رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

متحف الإنسان دعوة لإثارة العنف

180

كل شيء وارد فى عصرنا الحالي، فى أن تدمر أوطان بحجة أسلحة الدمار الشامل، أو يغتال شخص بسبب لونه أو جنسه أو عقيدته، وبناء عليه أن تقبل بوجود متحف فى باريس مدينة النور يحتوى فقط على جماجم بشرية، وحتى لا تنفر من مشاهدته، تم وضع غطاء للجريمة وأطلقوا عليه متحف الإنسان.
ويقدم للزائر أو السائح متعة التأمل فى مشاهدة أكثر من 18 ألف جمجمة بشرية، وتمثل هذه الجماجم ثوار المستعمرات الفرنسية حول العالم، إنما الممتع والمقبول رؤية متاحف تعرض المومياوات، بهدف التعرف على معجزة التحنيط لدى المصريين القدماء، والمتعة الكبرى أن يرى السائح روعة مقابر الفراعنة.
وفى عام 1938 أسست فرنسا متحف الإنسان، وذلك بغرض دراسة علم الأعراف أو الأنساب، الذى دعا إليه عالم الأنساب الفرنسي، بول ريفت، وفى محاولة لإثبات أن العنصر الأوروبى هو أصل البشرية.
وبجانب جماجم ثوار المستعمرات الفرنسية جماجم لعدد من المشاهير أبرزها جمجمة الفيلسوف الفرنسى رينيه ديكارت، بالإضافة إلى جمجمة سليمان الحلبى الطالب الأزهرى السوري، الذى قتل الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر.
وقد بثت قناة فرنسا 24 لأول مرة تقريرا يكشف عن وجود 18 ألف جمجمة فى 2016، وأثارت صحيفة لوموند الفرنسية هذه القضية، وطالبت بعودة رفات شهداء الجزائر إلى بلادهم، وخلال زيارة ماكرون إلى الجزائر فى عام 2017 تعهد بتسليم جماجم شهداء المقاومة الشعبية.
وفى هذا التوقيت ينتشر على صفحات الجرائد حكاية متحف الإنسان الفرنسى والذى يجاور برج إيفل، ويرجع السبب إلى استرجاع الجزائر منذ أيام رفات 24 شهيدا من رموز المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسى فى منتصف القرن الـ 19، حيث أعدمهم الجيش الفرنسى ونكل بهم قبل ترحيل رؤوسهم إلى فرنسا بحجة الدراسات الأنثروبولوجية.
وظلت قضية استرجاع جماجم هؤلاء الثوار الجزائريين من بين مئات آخرين ضمن مطالب رئيسية مطروحة على أعلى مستوى بين سلطات البلدين وفى حفل رسمى مهيب، انحنى الرئيس الجزائرى تبون أمام نعوش الشهداء أثناء استقبالهم.
وعلى المسئولين كشط اسم متحف الإنسان، وأن يطلقوا عليه «متحف الإنسان الهمجي»، وينتقد باحثون بقاء جماجم الثوار الجزائريين وغيرهم داخل متحف فى القرن الواحد والعشرين، ويقولون إنه يوضح مدى ما يحمله العديد من الفرنسيين فى نفوسهم من حقد تجاه الأحرار، ويجسد من جهة أخرى جرائم تمثيل الجيش الفرنسى بهؤلاء الثوار، ويرى آخرون أنه مشهد حى على جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي.
ومع عودة 24 جمجمة من شهداء الجزائر إلى تراب الوطن، مازال إصرار القائمين على المتحف فى فتح أبوابه للزائرين، والسؤال المثير ما هو السر الذى يجذب الزائر فى مشاهدة مجرد مجموعة من الجماجم المتراصة فيما يشبه المقبرة الجماعية؟ والإجابة تتلخص فى إشباع رغبة سادية عند الزائر وكذلك رغبة التشفى فى الثوار الذين قاوموا جيش الإنسانية الفرنسي!
ولابد أن يقف الإنسان العاقل أمام تلك المأساة طويلا، ليتصور مدى بشاعة مشاهد القتل، غير أن المتحف فى حد ذاته دعوة إلى إثارة العنف والتنكيل، ويعكس المتحف موافقة المجتمع الدولى على تفاخر فرنسا بعرض جثث ضحاياها للسائحين.