حق كل منا الحصول على مايستحقه.
ومناسبة هذا الحديث.. هى المحاولة الجادة التى قام بها د. ماجد عثمان مؤسس ومدير مركز «بصيرة» لبحوث الرأى العام، لوضع مؤشر لقياس العدالة الاجتماعية فى المجتمع المصرى.
حيث اعتمد على مؤشرين رئيسيين أولهما رأس المال البشرى، والذى يضم مؤشرات فرعية مثل: التعليم، والصحة، والثقافة، والتشغيل والحصول على المعلومات.
أما المؤشر الرئيسى الثانى فكان رأس المال الاجتماعى، والذى يضم العدالة والمشاركة، والرضا، والثقة، والأمان.
وقسم نقاط المؤشر من 1 إلى 10، وكلما اقتربت النسبة من رقم عشرة كان الوضع سلبيًا وبعد البحوث والدراسات واعتمادًا على ما توفر من بيانات اتضح أن مؤشر العدالة الاجتماعية فى مصر حوالى 2.28.
ومع ذلك فالدكتور عثمان يقول لنا إن المجتمع المصرى يعانى من العديد من الفجوات منها الفجوة فى الثروة، وبين النوع الاجتماعى وطبقًا لمكان الاقامة أو بين الأجيال..إلخ.
وضرب بعض الأمثلة على هذه الاختلالات ومنها فرصة الالتحاق بالجامعات الحكومية والتى تتراوح بين واحد إلى سبعة حسب القدرات المادية للطالب، بل إن نسبة الحصول على المؤهلات المولدة للدخول الأعلى – مثل الطب والهندسة – يصل التباين فيها من واحد إلى 164 حسب القدرات المادية أيضًا.
ولم يكتف د. عثمان بذلك بل أوضح أنه لايجب التعلل بضعف أو انخفاض موارد الموازنة العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فهناك فقه الأولويات.. فمثلًا الدولة صرفت 500 مليون فى رمضان الماضى لدعم الفقراء، هذا المبلغ كان يكفى لسداد رسوم الحضانة لأكثر من 250 ألف طفل، كذلك استيراد ياميش رمضان بأكثر من 500 مليون، وهو ما يكفى لبناء آلاف الفصول الدراسية الجديدة التى نحتاج منها على الأقل 400 ألف لتمكن من استيعاب المواليد الجديدة والراغبة فى التعليم.
والطريف فى الموضوع عندما تعاون د. عثمان فى محاولته الجديدة مع المركز المصرى للدراسات الاقتصادية أضاف آلية الأخير مؤشرات أخرى للقياس، مثل خدمة الدين العام، والبحوث والتطوير، والبيئة، ومدى توافر الصرف الصحى للمواطنين.
وأخبرتنا الباحثة هدى العبادى والتى أجرت الدراسة المكلمة على المؤشر أن خدمة الدين فى الموازنة الجديدة تصل إلى 541 مليار جنيه، وهو مبلغ يعادل ضعف بند الأجور والمرتبات، وخمسة أضعاف موازنة التعليم، وتسعة أضعاف موازنة الصحة!
وهو المعنى الذى أشارت إليه د. عبلة عبد اللطيف، حيث لايجب أن تختزل العدالة الاجتماعية فى تخفيض نسبة الفقر فى المجتمع، وإنما يجب أن تقوم على حقوق أخرى مثل الشفافية والحرية الاقتصادية والتعليم والصحة، وأنها ستحاول بالتعاون مع مركز بصيرة تطوير المؤشر المقترح وإنشاء مرصد للعدالة الاجتماعية لمتابعة كل المؤشرات والإعلان عن المؤشر الرئيسى سنويًا.
وبالطبع جرت مناقشة علمية للمؤشر وما اعتمد عليه من بيانات شارك فيها كل من د. مصطفى كامل الاستاذ بجامعة القاهرة ود. راجى أسعد من جامعة مينيسوتا، ود. هانيا شلقامى الاستاذ المشارك بالجامعة الأمريكية، وقدموا مقترحات جيدة لسلامة المؤشر ودقته فى التعبير عما يجرى فى المجتمع.
ولكن ما يهمنا – وهذا من عند يأتى – هل من العدالة الاحتماعية أن يسارع البرلمان المنتخب بزيادة مرتبات الوزراء والمحافظين وأعضاء السلك الدبلوماسى دون بقية أفراد وفئات الشعب العامل؟!
وهل يجوز أن يكون معاش الوزير – والذى قد لايستمر أكثر من عام فى منصبه – 33 ألف جنيه، فى حين أن مبلغ المعاش الموحد للجميع أيًا كانت طبيعة عملهم السابقة أو المنصب الذى تولاه قبل الإحالة.. لاتجاوز 1500 جنيه فقط؟!
وما يثير الدهشة أن تتحالف الحكومة مع البرلمان، وتطعن على حكم القضاء الإدراى الذى أنصف أصحاب المعاشات بإضافة العلاوات السابقة التى لم تضاف من قبل؟!
يا جماعة الخير..
يا إما نكون دولة.. ذات مؤسسات تحترم القانون الذى يساوى بين الجميع فى الحقوق والواجبات، وإما أن نظل «شبه دولة» كما وصفت من قبل!
نعم.. لجهود البعض من المخلصين لعمل مؤشر لقياس حالة العدالة الاجتماعية.
ولا.. للاستثناءات.. والتمييز بين أفراد المجتمع وفئاته.. وتوريث الفقر لمن كان حظه سيئًا!